طريق M4… هدوء ما قبل عاصفة جديدة

مهلة ثانية منحتها روسيا لتركيا لتنفيذ تعهدها بفتح طريق (حلب – اللاذقية) المغلق جزئياً، بموجب الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في الخامس من شهر آذار/مارس الحالي، بعد معارك عنيفة تمكن خلالها الجيش السوري من تأمين مدينة حلب بالكامل، وفتح طريق M5 (حلب – دمشق).

بالرغم من عدم افصاح موسكو وأنقرة عن الكثير من النقاط التي ناقشها الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، في اجتماعهما الأخير الذي افضى إلى مذكرة تفاهم ملحقة باتفاقية سوتشي، واكتفاء الجانبين الروسي والتركي ببيان مقتضب من ثلاثة بنود، إلا أنه يمكن الافتراض بأنّ الطرفين ناقشا جميع السيناريوهات المحتملة حول إدلب والفصائل المنتشرة فيها، ودور كل طرف في “القضاء على الإرهاب”، وهو البند الذي شددت عليه الوثيقة النهائية للمذكرة، بالإضافة إلى الوقت اللازم لتنفيذ التعهدات، والمدة المسموحة لذلك في ظل أهمية فتح طريق M4، وهي الخطوة التي تأخرت نحو عامين، منذ توقيع اتفاقية سوتشي العام 2018.

ومع تسيير أول دورية روسية – تركية مشتركة على M4، وفق الاتفاق، تجمع مئات المسلحين من مختلف الفصائل على الطريق، وأعاقوا مرور الدوريات من دون أن تقع أية مواجهة مسلحة، كما ظهرت عشرات التسجيلات المصورة لمسلحين وقياديين رفضوا الاتفاق، وتعهدوا بمنع تطبيقه بالقوة، إضافة إلى قيام الفصائل المسلحة بحفر الطريق باستخدام الآليات الثقيلة، الأمر الذي تطلب تمهلاً روسيا – تركيا لمعالجة هذا الملف.

وتنتشر في إدلب عشرات الفصائل “الجهادية” التي تضم في صفوفها مقاتلين من مختلف الجنسيات، والتي تعتبر إدلب “المعقل الأخير” لها في سوريا، في ظل سيطرة الحكومة السورية على معظم المناطق، وتقاسم الولايات المتحدة الأميركية ومعها “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، وتركيا ومعها الفصائل المنضوية في “الجيش الوطني” السيطرة على بقية المناطق، لتبقى إدلب خارج هذه الخريطة.

وتمثل محافظة إدلب، عقدة سياسية وعسكرية، و”قنبلة موقوتة” بالنسبة لتركيا التي تخشى انتقال الفصائل “الجهادية” منها إلى أراضيها، الأمر الذي من شأنه أن يضرب الأمن الداخلي فيها، وهو “الكارت” التي تستخدمه أنقرة خلال محادثاتها سواء مع روسيا أو مع حلفائها في “الناتو”، الأمر الذي مكنها من نشر قواتها في مناطق مختلفة من إدلب، بهدف المساهمة في التوصل إلى حلول عسكرية أو سياسية تزيح عنها هذا “الكابوس”.

تمثل محافظة إدلب عقدة سياسية وعسكرية و”قنبلة موقوتة” بالنسبة لتركيا

وعلى خلاف اتفاقية “سوتشي” الموقعة العام 2018، والتي لم تلتزم تركيا بها، ما أدى إلى تنفيذ الجيش السوري، وبدعم روسي، عملية عسكرية واسعة، لا تتمتع تركيا هذه المرة بـ “ميزة” المماطلة، خصوصاً أن الاتفاق الأخير الذي وقعت عليه جاء بعد انكسار عسكري منيت به في مواقع عديدة في محيط حلب وإدلب، آخره عجزها عن السيطرة على مدينة سراقب التي كانت تعول عليها كموطئ قدم لها على طريقي M5 وM4، قبل أن يتمكن الجيش السوري من التثبيت فيها ويمنع تركيا والفصائل المسلحة التي كانت توظفها من تحقيق أي تقدم فيها.

سيناريوهات معقدة

في وقت تحاول فيه أنقرة لملمة أوراقها في إدلب وإعادة ترتيب “البيت الداخلي” للفصائل “الجهادية”، ودفعها بالسياسة أو التهديد بالقوة للتراجع عن طريق M4 لفتحه، تعرض رتل تركي لتفجير مزدوج بعبوتين ناسفتين فجر الخميس أثناء توجهه إلى نقطة المراقبة الواقعة قرب محمبل بريف إدلب الغربي، ما أدى إلى مقتل جنديين تركيين وإصابة آخرين.

التفجير الذي لم يتبناه أي فصيل حتى الآن، تشير الاتهامات الأولية إلى أن تنظيم “حراس الدين” الذي ينتشر في المنطقة يقف خلفه، الأمر الذي من شأنه أن يمهد الطريق لتركيا بشكل كبير لتنفيذ عملية عسكرية محدودة، على غرار العمليات التي قادتها في ريف حلب ضد بعض التنظيمات الخارجة عن السيطرة للقضاء على عليها، من دون أن تدخل في أية صراعات جانبية مع الفصائل “الجهادية” الأخرى، التي ستجد نفسها مجبرة على اختيار طرف في هذا النزاع.

وعلى الرغم من عدم نضوج جميع العوامل التي ترجح مثل هذا السيناريو، إلا أن وقوع هذه الحادثة قد يفتح الباب على حوادث أخرى قد تتعرض لها دوريات الجيش التركي في المنطقة المتوترة، الأمر الذي من شأنه أن يسرع تطبيقه، ويضمن لتركيا مبررات إضافية لوجودها العسكري في إدلب.

وشكلّت فصائل “جهادية” عدة غرفة عمليات مشتركة أطلق عليها اسم “وحرض المؤمنين” حيث رفضت الفصائل “اتفاقية موسكو” الأخيرة. وتضم “الغرفة” كلاً من: حراس الدين، وهو تنظيم تابع لـ “القاعدة”، بالإضافة إلى جبهة أنصار الدين، وجبهة أنصار التوحيد، وجبهة أنصار الإسلام، حيث تنتشر هذه الفصائل بشكل رئيس في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية في ريف اللاذقية، قرب الحدود مع تركيا.

وعلى الرغم من أن هذا النوع من التفجيرات قد يمهد الأرض لأنقرة لتنفيذ تعهداتها والاحتفاظ بقوتها العسكرية على الأرض، يفتح هذا التفجير الباب أيضاً أمام مخاطر قد يواجهها الوجود العسكري التركي في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة، حيث ستجد تركيا نفسها تفقد الحاضنة الشعبية لها بشكل متزايد مع اندلاع هذا النوع من المعارك، إضافة إلى مخاطر تسرب الفصائل “الجهادية”، أو تحريك الخلايا النائمة لهذه الفصائل في الداخل التركي.

بدوره، يستعد الجيش السوري لسيناريو آخر، يشابه إلى حد كبير سيناريو استعادة طريق M5 عن طرق شن عملية عسكرية للسيطرة على الطريق، خصوصاً أن الاتفاق الروسي التركي، وفق ما كشفه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، يقضي بتسليم المناطق جنوب الطريق لروسيا، على أن تتكفل تركيا بالمناطق الشمالية منه، ما يعني أن الاتفاق ضمن لروسيا والحكومة السورية استعادة السيطرة على مناطق مهمة في جبل الزاوية بينها مدينتي أريحا ومحمبل.

أمام هذه المعطيات، قد يشن الجيش السوري عملية عسكرية خاطفة للسيطرة على المناطق المتفق عليها بالقوة، في حين تتكفل تركيا مسألة تأمين شمال الطريق ليتم فتحه، دون وقوع أية مواجهات جديدة بين الجيشين السوري والتركي، خصوصاً أن “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة) التي تمثل “القوة الجهادية” الأبرز في إدلب التزمت بالتعليمات التركية ورضخت لها.

وكحال تركيا، تواجه “هيئة تحرير الشام” خطر الانفلات المتزايد في ظل استمرار رضوخها لتركيا وخسارتها الأراضي التي تسيطر عليها بشكل متزايد، الأمر الذي يفسر طلب تركيا مهلة إضافية للملمة أوراقها الداخلية، وإفساح المجال لها ولشريكتها (“النصرة”) لإعادة ترتيب البيت الداخلي، والاستعداد للسيناريوهات المنتظرة.

إضافة إلى ذلك، قد يؤدي التدخل الأميركي المتواصل في ملف إدلب إلى تعقيد الأوضاع، وظهور سيناريوهات جديدة، قد تغير الموقف التركي، ضمن لعبة النفوذ التي تمارسها واشنطن وموسكو في الشمال الشرقي من سوريا، والتي يبدو أن واشنطن تحاول أن توسع رقعتها لتشمل إدلب في الشمال الغربي من سوريا.

وأياً كانت السيناريوهات التي تنتظر طريق M4، يبقى المؤكد أن الطريق سيفتح، سواء عن طريق تركيا، أو بعملية عسكرية ينفذها الجيش السوري، لتبقى نتائج هذه العمليات مرهونة بالتطورات السياسية في الشمال الغربي من سوريا، ومقدار التورط الأميركي فيه.

علاء حلبي

صحافي سوري

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download