الدولة اللبنانية من إرث سايكس بيكو إلى تفكيك الاستعمار الداخلي

تُطرح اليوم قضية الدولة في لبنان ليس كأزمة إدارة أو تعثر نظام فحسب، بل كإشكالية وجودية تضرب في جذور التأسيس ومقومات السيادة.

في الأدبيات السياسية الكلاسيكية، وتحديداً وفقاً لما أرساه السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر في مقالته الشهيرة “السياسة بوصفها حرفة”، تُعرّف الدولة بأنها الكيان الذي يحوز حصرياً حق الاحتكار الشرعي لوسائل العنف المادي ضمن نطاق جغرافي محدد. إلا أن هذا التعريف، برغم أهميته، يظل قاصراً عن وصف الدولة الحديثة في جوهرها المؤسساتي، التي يُفترض أن تقوم على ثلاث دعائم بنيوية: بيروقراطية عقلانية تدير شؤون المجتمع بقوانين مجردة لا تخضع للأهواء الشخصية؛ اعتراف دولي يمنحها مقعداً وشرعية في الأمم المتحدة؛ وعقد اجتماعي يمثل العلاقة الجدلية بين السلطة والمواطن، حيث تُقايض الحماية والخدمات بالولاء والالتزام الضريبي.

بيد أن إسقاط هذه الركائز على الحالة اللبنانية يكشف عن تشوه بنيوي عميق صُنع عن سابق عمد وإصرار. فالبيروقراطية في لبنان، وإن بدت شكلياً مجرد جهاز إداري، إلا أنها واقعياً عاجزة عن إدارة شؤون المجتمع لتجردها من صفتها العقلانية وخضوعها المطلق للمحاصصة الطائفية والتوازنات المذهبية والمناطقية والمصلحية. إنها “بيروقراطية المصلحة” التي أسّس لها الاستعمار كأدوات لخدمته وضمان ارتهان الدولة لمراكز قوى لا وطنية.

أما الاعتراف الدولي، فهو في الحالة اللبنانية ليس إلا انعكاساً لصورة الدولة المحلية على المسرح العالمي. فإذا كانت الدولة في منشئها فاشلة وتابعة للمشيئة الاستعمارية، فإن تمثيلها في المحافل الدولية سيكون تمثيلاً لمصالح تلك القوى الخارجية بمسميات سيادية زائفة.

أما العقد الاجتماعي، فإن خضوع السلطة لإرادة الاستعمار يجعل انفصالها عن تطلعات مواطنيها أمراً حتمياً. هنا، تتحول الدولة تلقائياً من راعٍ للحقوق إلى أداة للسيطرة بالقوة وقمع المواطنين، بل وسوقهم خلف الأوامر الخارجية للقوى الكبرى. فكيف يستقيم مفهوم “الانتماء المواطني” مقابل الخدمات والجباية، في حين يمسك الاستعمار بمفاصل هذه الدولة اقتصاداً واجتماعاً ومالاً وسياسة؟ إن هذا التناقض البنيوي هو ما يفسر حالة “الفصام الهويّاتي” التي رافقت لبنان منذ لحظة التأسيس قبل أكثر من مائة سنة، حيث يبحث الفرد عن “أمنه” في طائفته لا في دولته.

شرعية الدفاع الذاتي

إن أعمق ما خلّفه تقسيم الحدود في اتفاقية “سايكس بيكو” هو الجرح النازف في منطقة الجليل الأعلى، الذي يمثل ذروة المأساة الاجتماعية والجغرافية. لقد ترك التقسيم الاستعماري في تلك الرقعة شرخاً اجتماعياً بمعناه البحت، وجعل سكانها عرضة للقتل والنهب والعدوان المستمر منذ قيام كيان الاحتلال في فلسطين عام 1948. ومع مطالبتهم المتكررة بحضور الدولة (يُفترض أنها مسؤولة عن حمايتهم) كان الرد الدائم هو التجاهل والإهمال.. ولأن “البقاء يتبع الوجود”، اضطر أبناء الجليل الأعلى لتولي مهمة الدفاع عن أنفسهم وأرضهم وأملاكهم في ظل ذلك الغياب المتعمّد للدولة.

فخ الديموقراطية التوافقية

ومنذ أن كان هناك احتلال كانت هناك مقاومة. شارك في مقاومة الاحتلال مقاومون من مختلف الطوائف. في حقبة العمل الوطني الفلسطيني في لبنان، طغت الهوية الفلسطينية على الهوية اللبنانية، ومع اجتياح العام 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتراجع الدور السوري، انبرت مجموعات لبنانية من مشارب سياسية عدة للانخراط في المقاومة، وهو مسار أفضى في نهاية الثمانينيات إلى جعل المقاومة محصورة في مكون طائفي محدد ترجمة لواقع إقليمي ولبناني معقد.

وبرغم أن هؤلاء المقاومين كانوا يتحججون بانشغالهم بالدفاع الوجودي ضد الكيان الاستعماري جنوباً، إلا أن هذا الدفاع جعلهم أحياناً يغفلون عن البعد الآخر للحرب الاستعمارية التي تُشن عليهم “من الخلف”، وذلك عبر تشكيل سلطة تتآمر عليهم وتريد القضاء عليهم سياسياً. بل يمكن القول إن الانخراط في النظام الطائفي التحاصصي وما يُسمى “الديموقراطية التوافقية” ساهم في تسهيل العمل الاستعماري الداخلي. فهذه المنظومة تكرس سياسات تُملى من الخارج، وتُثبّت سلطة زعماء الطوائف كوكلاء للمصالح الكبرى، ليعملوا في نهاية المطاف كـ”فيتو” مضاد لأية سيادة وطنية حقيقية.

استعادة السيادة الشاملة

إن تفكيك هذا الاستعمار الداخلي هو واجب وطني يوازي في أهميته محاربة الاحتلال المباشر. ويكون ذلك من خلال نسف مفاعيل “سايكس بيكو” جذرياً وبالتالي قلب النظام اللبناني من المحاصصة إلى نظام المواطنة. إن استرجاع السيادة السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية يمر حتماً عبر النضال لتطبيق اتفاق الطائف (1989) الذي ينص في المادة ج من فقرة الإصلاحات السياسية على إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة متدرجة تفضي إلى انتخاب مجلس نيابي على أساس وطني وخارج القيد الطائفي. وقد يكون ممكناً إجراء تعديلات على اتفاق الطائف بعد تحقق التمثيل الحقيقي للشعب، على أن تكون تلك التعديلات في خدمة السيادة والاستقلال عن كل أنواع التبعية للاستعمار وبخاصة الجانب المالي والاقتصادي منه. بذا، يتحرر الناخب اللبناني من سلطة الإقطاع الديني والسياسي، وتتحقق تطلعات الشعب الحقيقية في بناء دولة مؤسسات لا تخضع للإملاءات الخارجية.

إقرأ على موقع 180  ماذا إذا ورّط نتنياهو أمريكا في مغامرة حرب إقليمية.. شرارتها لبنانية؟

إن المواجهة اليوم هي صراع بين “الواقعية التبعية” وبين “الإرادة السيادية” وهي معركة تتطلب وعياً يتجاوز الحدود التي رسمها المستعمر، لنرسم حدودنا بوعينا وقدرتنا على الفعل التاريخي، مستندين إلى تحولات عالمية كبرى تكسر قيد الأحادية القطبية وتؤسس لعصر الشعوب الحرة.

Print Friendly, PDF & Email
محمد فقيه

كاتب سياسي؛ لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  المُسيّرات لاعب غير رسمي في الشرق الأوسط!