كتبت عن عادات وممارسات عفا عليها زمن من أزمنتي العديدة، عدت أقرأ ما كتبت لأكتشف أنني أهملت، عن غير قصد، عادات وممارسات أخرى عفت عليها نفس الأزمنة وربما أزمنة أخرى. أكتب هنا عن بعض ما أهملت وهو كثير.
كتبت عن عادات وممارسات عفا عليها زمن من أزمنتي العديدة، عدت أقرأ ما كتبت لأكتشف أنني أهملت، عن غير قصد، عادات وممارسات أخرى عفت عليها نفس الأزمنة وربما أزمنة أخرى. أكتب هنا عن بعض ما أهملت وهو كثير.
مثلُ كثيرين أحنُ إلى بعض، وليس كل، الماضي. أخشى إن تمنيت عودتي إليه وتحقق التمني أن أجد فيه تفاصيل لم أحبها. أخشى أيضا أن أعود وأنا في هذا العمر وهذا الشكل فينفر من لقائي أصحاب وصاحبات الزمن الذي عدت إليه. أو أعود فلا أجد شجرة الجميز التي غفوت كثيراً من "قيلولاتي" في ظلها، ولا أجد على حافة النهر النخلتين اللتين شدني إليهما عناقهما الصريح والمكشوف، ولا أجد الشاب بائع المثلجات ليحمل لي النبأ السعيد "لقد غيروا العسكري الذي كان يزعج عشاق وعاشقات النخلتين المنحنتين قليلاً في خشوع وجمال". سعيد الصبي البائع بغياب السلطة الجائرة وعودة الخشوع والهدوء الممتع والعشاق إلى المكان.
دائماً ومنذ سنوات مراهقتي ثم شبابي، عشت مغرماً بالمستقبل. أسرني غموضه وغموض كل ما يتعلق به. كم من مرة وقفت وأنا صغير وراء جارة أو قريبة من قريباتي وهي تقرأ الفنجان لأمي أو خالتي. أسمع صفات عن رجل أو سيدة وطفل وصور لقطار أو طائرة لتخلص قارئة الفنجان في النهاية إلى قصة محبوكة وقابلة للتصديق الفوري. صارت إحدى هواياتي متابعة حكايات قارئة الفنجان أو ورق الكوتشينة أو الودع، أستمع بشغف بالغ إلى عمل يدل على براعة في تأليف روايات استناداً إلى "تهيؤات" هي أولاً وآخراً من صنع خيالات خصبة.
كثيرون هم الرجال الذين أثّروا في مجرى حياتي. بعضهم خلف آثارا أثّرت لساعات وأيام. بعض آخر ترك بصمات لا تمحى. بعض ثالث مر مرورا عابرا ولكن بآثار عميقة. كثيرون عبروا عبورا خامدا، لا حس ولا خبر.
إنها والله لنقلة كبرى. سنوات وأنا أكتب في هذا الباب من صفحة الرأي بالشروق يوميات عن تطورات أو أحداث في حيواتي الماضية، حياة الطفولة وحياة المراهقة وحياة الشباب وحياة تنقلت فيها بين الدبلوماسية والعودة للدراسة والصحافة والعمل السياسي العربي، عن هذه وتلك نقلت بعض ثمار تنقلي بينها وبين ثقافات لا اتفاق أو توافق بينها إلا ما ندر.
أعتقد أنني كنت بين أوائل الذين تفهموا رد فعل شعب كندا على ما خصهم من دبلوماسية الهزل والاستخفاف التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. بدون شك أساء لنفسه ولكن الأهم أنه أضاف مادة جديدة إلى معلومات الذين يتابعون بكثير من القلق المسيرة الانحدارية لسمعة الولايات المتحدة ومكانتها. تفهمت رد فعل شعب كندا الغاضب والمشبع بمهانة شديدة على اقتراح الرئيس الأمريكي ضم أو انضمام كندا كولاية إضافية إلى الخمسين ولاية أمريكية.
حكايتى مع تونس طويلة وناعمة وصافية صفاء سماء الربيع التونسى، تخللتها أيام عاصفة ومطيرة ولكنها أيام الاستثناء الذى يثبت القاعدة. حكايتى كانت من جزءين الأول منهما قصير ومثير والثانى طويل وممتع ومثمر.
تصغرني بعامين. اتصلت بها في السابعة صباحا لتوثيق معلومة تقع ضمن ذكريات طفولتنا. ردت على اعتذاري عن الاتصال المبكر بأنها، كما حال من في سنها، تستيقظ قبل بزوغ الشمس. سألتها، ثم سألت خالتها، وهي في مثل عمرها، عن مناسبات في طفولتنا تتذكرها أكثر من غيرها.
أوراقي مشكلتي بل لعلها أعقد مشكلاتي. أبحث عن ورقة بعينها بين أوراقي وفي غالب الأحوال أو المرات لا أجدها. يحدث في مرات غير قليلة أن أجد أمامي ودون بحث مسبق ورقة أو وثيقة كنت نسيت أمرها أو يئست من العثور عليها أو انحسر اهتمامي بقضيتها؛ أجدها فأفرح بها وفي الوقت نفسه أشفق على نفسي وعلى كتاباتي من غيبة مصادر كانت في واقع الأمر حاضرة.
عشت سنوات، وما أزال، أجمع حكايات عن الحب، عن كل أنواعه، حكايات عن حب شخص لآخر، حب صبى لفتاة، حب نساء لرجل، حب الناس لزعيم، حب زعيم لشعبه، حب امرأة للحياة، حب إنسان لنفسه، نعم حب من كل نوع، ولكنى كثيرًا ما كنت أتوقف طويلًا أمام حكاية بعينها قبل أن أقرر ضمها لمجموعة حكاياتى عن الحب، أوقفنى فى إحداها الصدق فيه وفى أخرى حجم التضحية من أجله، وفى ثالثة وقعه على الغير، كان الغير شعبًا أم ملاكًا أم عبدًا فقيرًا أم كاتب هذه السطور.