تركيا: باباجان يخلط الاوراق.. ويطيح بـ”القواعد”!

مشكلة الأحزاب التركية مثل غيرها من أحزاب دول العالم الثالث أنها لا تقوم بعملية النقد الذاتي الا بعدما تخسر شعبيتها وتفقد حظها في البقاء على رأس السلطة وعندما تبدأ مرحلة الشرذمة والتفكك والانشقاقات.

من يغادر الحكم بصعوبة من الأحزاب السياسية التركية يصعب عليه أكثر العودة الى القيادة، حتى لو رفع شعارات وطنية أو دينية أو قومية بعيدة المدى تدغدغ مشاعر القواعد الشعبية.

أولى مشكلات حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، اليوم، هي أن رئيسه رجب طيب أردوغان، يتقدم في شعبيته بفارق كبير عن حزبه الذي يذهب في إتجاه معاكس حسب الكثير من استطلاعات الرأي. ثاني مشكلات “العدالة”، رهانه على “الحركة القومية” اليمينية المتشددة المعارضة، الأمر الذي سهل له وقوف الحركة الى جانبه في خطوات تغيير شكل النظام وإعتماد سياسات حازمة في ملفات داخلية واقليمية وسهل عليه أيضا الحصول على الاكثرية البرلمانية المطلوبة، بعدما فقد فرصة الاحتفاظ بالسلطة بمفرده. أما مشكلة “العدالة والتنمية” الاكبر، فهي الانشقاقات الحزبية التي دشنها قبل اشهر رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود اوغلو، ثم تلاه مؤخراً علي باباجان، صانع الإنجازات الإقتصادية والإنمائية في تركيا بين العامين 2004 و2014، وأحد مؤسسي “العدالة”.

ثمة مشهد سياسي وحزبي في تركيا، يتمثل في صعوبة حصول حزب سياسي على الاغلبية بمفرده في أية انتخابات برلمانية أو محلية مرتقبة. الكثير من الدراسات والأبحاث تشي بذلك، وأبرزها دخول عناصر جديدة على خط التوازنات التقليدية القديمة مثل عامل الشباب والمرأة ووسائل التواصل الاجتماعي والدرجة العلمية لتحديد خيارات الناخب وميوله. مصطلح “الناخب الجوال” هو الذي يبرز وينتشر اليوم أيضا على حساب العوامل العشائرية أو المذهبية أو الإجتماعية الثابتة منذ عقود في الحياة السياسية التركية التقليدية.

الضربة الأولى التي تلقاها “حزب العدالة” جاءت من رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل” مع دول الجوار مع إعلانه عن تأسيس “حزب المستقبل” في منتصف شهر كانون الاول/ديسمبر المنصرم.

الضربة الثانية جاءت من صانع الإنجازات الإقتصادية والإنمائية لـ”حزب العدالة” الوزير السابق علي باباجان (53 سنة) الذي أعلن إستقالته من الحزب في مطلع تموز/يوليو المنصرم ليعلن عن تأسيس حزب “الديموقراطية والتقدم”. المؤكد هو أن الحزبين سيكونان من ضمن تحالف المعارضة، لكن ما هو غير مؤكد احتمال إلتحاقهما بتكتل حزبي سياسي جديد قد يظهر إلى العلن في الأشهر المقبلة.

علي باباجان يخيف اليمين التركي والدليل هو إستنفار وسائل الاعلام التركية المحسوبة على المركز للطعن بخطوته والحديث عن إستحالة قبولها، علماً أن هذه الوسائل تعمدت تجاهل أي حديث عن برنامج الحزب الجديد وأفكاره وأاهدافه وهيئته التأسيسية حتى الآن.

باباجان يقول إنه لن يدخل في مواجهة تصعيدية مع حزبه القديم لكن العديد من الأصوات في “العدالة” تصوّره بأنه “طَعَنَ حزبه في الظهر”، بعدما إستقبله وفتح له الأبواب، مثله مثل أحمد داود أوغلو.

ردة فعل أردوغان الأولى كانت أن أحزاباً من هذا النوع تعكس حقيقة الحاجة إلى “حزب العدالة والتنمية” يوماً بعد آخر. لكن المشكلة الأكبر التي يحتاج “العدالة” لمعالجتها سريعاً هي ذهنية البعض من المحسوبين عليه والتي تلخص المشهد على طريقتها “اذا منحتم أصواتكم لهذه الأحزاب الجديدة، فهذا سيخدم حظوظ “حزب الشعب الجمهوري” اليساري المعارض في الوصول إلى السلطة”. هل هو تخويف أم تحذير من قبل المحسوبين على حزب وضع مسألة الديموقراطية وحرية التعبير وإحترام خيار الناخب في مقدمة أهدافه؟

لماذا لم يتوحد أوغلو وباباجان في حزب واحد طالما أنهما جاءا من خلفية حزبية واحدة وطالما أنهما ينتقدان أسلوب وقرارات وطريقة عمل “حزب العدالة” اليوم؟

السؤال الذي يطرحه الناخب التركي ولم يحصل على إجابة مقنعة له بعد، وهو يحاول تحديد موقفه من الحزبين الجديدين: لماذا لم يتوحد أوغلو وباباجان في حزب واحد طالما أنهما جاءا من خلفية حزبية واحدة وطالما أنهما ينتقدان أسلوب وقرارات وطريقة عمل “حزب العدالة” اليوم؟ هل هي الحسابات الشخصية أم القاعدة القائلة “حزب صغير لي وحدي أفضل من حزب كبير يشاركني فيه البعض”؟

مشكلة باباجان وحزبه في البداية هي الوصول إلى القواعد الشعبية وطرح البديل المقنع، لكن مشكلته الأكبر ستكون في قدرته على إختراق البنى التحتية الكلاسيكية في الهيكلية السياسية والحزبية والعقائدية التركية من خلال طرح نيوليبرالي لا يعرف المواطن التركي الكثير عنه.

باباجان قد يحمل للأتراك فرصة أن يشكل “دواءً” لأكثر من مرض في تركيا، لكن مشكلته ستكون ليس مع التشخيص بل في القدرة على المعالجة.

ولعل نظرة خاطفة على لائحة المؤسسين لحزب باباجان “الديموقراطية والتقدم” التي ضمت 90 إسماً، تُبين لنا أنه سيكون حزباً ليبرالياً محافظاً يفتح الأبواب على وسعها أمام العنصر النسائي (27 سيدة) ووجوه جديدة من الشباب دون إهمال “كوتا” مخصصة للمنشقين عن الحزب الأم من وزراء سابقين ونواب بينهم مصطفى ينار أوغلو، وهو برلماني معروف إستقال سابقاً من “حزب العدالة”؛ ومتين غورجان، وهو عسكري سابق ويعمل حالياً محللاً صحفياً؛ ونهاد أرغون، وزير الصناعة السابق؛ وسعد الله أرغين، وزير العدل السابق؛ وسلمى كواف، وزيرة المرأة السابقة. مع تسجيل مفاجأة ملفتة للإنتباه وهي غياب فريق الرئيس السابق عبد الله غل عن المشهد الحزبي الجديد، وهو الأمر الذي أرجعته مصادر إعلامية إلى رغبته في عدم الظهور والتأثير في الحزب الناشىء.

في السياسة، الاولوية هي لمسائل الحريات في تركيا مع دستور جديد للبلاد والعودة الى النظام البرلماني. كذلك تعهد برنامج “حزب الديموقراطية والتقدم” بتعزيز الديموقراطية والعمل على تحقيق الإصلاحات اللازمة في مجالات حقوق الانسان والعدالة (القضاء). أما إقتصاديا، وهو الميدان الذي يبرع فيه باباجان، فالهدف هو إعادة تركيا الى المسار الذي بدأته قبل عقد في إنتهاج خطط اقتصادية، داخلية وخارجية، بشفافية وليونة ومرونة.

البعض يقول إنه برنامج ليبرالي محافظ يخاطب اليساريين والعلمانيين المعتدلين في محاولة لانتزاع حصة من “حزب الشعب الجمهوري”، لكن معظم رسائله في البرنامج التأسيسي كانت في إتجاه المحافظين والمتدينين والقوميين الأتراك بالدرجة الأولى.

 وثمة توقعات بأن تكون المواجهة على القيادة في اليمين واليسار في السنوات القليلة المقبلة بين علي باباجان وأكرم إمام أوغلو رئيس بلدية اسطنبول مرشح “حزب الشعب الجمهوري” اليساري الذي إستطاع إنتزاع المدينة الأكبر والأهم في تركيا من يد “حزب العدالة والتنمية” بعد إصطفاف المعارضة الواسعة إلى جانبه.

ليس خافياً أن علي باباجان يقلق المركز السياسي والحزبي في تركيا يميناً ويساراً، ومن غير المستبعد أن ينحاز الشارع إليه واجهة لقيادة المعارضة التركية

وليس خافياً أن علي باباجان يقلق المركز السياسي والحزبي في تركيا يميناً ويساراً، ومن غير المستبعد أن ينحاز الشارع إليه واجهة لقيادة المعارضة التركية على قيادات اخرى مثل كمال كيليشدار أوغلو او ميرال اكشنار أو حتى صلاح الدين دميرطاش القيادي الموجود في السجن. ولا يتردد باباجان في قول ما عنده حتى النهاية مهما كان موجعاً وجارحاً للبعض، لكنه يقوله بهدوء وبلا إنفعال وبصوت منخفض، بعيدا عن الصراخ والمشاجرة والتلاسن، وهذا ما يريده الناخب التركي اليوم.

ومن غير المستبعد أن يطيح باباجان بقاعدة العمل السياسي والحزبي المعمرة في تركيا، عبر نسفه ثقل وتماسك الإسلام السياسي الذي نجح بصعوبة مع نجم الدين اربكان في سبعينيات القرن الماضي في التوغل في المجتمع، من خلال ثغرات اليسار العلماني. من هنا، قد ينجح باباجان في تشتيت هذه اللحمة وشرذمتها الى أحزاب صغيرة تعيدها لما كانت عليه قبل عقود تحت قيادة العلمانيين والاتاتوركيين الذين قد يجدون أنفسهم أصحاب مصلحة في التنسيق مع “حزب الشعوب الديموقراطية” الذي يحظى بشعبية كردية للإمساك بالسلطة مهما تباعدت المواقف بينهم.

ويعرف باباجان أن فرصه لا تكمن في الرهان على ارتكاب “العدالة والتنمية” المزيد من الاخطاء في التعامل مع ملفات الداخل والخارج، بل في العمل على إستقطاب الشخصيات والوجوه السياسية والإعلامية والإقتصادية القادرة على تقديم طرح جديد في مواجهة “حزب العدالة” الذي يملك خبرات ويتفرد في قيادة البلاد منذ عقدين من الزمن تقريباً.

إن أبرز مشاكل تغيير شكل النظام من برلماني إلى رئاسي في تركيا، تمثلت في العجز عن سد الفراغ القائم بين القواعد الشعبية والقيادة الحزبية، خصوصاً ان صلاحيات ودور البرلمان والوزراء، وهي صلة الوصل بين الجانبين (الشعب والقيادة)، تراجعت وتركت معها فجوة تواصل أضعفت البنية التحتية في “حزب العدالة” لمصلحة موقع الرئاسة وزيادة صلاحياته.

هنا، تبدو فرصة “العدالة والتنمية” الوحيدة للرد وإنقاذ نفسه بتجديد الشعارات والأهداف والخطط المطروحة، والتي لا بد أن تبدأ مع تجديد القيادات والكوادر والروح والجاذبية الحزبية، لكن العقبة الأبرز قد تكون بإستمرار تمسكه بالنظام الرئاسي بشكله وبنيته الحاليين، أي إستمرار التباعد بين الرئيس والهيكلية الحزبية والبرلمانية والحكومية وبالتالي، عرقلة فرص التغيير والتجديد الحقيقية.

نحن أمام عملية خلط أوراق جديدة داخل الأحزاب والقوى السياسية في تركيا، في المرحلة المقبلة، شئنا ذلك أم أبينا.

(*) اكاديمي، كاتب ومحلل سياسي تركي

د. سمير صالحة

كاتب وباحث تركي، أستاذ جامعي في القانون الدولي العام والعلاقات الدولية

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course