موديز تخفّض تصنيف لبنان.. الإنقاذ ممكن شرط اتخاذ القرار الآن

بعد ثلاثة عقود من الخيارات الاقتصادية التي عُملَ بها منذ نهاية الحرب الأهلية، بات لبنان اليوم يرى بأمّ العين نتيجة انعدام الرؤية الاقتصادية، ومحصّلة الخيار الذي اتّخذ مطلع التسعينيات بضرب القطاعات الانتاجية في البلاد، واعتماد الريع نموذجاً اقتصادياً.

إذا كان لبنان يعتمد منذ ثلاثين عاماً على تدفقات مالية من المغتربين عبر تشجيع “هجرة الأدمغة”، وعلى محاولة جذب الودائع والاستثمارات الخارجية من خلال فوائد عالية وضرائب قليلة، لا بل شبه معدومة، على المصارف والقطاع العقاري، فقد بان اليوم سقوط هذا النموذج مع انخفاض التدفقات الخارجية من أموال المغتربين، ومع انعدام الثقة في القطاع المصرفي بعد ثلاثة أعوام من التهويل بقرب الانهيار الإقتصادي والمالي خدمة لأهداف سياسية ضيقة.

وإن كانت وكالات التصنيف جميعها خفّضت تصنيف لبنان الائتماني منذ مطلع العام الجاري، ومن ثمّ في منتصف صيف 2019، وإن كانت وكالة “فيتش” خفّضت التصنيف الى CCC نهاية آب الماضي “نتيجة التحديات الناجمة عن ازدياد ضغط التمويل الخارجي من جراء إنخفاض تدفق الودائع في القطاع المصرفي، وعدم الاستقرار السياسي المحلي وعدم فعالية الحكومة، وتدهور النمو الاقتصادي والمخاطر الجيوسياسية”، فقد قامت وكالة “موديز” أمس(الثلاثاء) بخفض تصنيف سندات الودائع بالعملات الأجنبية طويلة الأجل في لبنان من Caa1 الى Caa2، اي منتصف سلّم الودائع ذات المخاطر العالية جدّاً، مع نظرة مستقبلية سلبية، كما تم تخفيض سقف السندات والودائع طويلة الأجل بالعملة المحلية إلى B2.

وأوضحت “موديز” في بيانها أن “تراجع التصنيف الى Caa2 يعكس الاحتمالية المتزايدة لإعادة جدولة الديون أو ممارسة إدارة المسؤولية الأخرى التي قد تشكل تقصيراً بموجب تعريف “موديز” منذ فتح المراجعة لخفض تصنيف Caa1 في بداية تشرين الأول”، مشيرة الى أن “الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة النطاق واستقالة الحكومة وفقدان ثقة المستثمرين، أدت إلى تقويض نموذج التمويل التقليدي للبنان على أساس تدفقات رأس المال ونمو الودائع المصرفية، ما يهدد استمرارية ربط الاستقرار واستقرار الاقتصاد الكلي”.

تسلّم إحدى كبريات وكالات التصنيف العالمية إذاً بسقوط النموذج المعتمد في لبنان، واستحالة الاستمرار على هذا المنوال

وإذا كان التوقيت في خفض التصنيف هو اللافت للإنتباه، كونه كان متوقعا في مطلع العام 2020، يصبح السؤال، هل الوضع مأزوم الى هذه الدرجة فعلاً؟ الجواب هو أن الثقة هي أبرز مؤشر في الاقتصاد، ومتى غابت الثقة، بات وضع الاقتصاد في حالة حرجة.

المؤسف في لبنان أنّ التهويل بالانهيار والتسريبات المغلوطة عن انتفاء الاحتياطات الاجنبية أثّر حكماً على تصنيفات لبنان الائتمانية.

تسلّم إحدى كبريات وكالات التصنيف العالمية إذاً بسقوط النموذج المعتمد في لبنان، واستحالة الاستمرار على هذا المنوال.

ربما باتت موديز تشكّ في احتياطات المصرف المركزي بعد العديد من التصريحات السياسية المشبوهة والمقالات الغريبة التي تشير الى انخفاض الاحتياطات اللبنانية بشكل كارثي، فيما الحقيقة أنّ الاحتياطات النقدية واحتياطي الذهب في المصرف المركزي لا يزال كافياً لدرء أي مخاطر في الوقت الحالي، ويمكن أن تكفي لفترة زمنية مقبولة. لكنّ كلّ ذلك يبقى شريطة اتخاذ خيارات سياسية واقتصادية واجراءات مالية جذرية تعدّل الدفّة وتعيد الثقة الى الأسواق، ولا تبقي البلاد رهينة التدفقات والاستثمارات الخارجية، مثال استعادة الانتاج والقطاعات الحقيقية، ومحاربة الفساد جدّياً.

وإن كان رهان بعض القوى السياسية على ملل الناس من الشارع، وعلى قدرتهم على احتواء التحرّكات الاحتجاجية واستكمال النهج المتّبع عينه، وإن كان البعض ينتظر مطلع العام المقبل وتقارير شركات “توتال” و”غازبروم” و”إيني” حول استكشاف الغاز في المياه الاقليمية اللبنانية لاستيدان المزيد من المال مقابل الغاز المستقبلي، وإن كان البعض يصرّ على بيع الدولة بكلّ ممتلكاتها عن طريق الخصخصة الشاملة البعيدة عن كلّ المعايير، فذلك لن يغيّر من واقع الحال شيئاً، بل هو مجرّد دفع بالأزمة بضعة شهور، وربما سنوات، الى الأمام.

الحلّ الجدّي الوحيد يبقى قبول الطبقة السياسية في لبنان بالتنازل عن جزء من مكاسبها، لعلّ ذلك يسمح بإنقاذ البلد، وهو أمر ممكن، شرط اتخاذ قرار حقيقي بتقديم مصلحة البلاد على المصالح الفئوية الضيّقة.

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course

180Post