كورونا يعيد الإعتبار للقيم الإنسانية

يعطينا الحجر الصحي المنزلي مناسبة للتفكير النقدي، خاصة وأننا أمام حدث تاريخي غير مسبوق، قد تكون له تداعيات زلزالية.

تندرج هذه المقالة في خانة محاولة نقد نتائج العولمة وما شهدناه من ترويض للتطور التقني والعلمي في خدمة حصرية راس المال… وبطبيعة الحال، ثمة منطلق لهذا النقد هو لحظة كورونا التي كشفت هشاشة أنظمة سياسية واقتصادية حديثة تقوم على تراكم تصاعدي للأرباح على حساب القيم الإنسانية والحضارية.

لقد شهد القرن العشرون، تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية دفعت باتجاه المزيد من العدالة الاجتماعية وضمان الحد الأدنى لحق الانسان بالعيش الكريم.

كان الدافع الرئيسي لهذه التحولات، ومنذ بداية القرن العشرين، هو التوازن الذي فرض نفسه بين الدول الليبرالية، من جهة، والدول التي اعتمدت الاشتراكية، من جهة أخرى، بالإضافة إلى تصاعد نفوذ الاحزاب الداعية للاشتراكية والعدالة الاجتماعية في الدول الليبرالية. هذا التنافس بين هذين المحورين ساهم في تكريس الكثير من التقديمات الاجتماعية، والإنسانية بشكل عام، في صلب بعض الأنظمة الليبرالية وبخاصة في اوروبا الغربية.

بغض النظر عن تقييم أداء الانظمة التي اعتمدت الاشتراكية كأساس لنظامها الاقتصادي، وبالتالي السياسي، فإن سقوط جدار برلين في العام 1989 وضع حدا لهذا التوازن باندثار الأنظمة الاشتراكية، باستثناء الصين، وبالتالي، أدى الى تفرد الأنظمة الليبرالية والنيوليبرالية في السيطرة على الاقتصاد العالمي وإطلاق العنان لتقليص تدريجي لكل ما تحقق من تقديمات إنسانية ذكرتها سابقاً.

وفي موازاة الحرية المطلقة لراس المال، تسارع التطور التقني وبخاصة في قطاع الاتصالات، فأفسح المجال أمام ترابط هائل وسريع ومستمر بين مختلف انحاء الكرة الأرضية. شيئا فشيئا، انتقلنا من اقتصاد مبني على امتلاك المواد الأولية والقدرة الذاتية للإنتاج، الى اقتصاد مبني على قدرة التحكم في راس المال وتدفقاته بالإضافة الى مصادر التمويل.

الترابط العالمي السريع

دخلت العولمة في صلب حياتنا اليومية، لتصبح الركيزة الأساسية في التبادل التجاري على قاعدة توافر السلع بأرخص الأسعار، من دون الاخذ بعين الاعتبار شروط الإنتاج وتنمية القدرات الذاتية. مع هذا التطور التكنولوجي، ظهرت مجموعات وشركات عالمية ترتكز على قدرة غير مسبوقة على تصريف خدماتها في جميع انحاء العالم، وتخطي القواعد الكلاسيكية للعرض والطلب والإنتاج. تمكنت هذه الشركات، وفي فترة قياسية جدا من الزمن، وبفضل امتلاكها وسيطرتها الكاملة على تقنية الاتصالات، من السيطرة على العرض من خلال خلق الطلب وجعله حاجة ماسة للحياة اليومية. انتشار الهاتف الذكي وتحوله لأداة ملزمة وضرورية هو خير دليل على ذلك.

لم يقتصر تأثير قطاع الاتصالات على الترابط العالمي السريع، بل خلق سوقا جديدة للتجارة بالمعلومات العامة والشخصية واستعمالها لتركيز الدعاية بالاعتماد على تحليل المعلومات حول الفرد وعلاقاته وإهتماماته وعاداته الشرائية والاجتماعية. لا بل تخطى استعمالها مؤخرا الأطر التجارية وصولا الى التأثير على الراي العام ضمن الحملات الانتخابية،  ولعل ما أثير في الولايات المتحدة الامريكية حول دور “فايسبوك” في حملة دونالد ترامب خلال الانتخابات الرئاسية السابقة يدخل في هذا المضمار، فضلا عن الأبعاد الأمنية والتجسسية لتلك الداتا الهائلة من المعلومات التي تستحوذ عليها شركات الإتصالات والتكنولوجيا العالمية.

هكذا، انتقل الاقتصاد العالمي من الاعتماد الأساسي على القدرة الإنتاجية الذاتية الى القدرة على إدارة رؤوس المال وتدفقاتها وعلى خدمات القروض والسندات والفوائد المصرفية. ازمة 2008 استخدمت لرأب صدع التشققات التي برزت في القطاع المصرفي من خلال تحصينه وإعطاء تسهيلات جديدة للنمط الجديد للتعاطي الاقتصادي المذكور سابقا.

ما نطمح اليه ان تشكل ازمة كورونا محطة لإعادة النظر بأنظمة الاقتصاد العالمي في سبيل إعادة الإعتبار إلى القيم الإنسانية ووضع حد لدكتاتورية راس المال

ومع غياب أية منافسة للأنظمة الليبرالية منذ سقوط جدار برلين؛ وتنامي نفوذ الشركات الكبرى؛ وترويض التطور التكنولوجي الجديد لصالح راس المال؛ ادت العوامل الآنفة الذكر إلى تراجع نفوذ الدولة ودورها الكلاسيكي من اداة لتنظيم المجتمع والاقتصاد في خدمة الانسان الى دور ثانوي في خدمة راس المال. نفوذ بعض الشركات تخطى وبشكل كبير نفوذ الدول لتفرض عليها شروطها وكيفية خدمتها. هذا الضعف في الدور التقليدي لهيكلية الدول، ترافق مع تنامي الفساد المنظم على المستوى العالمي حيث تخطت المبالغ السنوية المتداولة في هذا المجال عتبة الألف بليون دولار اميركي.

على صعيد البيئة، لم تنطلق حملات المطالبة بالحفاظ على الحد الأدنى المطلوب لحماية الإنسانية إلا في وقت متأخر من القرن الماضي. حالة عدم الاكتراث للواقع البيئي بدأت تظهر نتائجها بشكل واضح ومخيف من خلال التقلبات المناخية وما سببته من فيضانات واعاصير مخلفةً اضراراً جسيمة طالت البشرية جمعاء.

كذلك شهدنا تعديلات جينية في الإنتاج الزراعي والحيواني من اجل تكثيف الانتاج وتمديد الفترة الزمنية للحفاظ على الخضار والفاكهة قبل تلفها، وهذا ما أدى الى خفض مناعة جسم الانسان وقدرته الطبيعية في مقاومة الجراثيم والفيروسات، من جهة، والى الاخلال بأنظمة التوازن الإيكولوجي الطبيعي التي تشكل حجر الأساس للحياة على وجه الكرة الأرضية، من جهة أخرى. الأمثلة كثيرة ومتعددة: استعمال الطحين الحيواني في أغذية الابقار؛ قضم الغابات الاستوائية؛ القضاء على المحميات الطبيعية لإنشاء جسور وسدود؛ انشاء مجمعات سياحية من دون مراعاة التوازن البيئي وبالتالي الاحتكاك المباشر والغير مسبوق مع أنظمة طبيعية تحتوي فيروسات وجراثيم خطرة على الانسان؛ قضم القطب الشمالي لتوسيع النفوذ والسيطرة على ممرات مائية مستحدثة، ناهيك عن عمليات التنقيب عن البترول في قعر المحيط الشمالي؛ قضم الجبال ومحيط البحار وأحواض الأنهار بالكسارات والمرامل وغيرها الكثير.

ديكتاتورية رأس المال

وفي محاولة للإيجاز، نحن نعيش في عصر ديكتاتورية راس المال، وهي ديكتاتورية حديثة مبنية على الأسس التالية:

– نفوذ متزايد للمجموعات العالمية العاملة في مجالات مختلفة: الدواء، النفط، الاتصالات، صناعة الأسلحة، المعلومات، التامين، المصارف إلخ.

– تقهقر دور الدولة وتحولها أداة في خدمة المجموعات المذكورة أعلاه، بحيث ترضخ لما تقرره المؤسسات المالية الدولية من بنك دولي وصندوق نقد.

– ترويض التكنولوجيا الحديثة لخدمة راس المال على حساب الإنسانية. وهنا لا بد من إشارة جوهرية إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي المسيطر عليها من قبل نفس المجموعات، ليس على صناعة الرأي العام بل وإيصال من ترغب بإيصاله الى سدة الحكم. ما جرى في الولايات المتحدة الاميركية وفي فرنسا ليس بعيدا عن هذه الأساليب.

– افتعال ازمات بغية خلق أسواق جديدة للتصريف: حروب اقليمية متواصلة، التلاعب بالمواد الأولية، الضغط عبر الديون وفوائدها، خلق وتمويل المجموعات المتطرفة.

– إطلاق العنان لفساد ونهب منظم على مستوى عالمي كوسيلة مباشرة لإضعاف هيكليات الدول وتغذية راس المال

 وماذا عن الرابط مع ازمة كورونا؟

الازمة الحالية التي تعصف بالبشرية جمعاء تلخص بشكل نموذجي نتائج ما وصلنا اليه حاليا نتيجة ما ذكرته أعلاه:

– فقاقيع مالية تتهاوى واحدة تلوى الأخرى نتيجة الترابط الاقتصادي غير الانتاجي.

– انعدام القدرات الذاتية لغالبية الدول في مواجهة نتائج الفيروس الصحية من عدم توافر وسائل الوقاية والاستشفاء. وهذه نتيجة حتمية لتراجع دور الدولة في خدمة الانسان وتكريسه في خدمة راس المال.

ما نطمح اليه ان تشكل ازمة كورونا محطة لإعادة النظر بأنظمة الاقتصاد العالمي في سبيل إعادة الإعتبار إلى القيم الإنسانية ووضع حد لدكتاتورية راس المال. مع الامل ان نتفادى الوجه الاناني للطبيعة الانسانية والتي قد تترجم بحروب وصراعات وقلاقل جديدة.

(*) مهندس، ناشط سياسي لبناني مقيم في فرنسا

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course