تُطرح اليوم قضية الدولة في لبنان ليس كأزمة إدارة أو تعثر نظام فحسب، بل كإشكالية وجودية تضرب في جذور التأسيس ومقومات السيادة.
تُطرح اليوم قضية الدولة في لبنان ليس كأزمة إدارة أو تعثر نظام فحسب، بل كإشكالية وجودية تضرب في جذور التأسيس ومقومات السيادة.
في عالمٍ ما بعد العولمة، لم تعد الأسواق فضاءً لتبادل المنافع فحسب، بل تحوّلت إلى ميدانٍ لصراعات النفوذ. فالقوّة العظمى اليوم لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات أو الرؤوس النووية، بل بمدى السيطرة على البنى التحتية اللوجستية وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة التي تُحرّك الاقتصاد العالمي.
منذ التسعينيات على الأقل، استقرّ في المخيال العربي تصوّر مريح: الصين قوة صاعدة “محايدة”، معادية للهيمنة الأميركية، قريبة من قضايا التحرّر، وحليفٌ “طبيعي” للفلسطينيين. في زمن الإبادة في غزة، تعزّز هذا الميل: إذا كان الغرب شريكاً معلناً في الجريمة، فلا بدّ من البحث عن قطبٍ بديل، وها هي الصين تقدّم نفسها بوصفها المرشح الأبرز لهذا الدور.
عالم ما بعد الأحادية ليس أكثر شرّاً ولا أكثر خيراً بطبيعته؛ إنّه أكثر واقعيةً وأقلَّ تسامحاً مع الوهم. لا مكان فيه لخطابات “التفوّق الكلّي” ولا لإعلانات “الانفصال الكلّي”. يَسمحُ بالتنافس الحادّ على المعايير والتكنولوجيا والموارد، لكنه يعاقب من يخلط بين القطيعة التكتيكية والانفصال الوجودي، كما يعاقب من يصرّ على كونّيةٍ مفرطةٍ لا سندَ لها. هو عالمٌ يطلبُ من الفاعلين أن يجمعوا بين الشراسة والضبط، بين الصرامة المعيارية والمرونة التشغيلية، بين الدفاع عن الهويّة والانفتاح الذكي على التشابك.
في معضلة ترسيم الحدود البحرية اللبنانية، ظهر مؤخرا طرح جديد يقتضي فرض التفاوض على قبرص لإعادة تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، ردّت عليه آراء كثيرة، صدرت عن خبراء وسياسيين يستغربون شأن هذا الطرح وجدواه، واضعين إياه في إطار التشويش وإضاعة جهود وإمكانيات الوفد المفاوض، ما قد يجعلك تظن بأن الوفد المفاوض يحمل في حقيبته خطة محكمة وتقنيات متطورة ومتماسكة تضعه في موقع متقدم في المفاوضات، وكأنه أيضا يستند إلى مراسيم ووثائق دامغة تعجز الدول المجاورة وخبرائها عن محاججتها "علميا"، بل وقد يظن أحدهم بأن ثمّة إجماعا سياسيا ووطنيا يتكئ عليه الوفد في مهمّات ومفصليّات عملية التفاوض، أو أن الوسيط الأمريكي يسعى بجهده وجهيده إلى تحصيل حقوق لبنان المهدورة، وحماية مصالحه وموارده على نحو يجعل التفاوض مع العدو الإسرائيلي أمرا مجديا!