“فورين أفيرز”: مغامرة ترامب في إيران.. خاسرة

يكتنف الغموض مجريات العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، فالكثير من الأسئلة الكُبرى المتعلقة بأسبابه وأهدافه ومآلاته لا تزال بلا إجابات واضحة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كيف ستنتهي الحرب؟ وما التداعيات الاستراتيجية النهائية لهذه المغامرة؟ حربٌ بلا أهداف سياسية واضحة تهدّد بإرهاق الولايات المتحدة عسكرياً واستنزاف مواردها، بينما قد تخرج إيران أكثر تصميماً وإصراراً على تطوير قدراتها النووية، ليصبح الاستعراض العسكري قصير المدى سبباً في زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي على المدى الطويل، بحسب كولين كاهل في "فورين أفيرز".

يقدّم تاريخ التدخلات العسكرية الأميركية درساً متكرراً مفاده أن الحروب التي تبدأ من دون أهداف سياسية واضحة ومحدَّدة، أو تكون موضع خلاف، غالباً تنتهي على نحوٍ سيء. ويصبح كل نجاح تكتيكي ممكن تحقيقه مثيراً لكثير من التساؤلات حول الخطوة التالية، وتتحول الانتكاسات إلى مبرّر لمزيد من التصعيد. وهكذا تتسع الحرب ويطول أمدها، ويتراجع المبرّر الأصلي لها. وهذا ما لخّصه المنظّر العسكري البروسي، في القرن التاسع عشر، كارل فون كلاوزفيتز بقوله “عندما تغيب الغاية السياسية الواضحة، قد تتحول الحرب إلى غاية في حد ذاتها”.

معضلة المتفرج

إن أهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من شنّ العدوان على إيران غير واضحة على الإطلاق. ففي البداية أعلن أن الهدف الرئيسي هو تغيير النظام. حتى أنه طالب الشعب الإيراني (في مقطع فيديو نشره على منصة “تروث سوشيال”) بأن يتولى إدارة حكم نفسه بنفسه، قائلاً: “قد تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة”. لكن في الأيام التي تلت ذلك، بدت مواقف وتصريحات المسؤولين في إدارته متضاربة ومتناقضة: هل الهدف هو تنصيب حكومة “مقبولة” كما حصل في فنزويلا؟ أم فرض “استسلام غير مشروط”؟ أم تدمير البرنامج النووي الإيراني؟ أم، ببساطة، إضعاف من ينجو ويبقى في السلطة وجعله عاجزاً عن بسط نفوذه العسكري وإعلان النصر؟

إن تحديد الأهداف بوضوح مسألة أساسية، لأن تغيير النظام، أو تغيير سلوك النظام، أو تدمير البرنامج النووي الإيراني، أو إضعاف قوة إيران العسكرية ونفوذها في المنطقة.. ليست كلها مجرد صيغ مختلفة لهدف واحد. فكل خيار منها يتطلب حرباً مختلفة من حيث طبيعتها، والموارد اللازمة لها، والإطار الزمني، وتعريف النصر المُرتجى، وحتى طريقة التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب.

أميركا ستخرج من الحرب مُنهكة عسكرياً، ومُستنزفة، وأضعف في مواجهة الصين وروسيا لسنوات مقبلة… وإيران ستصبح أكثر إصراراً وتصميماً على تسخير قدراتها النووية المتبقية لردع أي هجمات مستقبلية

وقد تعزَّز هذا الغموض في الأيام الأخيرة مع إرسال ترامب إشارات متضاربة بشأن مدة الحرب. فيوم الاثنين الماضي، حاول تهدئة الأسواق وكبح الارتفاع الحادّ في أسعار النفط، وذلك بالتلميح إلى أن الجيش الأميركي “متقدم جداً على الجدول الزمني” وأن الحرب قد تنتهي قريباً. لكن بعد ساعات فقط تراجع عن كلامه. وقال أمام حشدٍ من المشرعين الجمهوريين: “لقد حققنا انتصارات عديدة، لكنها غير كافية”، مضيفاً: “سنمضي قدماً بعزمٍ أكبر من أي وقت مضى لتحقيق نصرٍ نهائي يضع حداً لهذا الخطر المستمر منذ زمن طويل.. وإلى الأبد”.

إن هذا الغموض يضع الجيش الأميركي أمام معضلة حقيقية (…). فهناك تقارير تُشير إلى أن مسؤولي الاستخبارات الأميركية يرون أن تغيير النظام في طهران أمرٌ مُستبعد. ولكن ماذا سيحدث إذا انتهز إيرانيون “الفرصة التاريخية” التي يقول ترامب إنه أتاحها لهم، وقرّر النظام أن يردّ عليهم بعنف(…)؟.

يقدم التاريخ تحذيرات قاتمة ف يهذا الصدد. فبعد حرب الخليج عام 1991، شجَّع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب العراقيين على الانتفاض، ثم وقف يتفرج عليهم بينما كان الرئيس العراقي صدام حسين يقمعهم بعنف ويقتل الآلاف منهم. وفي ليبيا عام 2011، فعلت إدارة باراك أوباما العكس تماماً، إذ تدخلت لحماية المدنيين الذين تحدّوا الزعيم معمر القذافي، لكن تغيير النظام في طرابلس انتهى بانهيار الدولة واندلاع حرب أهلية. واليوم، إذا انتفض الإيرانيون وقمعهم النظام سيجد ترامب نفسه أمام معضلة مماثلة: إما البقاء على الحياد بما يحمله ذلك من كلفة كبيرة على مصداقية الولايات المتحدة، أو الانخراط الكامل والمخاطرة بتوسع نطاق المهمة العسكرية، والتورط أكثر، ونشر الفوضى لأجل غير معروف.

مسؤولو الاستخبارات الأميركية يرون أن تغيير النظام في طهران أمرٌ مُستبعد.. واشنطن وتل أبيب تعملان على تأجيج الانقسام الداخلي كخطة بديلة

وبدلاً من مواجهة معضلة غياب الأهداف الواضحة والصريحة، يبدو أن إدارة ترامب تُفاقمها. فمع تراجع ​​احتمالات تغيير النظام في المدى القريب، يبدو أن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل تُفكران في تأجيج الإنقسام الداخلي كخطة بديلة. وتشير تقارير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.أي.إيه.) تُسلّح ميليشيات كردية إيرانية في شمال العراق، فيما يتولى سلاح الجو الإسرائيلي قصف مواقع حدودية ومراكز شرطة ومواقع عسكرية على طول الحدود الشمالية بين إيران والعراق لتمهيد الطريق. صحيح أن ترامب ألمح، مؤخراً، إلى أنه يتراجع عن هذه الخطة، لكن إسرائيل لم تفعل. بل يبدو أن القادة الإسرائيليين ينظرون إلى مخطط زعزعة استقرار إيران بوصفه الخيار الاحتياطي المُفضّل في حال استحال تغيير النظام (تراجع نتنياهو في آخر خطاباته عن خيار اسقاط النظام نظراً لصعوبته). وإذا ما نجح مثل هذا المخطط فهذا قد يدفع إيران إلى نمط من التفكك الذي شهدته ليبيا وسوريا والعراق. وفي بلدٍ يبلغُ تعداد سكانه 90 مليون نسمة، ويقع على مفترق طرق أوراسيا، فإن مثل هذا السيناريو التخريبي سيكون بالغ الخطورة لناحية زعزعة الاستقرار، ليس فقط بالنسبة للإيرانيين، بل وأيضاً لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وخارجها.

على أهبة الاستعداد

حتى لو انتهت الحرب غداً، ستظلُّ هناك عدة أسئلة وتداعيات استراتيجية هامّة عالقة. ومن أبرزها الملف النووي الإيراني، وهنا يبرز القلق الحقيقي إزاء عدم اليقين بشأن كيفية تحقيق أهداف ترامب المتمثلة في تدمير هذا البرنامج. ففي حزيران/يونيو الماضي، قدّر مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة نقاء 60% – وهي كمية من المواد الانشطارية تصبح مع مزيد من المعالجة كافية لإنتاج نحو عشر قنابل نووية. وبعد الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران في وقت لاحق من ذلك الشهر، لم تعد “الوكالة الدولية” قادرة على تأكيد حجم هذا المخزون أو مكانه. كما أنه لا أحد يعلم بالضبط مكان وجود مئات الكيلوغرامات من المواد الانشطارية شبه الصالحة لصنع أسلحة نووية، وبالطبع ليس لدى أحد فكرة كيف يمكن السيطرة على تلك المواد.. هذا هو الواقع بكل بساطة!

إقرأ على موقع 180  نهضتنا العربية مؤجلة.. طالما حُكّامنا واشنطن حكومتهم (2)

قد تخرج إيران مُنهكةٌ من هذه الحرب التي فُرضت عليها، لكنها بالتأكيد ستخرج أكثر إصراراً وتصميماً على تسخير قدراتها النووية المتبقية لردع أي هجمات مستقبلية. وهذه المشكلة لا يمكن معالجتها بجولات قصف جديدة ومتكرّرة. وفي ظلّ غياب نشر أعداد كبيرة من القوات الأميركية أو الإسرائيلية على الأرض لتأمين هذه المواد؛ وهو خيار شديد الخطورة، ويُقال إن ترامب قد فكّر فيه؛ سيتطلب الأمر من الإدارة الأميركية وضع خطة عملية للمراقبة بعد انتهاء العدوان الحالي، تركّزُ بشكل خاص  على اكتشاف مواقع مخزون إيران الحالي من المواد الانشطارية وتأمينه قبل أن يتمكن أي طرف من استخدامه في تصنيع قنابل نووية. ولكن هذه هي بالضبط نوعية الاستراتيجية الدبلوماسية التي يصبح تطويرها مستحيلاً عندما تبقى أهداف الحرب النهائية غير محددة.

الحروب التي تبدأ بدون أهداف سياسية واضحة تنتهي على نحو سيء.. وتتحول الانتكاسات إلى مبرّر لمزيد من التصعيد وتوسيع الحرب ويطول أمدها

إلى جانب التساؤلات حول الأهداف المباشرة للعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، تبرز تساؤلات أكبر تتعلق بتداعيات هذا العدوان على المصالح الأميركية في مختلف أنحاء العالم.

قبل العدوان، أعرب رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، عن مخاوف جدّية من أن صراعاً موسعاً وطويل الأمد في الشرق الأوسط سيستنزف الذخائر الأميركية الحيوية، ويُضعف جاهزية الولايات المتحدة للردّ على تهديدات في مناطق أخرى. وقد أكدت الأيام الأولى للحرب الحالية صحة هذه المخاوف. فقد استنفدت الولايات المتحدة بالفعل كميات كبيرة من الذخائر بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوّي الحديثة والمتطورة، وطائرات الاعتراض الدفاعية الجوية المتطورة التي كانت تُستخدم لحماية القواعد الأميركية ودول الخليج وإسرائيل من وابل الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ومع تراجع مخزونات الذخائر الأميركية، ومعاناة قاعدة الصناعات الدفاعية لزيادة الإنتاج بالسرعة الكافية لتلبية الاحتياجات في أي حالات طوارئ مستقبلية محتملة مع الصين أو روسيا، يُخاطر البنتاغون بتحقيق نصر باهظ الثمن، حيث قد يؤدي النجاح في إيران إلى تقليل قدرة الولايات المتحدة على ردع أو دحر أي عدوان كبير في أي مكان آخر.

وتتفاقم هذه التحديات مع احتمال بقاء عشرات الآلاف من القوات الأميركية في الشرق الأوسط لأشهر أو سنوات، مُقيَّدين بمهام احتواء ما بعد الحرب على إيران، وعمليات طمأنة الشركاء الخليجيين القلقين، ومتطلبات شنّ هجمات دورية عندما تحاول إيران حتما إعادة بناء قواتها العسكرية. هذا ما حدث بالضبط في أعقاب حرب الخليج عام 1991، التي أرست لوجود عسكري أميركي دائم في الشرق الأوسط بحجة احتواء صدام حسين، وما زال قائماً حتى الآن.

اليوم، قد تغرق واشنطن- وبشكل مباشر- في رمال متحركة مرة أخرى، وهذه المرة سيكون المستنقع إيراني، وهو الذي يدّعي مؤيدو الحرب أنهم يهربون منه من خلا ل العدوان الذي يريدون منه إنهاء ما يقولون إنه “تهديد” للأمن القومي الأميركي.

ثمَّة مُفارقة مؤلمة هنا. لقد كانت الاستعراضات العسكرية الأميركية باهرة، وقد يلاحظ الخصوم ذلك بلا شكّ. لكن الولايات المتحدة قد تخرج من هذه الحرب مُنهكة عسكرياً، مُستنزفة، وغير قادرة على التموّضع بشكل فعّال، وبالتالي ستكون أضعف في مواجهة الصين وروسيا لسنوات مقبلة.

قد تغرق واشنطن في رمال متحركة مرة أخرى، وهذه المرة سيكون المستنقع إيراني، وهو الذي يدّعي مؤيدو الحرب أنهم يهربون منه من خلا ل العدوان الذي يريدون منه إنهاء ما يقولون إنه “تهديد” للأمن القومي الأميركي

نهاية اللعبة

قد يكون السؤال الأهم هو ماذا تعني هذه الحرب بالنسبة لنظام العلاقات الدولية المستقبلية.

ففي هذا العام، شنَّت الولايات المتحدة عمليتين عسكريتين رئيسيتين- ضدَّ فنزويلا وإيران- من دون تحالفات دولية واسعة، أو تفويض من الأمم المتحدة، أو أساس قانوني متين، كما أن الإدارة الأميركة لم تحصل على تصويت من الكونغرس، ولم تُقدم للشعب الأميركي أي مبرّر مُقنع، ولا حتى من نوع المبررات المُعيبة والمغلوطة التي نشرتها للترويج لحرب العراق في الأشهر التي سبقت الغزو عام 2003.

يراقب القادة في موسكو وبكين، عن كثب، مجريات الأحداث وتطوراتها، ليس لأنهم يعارضون فكرة القضاء على النظام في إيران (…) بل لأن استعداد الولايات المتحدة للتصرف بشكل أحادي، ومن دون الالتزام بالقيود القانونية التقليدية، يجعل من الصعب للغاية على واشنطن التمسك بالموقف الأخلاقي الراسخ إذا ما أقدمت روسيا على مزيد من العدوان ضدَّ جيرانها أو إذا تحركت الصين لغزو تايوان. فكل معيار تنتهكه واشنطن الآن هو معيار لا يمكنها إجبار الآخرين على احترامه في المستقبل.

الحروب لا يُحكم عليها بمدى نجاح بدايتها، بل بنهايتها، وبناءً على ما إذا كانت الدولة التي بدأت القتال أقوى أو أضعف عندما تخفت أصوات البنادق. فالقوات الأميركية تُنفذ مهامها وتقود العمليات القتالية اليوم في إيران باحترافية عالية، لكن ذلك لا يُعوّض عن غياب وضوح الهدف. والأسئلة التي تُطرح بهدوء شديد في الوقت الحالي هي نفسها التي ستُحدد في نهاية المطاف ما إذا كانت هذه الحرب تستحق أن تُخاض.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

(*) كولين إتش. كاهل، هو مدير معهد “فريمان سبوغلي” للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد. شغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسة (2021-2023).

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  فريدمان يقرع جرس الذكاء الإصطناعي: العالم سيخرج عن السيطرة!