سقوط المخا نقل مركز الثقل في الحرب اليمنية من خطوط الجبهة الداخلية إلى عقدة استراتيجية تمس أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر، وتربط باب المندب مباشرة بتداعيات المواجهة الاميركية ـ الإيرانية في مضيق هرمز.
سقوط المخا نقل مركز الثقل في الحرب اليمنية من خطوط الجبهة الداخلية إلى عقدة استراتيجية تمس أمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر، وتربط باب المندب مباشرة بتداعيات المواجهة الاميركية ـ الإيرانية في مضيق هرمز.
في العاشر من أيلول/سبتمبر الجاري، سقطت مدينة المخا على الساحل الغربي لليمن في أيدي الحوثيين بعد هجوم خاطف. في اليوم ذاته، عبّر مسؤول في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بمرارة، عن هذا الواقع العسكري-السياسي الجديد في البحر الأحمر بالقول لصحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية، إنه يمكن التأريخ لهذا الحدث على أنه "اليوم الذي بدأت فيه إيران فعلاً بكسب الحرب" ضد أميركا.
لم يكن اختيار القاهرة محطة للرئيس الصيني شي جين بينغ في مطلع أيلول/سبتمبر حدثاً بروتوكولياً عادياً، كما لم تكن أهميته مقتصرة على العلاقات الثنائية بين مصر والصين. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، وفي توقيت يسبق بأسابيع قليلة انتقال شي إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب في 24 أيلول/سبتمبر، وسط حرب مفتوحة مع إيران، واضطراب في مضيقي هرمز وباب المندب.
في تطور جوهري ومنذر بعواقب وتداعيات على استراتيجية البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، أحكم الحوثيون قبضتهم على مضيق باب المندب. كان ذلك داعيًا إلى تساؤلات ومخاوف واسعة من انتقال كتل النيران من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب على البحر الأحمر. إنها تداعيات الحرب على إيران، وإنذار مدوٍّ باختناق أكبر وأخطر في حركة ناقلات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
لم تعد مدينة المخا اليمنية، في ضوء التطورات الأخيرة، مجرد ميناء يمني آخر ينتقل من يد إلى أخرى في حرب امتدت سنوات. فموقعها على الساحل الغربي لليمن، على مسافة نحو 75 كيلومترًا من مضيق باب المندب، يجعل السيطرة عليها مسألة تتجاوز الداخل اليمني إلى أمن البحر الأحمر وحركة الطاقة والتجارة الدولية، وصولًا إلى قناة السويس.
تدفع إيران الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخيار الذي لا يريده: التدخل البري. لذا، اختار بديلاً منه حملات القصف الجوية المتواصلة منذ أسبوعين، أملاً في اقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات بوضعية أكثر مرونة إزاء القضايا الخلافية، بدءاً بمضيق هرمز ووصولاً إلى البرنامج النووي، الذي كان العنوان لحربي حزيران (يونيو) 2025 وشباط (فبراير) 2026.
عام 2023، تمّ في قمّة العشرين بنيودلهي الإعلان عن مبادرة ممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) كردٍّ أميركي-إسرائيلي على مبادرة الحزام والطريق الصينية، وداعماً للاتفاقات الإبراهيمية بين إسرائيل ودول الخليج، بل مؤسِّساً لمنظور تحالفٍ "هندي-إبراهيمي" مُفترض يرعاه بنيامين نتانياهو ودونالد ترامب. ممرٌّ يصل آسيا بأوروبا برّاً عبر الخليج والأردن وميناء حيفا، ويشمل طرقاً وسككاً حديدية، وكذلك مادّة المستقبل: البيانات، عبر كابلات الألياف الضوئية.
المُنحنى الإمبراطوري الأميركي ينحدر متدرِّجاً. لحظات الهبوط قد تمتدُّ بضعَ سنواتٍ في الحسابات الجيو- سياسيَّة قبل حصول الصدمة الارتطامية. يكاد العالم كلُّه يأخذ ذلك في الحُسبان إلا العرب.
في لحظةٍ تتشابك فيها خطوط الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة، ينهض اليمن كعقدةٍ استراتيجية تُدار فيها التوازنات ببراغماتية حادة. تحت هذا السقف، تتقدم مفاوضات بين حركة "أنصار الله" والمملكة العربية السعودية نحو مراحل متقدمة، مدفوعة بمسار إقليمي أوسع يرتبط بالتفاهم الذي انطلق بين الرياض وطهران في بكين (الصين) مطلع عام 2023، وهو تفاهم أعاد ترتيب أولويات الاشتباك في أكثر من ساحة.
لم يعد من الممكن قراءة الاقتصاد العالمي اليوم بالمعادلات الكلاسيكية التي تربط العرض بالطلب، ولا حتى عبر دورات التضخم والانكماش المعهودة، إذ إن ما يتكشف تدريجيًا هو انتقال نوعي في طبيعة الأزمات نفسها. فبدل أن تبقى هذه الأزمات ضمن نطاق الصدمات الاقتصادية القابلة للاحتواء، باتت تتحول إلى اختناقات جيوسياسية تعيد تعريف قواعد اللعبة من أساسها.