أتجه مباشرة إلى شارع الحمرا، الرئة التي تتنفس منها بيروت. بالنسبة لي، لم يعد لهذا الشارع اسمه التاريخي المعهود؛ لقد صار في وجداني «شارع بول شاوول». هنا، في بهو المقاهي التي تشهد على تحولات العقد الأخير، تجده جالسًا كحارس للذاكرة.
خلال الأعوام الأخيرة، تنقّلتُ معه بين طاولات مقهى «الهورس شو»، الذي تبدلت أسماؤه ووجوهه وبقي هو الثابت فيه، وصولًا إلى مقهى «الدانكن دوناتس»، ومرورًا بمقهى «The Godfather».
يا للمفارقة؛ فبينما يستوحي المقهى اسمه من فيلم هوليوودي شهير، كنتُ أرى في بول شاوول «العرّاب» الحقيقي، ليس للجريمة المنظمة بالطبع، بل لجماليات الشعر السامقة وثقافة التنوير التي لا تهادن. لقد غدا بول شاوول مزارًا ثقافيًا، فلا يمكن لمثقف أو قارئ يزور بيروت إلا ويبحث عن صاحب «بوصلة الدم»، كمن يبحث عن بوصلة المدينة ذاتها. يلتقطون معه الصور، لا للذكرى العفوية فحسب، بل ليثبتوا لأنفسهم أنهم جالسوا «قطعة من تاريخ بيروت» لا تزال تنبض شعرًا خلف دخان سيجارته المتوهجة.
طقوس «الصهيل» وأرواح تسكنه

يُحدثني بولس (كما يناديه الأقربون)، بصوته الذي يحمل بُحّة السنين وثقة العارف، أن برنامجه اليومي بات يتأرجح بين المقهى والبيت. في المقهى، يمارس طقسه الأثير؛ يتأمل «صهيل المارّة» القادمين من كل حدب وصوب، يرتشف قهوته «الإكسبرس» المُرّة من دون سكر، وكأنه يرفض أن يُحلّي مرارة الواقع بشيء زائف. تجده دائمًا متأبطًا كتبًا ومجلات، لا سيما الفرنسية منها، وعلى رأسها المجلة الشهرية (Philosophie).
يضحك بول شاوول وهو يحكي لي كيف يوقفه المارّة في الطريق، يرمونه بورود المحبة وكلمات الطيبوبة، لكنه يضيف بمرارة ساخرة:
– ربما أنا الوحيد الذي لا يزال يسير في الشارع حاملًا كتبًا، لدرجة أن البعض أوقفني وسألني بجدية: هل أنت محامٍ؟
يضحك، والضحكة عند بول شاوول نوع من المقاومة السلمية ضد الجهل الذي بدأ يزحف على ملامح المدينة.
يعيد عليّ بول، ابن منطقة «سن الفيل» في الضاحية الشرقية للعاصمة اللبنانية، قصته الأسطورية مع «القبيلة»؛ تلك القصة التي تشبه تراجيديا إغريقية في قلب لبنان. لقد انسلخ عن عائلته وبيئته المارونية في ذروة الحرب الأهلية. لم يستطع الصمت على كراهية الآخر، فعادى نزعات التطرف في قومه، ورفض قتل الأبرياء من المسلمين والفلسطينيين. وحرصًا على ألّا تتلطخ يداه بدم بريء، فرّ بوعيه وجسده إلى «بيروت الغربية»، ملتحقًا بمعقل اليسار اللبناني والمقاومة الفلسطينية.
ظل بولس هناك حتى بعد أن صمتت المدافع وعاد النازحون إلى ضيعاتهم ومنازلهم. يقول لي بعينين تشعّان صدقًا:
– لكل موقف ثمن، وأنا مقتنع بما أديته وما نلته.
لقد مات إخوته وأفراد عائلته الأقربون، وبقي هو وحيدًا، يحرس حكايته، ويؤكد أن الانتماء إلى الإنسان أسمى من الانتماء إلى الدم.
في جلساتنا، يظهر وجه بول المناضل الشرس؛ فالحرية عنده ليست مجازًا شعريًا، بل موقفًا سياسيًا صلبًا. وبينما يتحدث، تقفز إلى ذاكرتي صورته الأيقونية على غلاف عدد قديم من مجلة «الأسبوع العربي»، التي شاهدتها معلّقة في شقته جنب كتب خزانته الهائلة؛ صورة توثّق زمن الغليان الطلابي، حيث يظهر القائد الطلابي الشاب بول شاوول والدماء تسيل على كامل وجهه عقب اعتداء بوليسي وحشي. تلك الدماء لم تكن مجرد إصابة عابرة، بل كانت «المعمودية» الأولى لشاعر قرر منذ البداية ألّا يفصل بين قصيدته وشارعه، وبين حبره ودمه.
إن أشدّ ما يكرهه بول شاوول هو الطائفية؛ يراها السرطان الذي ينخر جسد الوطن. يقول بيقين حاد:
– لا يمكن بناء مجتمع ولا دولة على أسس طائفية.
ثم ينخرط في تحليل سياسي عميق وتفكيك لخرائط القوى، تحليل يحمل رصانة المفكر وحرقة المنتمي، لا مجال لبسط تفاصيله هنا، لكنه يكشف عن عقل لا يزال يقرأ الواقع بمشرط الجرّاح الذي لا يجامل.
حين يتحدث بول، لا تحضر الكلمات وحدها، بل تحضر «الأرواح» التي شكّلت وجدانه. يستعيد بوفاء نادر أسماء عزيزة رحلت، وهي الأسماء نفسها التي تسكن ذاكرته كلما التقينا. يذكر صديقه الصحفي والكاتب الكبير طلال سلمان، صاحب يومية «السفير» العريقة، التي قضى فيها بول سنوات رئيسًا لقسمها الثقافي، فكانت «السفير» صوته وصوت المثقفين العرب.
ثم تتبدل نبرة صوته إلى أسى عميق حين يأتي ذكر المثقف والناشط لقمان سليم، الذي هزّ اغتياله أركان الكلمة الحرة عام 2021. يقول لي بول بغصّة مكتومة: «لقد نصحته…»، ثم يصمت طويلًا، صمتٌ يختصر عجز الكلمة أمام رصاص الغدر.
وبفخر يمتزج بالألم، يستذكر الكاتب والصحفي سمير قصير، الذي اغتيل عام 2005. يبتسم بول وهو يخبرني أن سمير لم يكن مجرد زميل أو مناضل، بل كان تلميذه النجيب حين كان بول مدرسًا للغة العربية، وكأنه يرى في كل سطر كتبه سمير شتلةً غرسها هو ذات يوم في وعي هذا الشاب الذي صار لاحقًا منارة لبيروت.
لا يقف وفاء بول شاوول عند حدود لبنان، بل يمتد بأسى وحسرة نحو المغرب الذي يسكن قلبه. يتذكر بحزن عميق أصدقاءه المغاربة الراحلين الذين قاسمهم أحلام الثقافة والجمال؛ يتألم لرحيل ساحر المسرح الفنان الكبير الطيب الصديقي، وسيدة الركح الممثلة ثريا جبران، وصديقه الحميم القاص إدريس الخوري. يذكرهم بحسرة تبلل الكلمات، وكأنه يرى في رحيلهم تساقطًا لآخر أوراق الخريف الجميل الذي ربطه ببلد «العلامات».
وجع الجسد وعناد القصيدة

بول شاوول لا يشكو؛ فالكبار لا يئنّون أمام الغرباء. لكنه، وهو الذي يضعني في مرتبة خاصة من الود، أسرّ لي بمعاناته مع المرض. «أتناول أكثر من عشرة أدوية يوميًا»، يقولها ببساطة مذهلة. خضع لجراحات دقيقة في القلب والعينين، لكن أمله يظل أصلب من الشرايين المجهدة.
أسأله عن سر توقفه عن النشر الشعري مؤخرًا، فيجيبني بجواب الصنّاع الكبار:
– لا أحب أن أكرّر نفسي. القصيدة عندي مخاضٌ يستمر شهورًا وأعوامًا كي تكتمل.
يحدثني بأسى عن دار نشر في إيطاليا نشرت قصيدته المطولة «مبتورة»، فأساءت لبنيتها المعمارية، وينوي إعادة طبعها كاملة لتستعيد القصيدة كرامتها الفنية.
هذا الصباح، وأنا أتصفح مجلة «نزوى» العُمانية، وجدت أثرًا لـ«القصيدة المتوحشة» التي حدثني عنها. تساءلت: لماذا المتوحشة؟ أهي المدينة (بيروت) التي صارت غابة من الإسمنت والوجع؟ أم هو الشعر الذي يرفض التدجين؟
لقد تجاوز بول شاوول عقد الثمانين، وصار السفر يرهقه كثيرًا. حتى بيروت التي يعشقها صارت تفاجئه؛ فمنذ أكثر من أسبوع، هبط إلى شارع الحمرا ليفاجأ بالمحال مقفلة. لم يخبره أحد أن العالم يحتفل بعيد الميلاد. بول، المسيحي الأصل، لا يحتفل بأعياد الطوائف؛ لقد نسي التاريخ لأنه يعيش في «زمن شعري» خاص، لا يحتاج فيه إلى أجراس الكنائس ليعرف معنى المحبة.
المغربيّ الأشهر في لبنان

يفتخر بول بعلاقته بالمغرب، علاقة تُوّجت بوسام ملكي من الملك محمد السادس، وقبل ذلك بمحبة شعبية جارفة من الشباب المغربي الذي يرى في شعره روحًا متمردة. يعتز بول شاوول بصدور كتابه «علامات من الثقافة المغربية» قبل نصف قرن، الكتاب الذي كان جسرًا حقيقيًا عرّف من خلاله المشارقة على عبقرية المغاربة.
تتسع ابتسامته عندما أداعبه بلقبي المفضل له:
– أتدري يا بولس… أنت أشهر شاعر مغربي في لبنان.
يُردّدها بزهو، ثم يسألني بوفاء نادر عن رفيق دربه الشاعر محمد بنيس، وعن أصدقائه هناك.
بوصلة لا تتوقف
حين أودّع بول شاوول في مقهاه، أترك خلفي رجلًا لم تهزمه الحروب، ولم تكسره الجراحات، ولم يغره الضوء الزائف. أترك خلفي شاعرًا يثبت كل يوم أن «الكلمة» هي الحصن الأخير ضد التوحش. بول شاوول ليس مجرد شاعر، إنه «البوصلة» التي يحتاجها كل من ضلّ طريقه في دروب الثقافة العربية المعاصرة.
سلام عليك يا بولس مع مطلع هذه السنة الجديدة، يا من جعلت من «شارع الحمرا» قصيدة لا تنتهي، ومن بيروت وطنًا لا يحدّه جغرافيا، بل يحدّه الشعر.
