لبنانيو الإغتراب وكورونا.. “تعا ولا تجي”

بعدما جاب قارات العالم، ها هو فيروس كوفيد 19 (كورونا الجديد) يتفشى في القارة الإفريقية التي كانت التقديرات الأولية تشير إلى أنه لن يطالها، لأسباب عدة، منها دفء الطقس، إرتفاع نسبة الرطوبة، ومناعة الشعوب الإفريقية. ولكن ها هو الفيروس التاجي يتسلل إلى القارة السمراء ويتخطى عدد الاصابات في دولها الـ 1500 خلال ايام قليلة. يطرح هذا التطور إشكالية الجاليات اللبنانية المنتشرة هناك، كما في باقي أصقاع الأرض، والمتروكة لأقدارها.     

“لقد خطرت في بالي يوم أُعلن عن أول إصابة بالفيروس في لبنان، فكرة الإتيان بعائلتي للعيش معي في أبيدجان. كنت أعتقد أن الطقس الحار هنا يشكل سداً منيعاً بوجه المرض الذي يتنقل من دولة إلى أخرى، لكن إعتقادي خاب، ونفع ترددي هذه المرة”. يبدي نادر، أحد أبناء الجالية اللبنانية في العاصمة العاجية أبيدجان إرتياحه لبقاء زوجته وأولاده الثلاثة في بيروت، لأن تدهور الأوضاع الصحية في هذا البلد الإفريقي يعني حلول الكارثة.

يتجاوز عدد أبناء الجالية اللبنانية في ساحل العاج عشرات الآلاف. هم يشكلون دعامة أساسية في الإقتصاد، على غرار دول إفريقية كثيرة، لا سيما في قطاعي التجارة والصناعة منذ خمسينيات القرن الماضي. نادر هو أحد المنخرطين، مع أقارب له، في هذه القطاعات، منذ سنوات طويلة. وقد دفعه بدء تفشي الفيروس، مع غيره من أبناء الجالية اللبنانية إلى البحث عن شبكات أمان تعوض النقص الكبير في التجهيزات والمستلزمات الصحية، خصوصاً في ظل صعوبة مغادرة أي منهم البلاد بعد إغلاق مطار أبيدجان، وكذلك الحدود مع الدول المجاورة، يوم الأحد الماضي، وذلك في إطار سلسلة تدابيىر إتخذتها السلطات العاجية.

والملاحظ أن ساحل العاج تحتل اليوم المرتبة الرابعة في أفريقيا، من حيث عدد الإصابات بالفيروس (80 إصابة) بعد جنوب إفريقيا (709) وبوركينا فاسو (146) والسنغال (99) والكاميرون (75 إصابة). وبرغم أن وتيرة تفشي الوباء تبقى مضبوطة حتى الآن، ولكنها مرشحة للتصاعد، ذلك أن الدول الإفريقية تعاني فقراً مدقعاً.

“الجود بالموجود”

في الأيام الماضية، تداعت فاعليات الجالية اللبنانية في أبيدجان، وجميعها منضوية في جمعيات وهيئات تمثل الطيف الحزبي اللبناني، إلى إجتماع مع أركان السفارة اللبنانية، نوقشت فيها هواجسهم ومكامن قلقهم إذا تفاقمت الأوضاع الصحية. فكثر من أبناء هذه الجالية هم من كبار السن، ممن أسسوا للوجود الإغترابي اللبناني في هذا البلد، وكثر منهم يعانون من أمراض مزمنة، وبحاجة الى عناية إستثنائية إذا أصيبوا بالفيروس.

يعيش اللبنانيون في ساحل العاج حالة من الخوف، مع إنتشار خبر إصابة 10 الى 15 منهم بفيروس كورونا. هناك من يؤكد أن بعض المصابين هم من العائدين من موجيف في فرنسا حيث شاركوا في عرس أحد اللبنانيين هناك

ومع تعذر عودة هؤلاء الى بلدهم الأم، بسبب إقفال المطارات في كلا البلدين (أبيدجان وبيروت)، بات الجهد منصباً على سبل كفاية الحال على قاعدة “الجود بالموجود”. وقد تقرر تشكيل ما يشبه اللجنة من نحو 5 أطباء لبنانيين، وجرى توزيع أرقام هواتفهم لإرشاد من يحتاج من أبناء الجالية إلى العناية الطبية. ويتركز قلق اللبنانيين الأكبر حول إهتراء المنظومات الصحية في هذه الدول. فالمعايير الصحية متدنية (الكادر التمريضي وكفاءته) والنقص فاضح في المعدات واللوازم الطبية (أجهزة تنفس وإنعاش) في المستشفيات الحكومية، التي يفرض القانون المحلي على المرضى دخولها. وهو نقص لا قدرة لأبناء الجالية على سده في الظرف الحالي، برغم إقتدار الكثيرين منهم مادياً، لصعوبة إستيرادها بسبب الحجر الذي تمارسه دول العالم كافة، كما هو معلوم.

ويعيش اللبنانيون في ساحل العاج حالة من الخوف، مع إنتشار خبر إصابة 10 الى 15 منهم بالفيروس. هناك من يؤكد أن بعض المصابين هم من العائدين من موجيف في فرنسا حيث شاركوا في عرس أحد اللبنانيين هناك. وبرغم دقة الوضع وحساسيته، لم يطرح أبناء الجالية في ساحل العاج ما ذهب إليه أبناء الجالية في نيجيريا (51 إصابة) الذين توجهوا إلى السفارة وطالبوا الدولة اللبنانية بإرسال طائرة لإجلاء من هم بحاجة لذلك. حالهم حال مغتربين آخرين في ليبيريا، وفي دول أفريقية أخرى.

صرخة من أوروبا والولايات المتحدة

الصرخة نفسها تأتي من أوروبا والقارة الأميركية، لكن بأبعاد مختلفة؛

أولها، أن الآلاف من طلاب الجامعات الأوروبية والأميركية، وهم جوهر الأزمة، ممن تقطعت بهم السبل، بعدما وجدوا أنفسهم غير قادرين، على العودة الى لبنان، أو تأمين سبل عيشهم في الدول التي يقيمون فيها، إثر إقفال جامعاتهم ومعاهدهم، وصعوبة التحويلات المالية بالعملة الصعبة إليهم من ذويهم في لبنان، بسبب الضوابط التي تفرضها المصارف اللبنانية، والتي فاقمها الإقفال الجزئي مؤخراً؛

ثانيها، أن المتخرجين الجامعيين الذين كانوا يقضون فترات تدريبية (stage) في شركات أوروبية أو أميركية أو حتى كندية، وجدوا أنفسهم فجأة عالقين هناك؛

ثالثها، وجود المئات من المرضى اللبنانيين ممن كانوا يتلقون العلاج في مستشفيات اوروبية أو أميركية، وباغتهم إقفال المطارات والحدود، قبل إنهاء علاجاتهم.

إزاء هذا الوضع، تدفقت النداءات من العالقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والى السفارات في هذه الدول، تطلب المساعدة إما في العودة الى الوطن، أو بتأمين إقاماتهم حيث هم.

القنصل خليل محمد: نحو 120 طبيبا لبنانياً يشهد لهم بتقديم التضحيات باللحم الحي في الخطوط الامامية للتصدي للوباء في إيطاليا، وقد كانوا قرب الجالية، ووضعوا أرقامهم الهاتفية بتصرفها

السفارات في العديد من البلدان، تصرفت بمنطق “العين بصيرة واليد قصيرة”. كيف لا وقدراتها باتت ضعيفة جداً نتيجة الازمة الإقتصادية في لبنان. ومخصصاتها تقتصر حالياً على رسوم الإيجارات، واللوازم الاساسية (ماء، كهرباء، هاتف وخدمات متفرقة). لم يمنع ذلك سفارات في المانيا واسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وغيرها من توجيه نداءات الى أبناء الجاليات في هذه الدول، دعت فيها المقتدرين منهم لمساعدة من يحتاج مادياً (السفارة في برلين) أو تدعوهم للتقيد بالاجراءات الصحية المتبعة، والاتصال بها على خط ساخن في حالات الطوارىء القصوى.

ما دعت إليه السفارة في برلين وجد صداه في إيطاليا، لكن بمبادرة فردية من أحد أبناء الجالية اللبنانية ممن فضل البقاء في الظل. مبادرة تتم بتنسيق مع السفارة في روما، والقنصلية اللبنانية في ميلانو. في هذه المدينة، عاصمة مقاطعة لومبارديا الاكثر تضررا بالوباء، “يبدو طلاب الجامعات من اللبنانيين هم الحلقة الأضعف، لأنهم بعيدون عن عائلاتهم أولاً، ولأنهم يقيمون في مساكن جامعية (dorms) ثانياً، وهي أماكن لا تكون عادة مجهزة للإقامة الدائمة”، يقول قنصل عام ميلانو خليل محمد لموقع 180 بوست.

ولعل أبرز ما واجهه طاقم القنصلية في ميلانو هو غياب قاعدة معلومات (database) لإحصاء أبناء الجالية هناك. لذلك، “تم تشكيل خلية أزمة من القنصلية وعدد من أبناء الجالية لتكوين هذه القاعدة، والتواصل مع اللبنانيين، وخلق مظلة أمان ودعم مالي مقدم من بعض أبناء الجالية حيث أمكن”، يوضح خليل محمد، مشيداً بشكل خاص بالاطباء اللبنانيين المقيمين في ايطاليا (نحو 120 طبيبا) الذين يشهد لهم بتقديم التضحيات باللحم الحي في الخطوط الامامية للتصدي للوباء في إيطاليا، وقد كانوا قرب الجالية، ووضعوا أرقامهم الهاتفية بتصرفها. علماً بأن أحد هؤلاء الأطباء قد أصيب بالفيروس، وهو موجود حالياً في العناية الفائقة، فضلاً عن اصابة لبناني آخر في العقد الرابع من عمره، وهو يتماثل للشفاء.

وعن مسألة إرسال طائرة لإجلاء من يرغب، يوضح القنصل اللبناني “أنها غير مطروحة حالياً، لأن المطارات مقفلة، والتنقل بين المدن الإيطالية ممنوع حاليا”.

في ظل هذه الاوضاع، أعلن رئيس جمعية المصارف سليم صفير عن إتفاقه مع المصارف على تسهيل التحويلات الى إيطاليا، لتمكين اللبنانيين من تلبية حاجاتهم الاساسية خلال هذا الظرف الطارىء. غير أن هذا الإجراء المتأخر لم يشمل دولاً أخرى. فكيف سيتدبر آلاف الطلاب أمورهم؟

 آدم الحريري، الطالب في كلية سارة لورانس قرب نيويورك، يروي لموقع 180 بوست محنته في زمن كورونا:”لقد تبلغنا من إدارة الجامعة أنها ستواصل التعليم عبر الانترنت (اونلاين) حتى أيلول/سبتمبر المقبل، وعليه، غادر طلاب الجامعة البالغ عددهم 2000 طالب الى منازلهم سواء في الولايات المتحدة أو إلى دولهم، وقد بقيت مع 10 أو 20 من زملائي في السكن الجامعي، بعدما تقدمت بطلب خاص الى ادارة الجامعة لامهالي بسبب تعذر عودتي الى لبنان بسبب إقفال مطار بيروت”. ويضيف الحريري:”أمامي مهلة حتى 9 أيار/مايو المقبل، تاريخ إنتهاء الفصل الدراسي الحالي عملياً، لأغادر حرم الجامعة، بعدها إذا لم تحل الامور، سأجد نفسي أمام مأزق كبير”..

تعيين مدير عام للمغتربين

مجدداً، يسقط لبنان في إمتحان التعامل مع أبنائه المغتربين. ها هي الولايات المتحدة، تستنفر وتهدد وتضغط، فتفرج عن عميل إسرائيلي لمجرد أنه يحمل الجنسية الأميركية. يسأل محمد أشمر، المغترب في ساحل العاج، “لو كنا عملاء لإسرائيل ونحمل جنسيات أخرى، هل كنا سنُعامل بطريقة مختلفة”؟

المؤسف أن لبنان يتعامل مع المغتربين بوصفهم إما “قجة مصاري”، وحتى هذه النظرة، لا ترافقها أية محاولة لحماية الرأسمال اللبناني المغترب، بدليل الضغوط التي يتعرض لها المغتربون في كل بلدان أفريقيا من قبل لوبي صهيوني لا يريد للبنانيين أن يشكلوا عنصر منافسة ولا عنصر دعم لبلدهم. أيضا، يجري التعامل مع المغتربين، بواسطة جمعيات الطاقة الإغترابية التي فرّختها وزارة الخارجية، بوصفهم مجرد أرقام أو مواسم إنتخابية.

لا بد من إعادة تفعيل المديرية العامة للمغتربين، خصوصا بعدما أحيل مديرها العام السابق هيثم جمعة إلى التقاعد، وبات هذا المركز شاغرا. هذه مسؤولية مجلس الوزراء، بأن يبادر إلى تعيين مدير عام جديد من ذوي الكفاءة أولاً.

من يملك، اليوم، إحصاءات لأعداد اللبنانيين المنتشرين في شتى أنحاء العالم؟ من يملك أرقاماً للمصابين. للمتوفين. للمحاصرين في مدنهم وجامعاتهم ومراكز سكنهم؟ هل تملك أية سفارة أو قنصلية لبنانية في العالم إحصاء دقيقا للجاليات اللبنانية. للطلاب. للمرضى. لكبار السن. للمحتاجين؟ حتماً لا.

لبنان بلا إدارة سياسية ولا إغترابية لجالياته في الخارج.

جمانة بعلبكي

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download