خطاب نصرالله: الثقة والتواضع.. قبل التشكيك والتخوين

منذ أن أصبح أميناً عاماً لحزب الله، لم تحمل أية إطلالة للسيد حسن نصرالله بعداً عاطفياً كالذي شهدناه، بعد خطاب الأمس المتلفز.

منذ أن أُطلقَ سراح العميل عامر الفاخوري، أصيب جمهور المقاومة في لبنان بحالة ذهول وصدمة. لعلها سابقة في تاريخ التعاطي مع قضية العملاء. المسألة حساسة جداً، لا بل جدلية بإمتياز. كان معظم هذا الجمهور في إنتظار ما سيقوله السيد حسن نصرالله، لا سيما في ضوء ما تم تسريبه من “معلومات قطعية”، حول تورط جهات حليفة أو محسوبة على المقاومة في مسألة الافراج عن الفاخوري.

مر اليوم الأول، الثاني.. ولم يظهر “السيد” بعد. والناس تتساءل: هل سافر الفاخوري؟ أين أنت يا سماحة السيد؟ لماذا لم تقل كلمتك؟ نحن لا نثق بالبيانات. ننتظر كلامك. ما الذي حدث ويحدث؟

فجأة، نشاهد كلنا فيلماً أميركياً قصيراً. طوافة تقل الفاخوري من السفارة الأميركية في عوكر إلى قبرص. إنه المشهد الأقسى على الإطلاق منذ حرب تموز/يوليو 2006. الولايات المتحدة تشكر حكومتنا. تكتمل القصة. ألم يحن الوقت لنفهم كل التفاصيل من السيد نصرالله بعد؟

بلى، حان الوقت. حُدّدَ موعدٌ لخطاب سماحته مساء الجمعة. ثم كان أن تحدث، وفي قلبه غصة أن يجد نفسه مضطراً للدفاع عن موضوع كهذا. كان ذلك من نكد الدهر عليه، وهو الذي قاوم المحتل ومن تعامل معه ولعب دوراً أساسياً في تحرير لبنان.

لم يكن خطاب “السيد” دفاعياً بقدر ما كان هجومياً. أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم. لكن هذه المرة.. “الهجوم على الأصدقاء والحلفاء قبل الأبعدين”، من أعداء وأخصام.

وبمعزل عن المعطيات التي قدمها السيد نصرالله في خطابه حول قضية الإفراج عن العميل الفاخوري، وتحديداً أين يرى المصلحة من عدمها في ما حصل، وبعيدا عن آليات المحاسبة التي أتى عليها سريعاً في كلمته، وبرغم تقييمه للأفكار التي طرحت بأنها ليست لمصلحة البلد والناس والمقاومة، لكننا أمام خطابٍ حساسٍ جداً. لماذا؟

لأنه خطاب موجه بالدرجة الأولى إلى جمهوره الخاص، قبل جمهوره المؤيد أو الحليف أو الصديق. هذه ميزة في تاريخ لبنان الحديث أن يتعامل قائد مع جمهوره بهكذا نوع من الخطاب، ولو قُدّر للمؤرخ والطبيب وعالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون أن يكتب عن “سيكولوجية الجماهير” و”العلاقة بين القائد والجمهور” في عصرنا هذا، لكان قد زاد على ما كتبه سابقاً، في ضوء “التجربة اللبنانية”. يعتبر  لوبون أن القادة هم أطباء نفسيين بالفطرة. يكاد يكون السيد نصرالله كذلك. ساق خطاباً، هو بالدرجة الأولى، خطاب نفسي. خاطب النفوس: نفوس الجمهور، الأصدقاء، الحلفاء والخصوم.. لكنه أراد أولاً واخراً أن يركز على عامل الثقة. وهذا ما ابتدأ به الكلام، وهذا هو جوهر خطابه.. وبيت القصيد.

الأخطر، أن هذا الخطاب سيُعمّم يا سماحة السيد، على الرغم من الحدود والضوابط التي وضعتها. سوف يتخذ الناس أحكاماً انطلاقا من عناوين خطابك، حتى من قبل أن يقرأه أو يسمعه البعض منهم

يصبح السؤال، هل أعاد الخطاب الثقة للجمهور؟ قطعاً لا. هذا الجمهور لم تهتز ثقته يوماً بالسيد نصرالله حتى تُعاد. خطاب “السيد” أعطى لجمهوره المزيد من الحقانية والزخم والجرأة في الحزم. الحزم كان عنوان الخطاب. ليس الحزم مع العدو. الحزم مع الحليف والصديق. الرد على تساؤلات وتشكيكات المقربين كان “من الآخر”: “وقفوا هون”.

قال “السيد” كلمته، لكن تُرِكَ للجمهور حق التأويل. وعلى الرغم من أنه رحب بالانتقاد والتصويبات التي يقدمها بعض الاصدقاء والكتاب، إلا أن ما وقع في أذهان الجمهور كان، ويا للأسف، أبعد من ذلك بكثير. يمكن ملاحظة ذلك ورصده بسهولة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، بعد الخطاب مباشرة. ذهب البعض إلى التصويب على حلفاء وأصدقاء تمايزوا عن موقف حزب الله منذ حراك تشرين الأول/اكتوبر حتى الآن، وهذه قضية تستحق وقفة بذاتها، أي موقف حزب الله من الحراك.

الأخطر، أن هذا الخطاب سيُعمّم يا سماحة السيد، على الرغم من الحدود والضوابط التي وضعتها. سوف يتخذ الناس أحكاماً انطلاقا من عناوين خطابك، حتى من قبل أن يقرأه أو يسمعه البعض منهم.

كل شيء قابل للتأويل. كل من طرح سؤالاً بات عند البعض إما خصماً وإما عدواً. يمكن ملاحظة ذلك بسهولة. كل من أبدى غيرة وحرصاً وغضباً لأجل المقاومة لا عليها، بات عرضة لا للنقد بل للرجم: “أخرجوه من البيت”. لغة الإخراج والخوارج عُممت يا سيد.. ونحن كنا منذ فترة وجيزة نعيش لوثة التكبر من قبل البعض الذي يصرّ عملياً على أن ينصّبك إلهاً ويرفع عنك صفة البشرية.

ثمة تأويل للخطاب سيؤدي إلى حالات أخلاقية منفرة. إلى مزيد من العنتريات. وثمة تأويل آخر سيصب في خانة ما قُصد من الخطاب حرفياً.

غالباً ما تنتج حالات الولاء تبعية عمياء تؤدي بالأتباع إلى رفض أي اختلاف على اعتبار أن من اختلف معك، هو ليس منك بل ضدك. لكن التبعية حين تختلط بالدين تنتج رفضا للآخر على اعتبار أنه صار باطلاً ووجب إزهاقه. هذا أخطر ما في الامر. وللأسف، هذا ما سيتعاظم في قابل الأيام، سواء عن قصد أو عن غير قصد. والأخطر أيضاً، أنه سيؤدي إلى وباء أخلاقي ليس أقل من وباء الاتهامات التي تطلق جزافاً.

صحيح أن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، لكن هل سيصبح الهجوم سمةً دائمة لمن يريد تأويل الخطاب وفقاً لهواه؟ هل يصح ما شهدناه في صفحات مواقع التواصل من رجم لأشخاص وأقلام، وكأننا عدنا إلى زمن محاكم التفتيش؟

الغصة في حلق السيد نصرالله مناسبة للتواضع لا للتكبر. لقول ما إذا كنا نعلم ونعرف أو أننا لا نعلم ولا نعرف. نقْدِر أو لا نقْدِر. نُقدّر أو لا نملك تقديرا دقيقاً. نرفض او نقبل.

حزب الله مؤسسة سياسية، كما قال السيد نصرالله، ويحتكم للأصول والقواعد في صياغة رؤيته وقراراته وتقديره للموقف ولـ”المصلحة”. أية أصول وقواعد تحكم عقول ونفوس أولئك الذين حولوا جدران مواقع التواصل إلى جدران للتشفي والإنتقام وقول ما لا يليق لا بالمقاومة ولا سيدها؟

لنتواضع، أو بالأحرى، لنقتدِ بتواضع السيد نصرالله. إنتهى التعليق.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course