حين تفشل الدولةـ الأمة.. يعود شبح الفيدرالية

من حينٍ إلى آخر، تبرز مواقف وكتابات تنطوي على دعوات صريحة للذهاب نحو خيار الفيدرالية في لبنان وسوريا والعراق، ناهيك عن طروحات مماثلة في ليبيا والسودان، بالإضافة إلى اليمن الذي غدا أوثقَ انشدادًا نحو الفدرلة، وربما إلى ما بعدها، من مصيرٍ انقساميٍّ وتقسيميّ.

بصورة عامة، يتغذّى الخطاب الفيدرالي من واقعٍ سياسيٍّ مأزوم، فيؤسّس لخطاب الاستحالة التعايشية بين الجماعات والمكوّنات الأهلية، ليخلص إلى حصيلتين سلبيتين: سقوط الدولة–الأمّة وفشلها في استجماع شظايا الطوائف والمذاهب والقبائل والعشائر، وامتناع هذه الجماعات، امتناعًا سديدًا، عن الانضواء تحت مشروع وطني جامع، بما يوجب تحويل كل جماعة إلى كيان سياسي له خصوصياته وذاته وبيرقه ورباطه الطائفي أو القبلي، وكذلك سلطته وجنده ونشيده الخاص.

أول ما يمكن النقاش فيه وحوله يتأتّى من سؤالٍ ثلاثي: هل عرفت الأقطار العربية الدولة–الأمّة بالفعل؟ وهل إخفاق السلطات السابقة (القومية تحديدًا)، بدوام استمرارها، تعبيرٌ عن خيبةٍ عصفت بمشروع الهوية الجامعة، ما أدى إلى اليأس منها؟ وبالتالي، هل كانت تلك السلطات تحمل مشروعًا وطنيًا أم مشروعًا تسلطيًا فئويًا–حزبيًا، ما أبعد الجماعات الأهلية عنها، وتحولت معه تلك السلطات والتسلطات إلى أقليات حاكمة ومتحكّمة، منفردة ومتفردة باحتكار القرارات السياسية والأمنية، والاستحواذ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟

لنبدأ من ياسين الحافظ

من منطق الأشياء، ومن موجبات إنتاج الأفكار، البدء بدراسة الأسباب المؤدية إلى واقع الخراب الذي تعيشه أقطار عربية عدة، وذلك قبل تقديم أي مشروع سياسي أو فكري. وهذا يلزم، من جهة أخرى، تحديد طبيعة السلطات التي تسيدت تلك الأقطار، ابتداءً من طبيعة انقلاباتها العسكرية، مرورًا بمسارات أنظمتها وأساليب حكمها ونماذجها الاقتصادية وأنماط تفكيرها المغلقة، ولا سيما إيمانها المفرط والمتطرف بأفكارها الهوجاء والطائشة التي افترضتها، بالقهر والقسر، سويّةً مطلقة وطليعية وتقدمية، وما عداها سقطُ متاعٍ رجعيٍّ متخلّف وحقير، لا نفع له ولا قيمة.

في طليعة من طرق باب النقد العلمي والواقعي لطبيعة الأنظمة العربية القائمة، يبرز المفكر ياسين الحافظ في «الأعمال الكاملة»، وخصوصًا كتابه «الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة» الصادر في سبعينيات القرن العشرين، وبعض أقسامه سلسلة مقالات ودراسات تعود إلى عام 1967، أي بعيد هزيمة حزيران/يونيو الشهيرة.

وفي هذا الكتاب يرى المفكّر اليساري ياسين الحافظ أن قواعد الحكم في الأنظمة التقدمية العربية قامت على الخوف والتخويف: «وحين يغيب التسامح وتُدان التعددية ويعتبر كل فريق نفسه مالكًا للحقيقة، وعندما يمارس التقدميون السحل والسحل المضاد، وعندما يصبح السجن مكانًا للخصم، وعندما يُوضَع القانون على الرف أو غلافًا لشهوة الحاكم، ماذا يبقى للمجتمع من قيم ووسائل يدافع بها عن الديموقراطية؟». وأكثر من ذلك يقول الحافظ: «تصفية مشروع الدولة–الأمّة تتجلّى في الانفصال المتزايد بين الحكم والشعب، وفي تنامي الطابع التوتاليتاري المحافظ للأنظمة العربية، وفي التوسع المذهل في فساد الدولة؛ فساد لم يعد هامشيًا ولا استثنائيًا، فساد ارتدى طابعًا سياسيًا مملوكيًا».

قد يكون، بل من الضروري، قبل إطلاق الأفكار اليائسة المرتبطة بالفيدرالية وما يعادلها، مراجعة مرحلة ما بعد الاستقلالات العربية ونشوء ما يُسمى بـ«الدول» العربية الحديثة، وهي لم تكن دولًا لا بالمعنى المفهومي ولا بالمعنى الاصطلاحي؛ فهي، في أفضل أحوالها، أقرب إلى تعريفات «الطغمة» الانقلابية أو الهيمنة العائلية والعشائرية التي اقتضى حكمها استدعاء كل ما يتوفر لها من استقواء وشراسة أمنية، كضامنين وحيدين لاستمرارها في السلطة. وفي هذا المجال، فإن إعادة قراءة الأعمال النقدية لتجارب الحكم في العديد من الأقطار العربية، لشخصيات وقيادات ورموز أسهمت في وقائع الخراب الحالية، تشكّل مداخل أساسية لمعرفة العوامل التي أنتجت التشظيات الحاصلة في سوريا والعراق والسودان وليبيا والصومال واليمن، وما قد يلي ويعقب الدول المذكورة.

وفي هذا السياق، تشكّل مذكرات أكرم الحوراني، وجلال السيد، ومحمد معروف، ونبيل شويري، وأمين الحافظ، مقدمات ومضامين معرفية للمآلات التي وصلت إليها سوريا الراهنة، حيث انتعشت فيها روح الفيدراليات وتقرير المصير للجماعات الطائفية والقومية. ويُضاف إلى الأسماء والرموز الآنفة الذكر: مطيع السمّان، وحديثة مراد، ومروان حبش، وعبد الكريم زهر الدين، وأمين بوعساف، وحسين الحكيم، وأديب نصور، وسامي الجندي، وغسان حداد، وفضل الله بو منصور، وفيصل الحوراني، ومطاع صفدي، وأحمد عبد الكريم، وبشير العظمة، وشبلي العيسمي، وأسعد الكوراني، وحنا بطاطو.

وما بين هذه الكتب والمذكرات تقع التجارب والسير الذاتية لخالد العظم، وعبد الرحمن الشهبندر، وأديب الشيشكلي، وحسني الزعيم، ولطفي الحفار، وكلها تستحضر عوامل الاستشراس على السلطة، وعوالم المؤامرات والانشقاقات والانقلابات، وكيفية بناء التحالفات ومراكز القوى على قواعد عشائرية وجهوية وطائفية، مما أسقط الرابطة الوطنية التي تجلت في رؤية المملكة الهاشمية بين الأعوام 1918، وأجهض المشروع الوطني الذي لاح في الثورة السورية الكبرى عام 1925، وكاد يتبلور في التصدي السوري العام للقوات الفرنسية خلال العدوان الفرنسي المخبول على دمشق في 29 أيار/مايو 1945.

التفتت العراقي

لا تختلف أحوال العراق بعد عام 1958 عن شبيهتها في سوريا، وقد يكون المشروع الوطني الجامع قد تباطأ مع وفاة الملك فيصل الأول عام 1933، لكن مناخه، الذي شابته تعقيدات وتحديات، بقي يلفح العراق بعض الشيء حتى إطاحة النظام الملكي في 14 تموز/يوليو 1958. وبعد ذلك غدا السحل والمحل والدحل سمة العقود اللاحقة.

والمسار الأسود لتلك المرحلة التي أنبتت التفتت العراقي الحالي يمكن تتبعه في كتابات ومذكرات كبار القياديين العراقيين أو في حوارات مصوّرة معهم، وهم من القلة التي نجت من الموت الزؤام جراء مؤامرات بعضهم على بعض، وانشطاراتهم وتناثراتهم الدموية المرعبة. ومن هؤلاء: هاني الفكيكي، وحازم جواد، وطالب شبيب، وعلي صالح السعدي، وجواد هاشم، ومنيف الرزاز، وجهاد كرم، وسليمان الفرزلي، وعلاء بشير، وإحسان الشمري، وعبد الغني الراوي، ونزار الخزرجي، وصلاح عمر العلي، وحسن العلوي، وسيف الدين الدوري، ورعد الحمداني، وصالح دكله، وعزيز شريف، وفؤاد عارف، وعلي الشوك… وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم.

بعد إسقاط نظام الرئيس صدام حسين في العراق عام 2003، أجرت قناة «العربية» حوارًا مطولًا مع ابنته رغد، فتحدثت عن «عشيرتنا»، وهي ابنة الأمين العام لحزب «البعث» والمظنون أنها تلقت ثقافة قومية في نشأتها المنزلية والسياسية. وقبلها بأربعة عقود كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يصوب سهام الطعن الطائفي نحو البعثيين السوريين؛ ففي 22 تموز/يوليو 1963 ألقى عبد الناصر خطابًا قال فيه إن حزب «البعث» يعتمد في تسريحات الضباط من الجيش وفي وظائف الدولة على قواعد «التمييز العنصري والطائفية والأقليات».

العسكرة العشائرية في ليبيا
ما تقدّم من خلاصات يطال ليبيا وأسلوب الحكم فيها منذ عام 1969. وإذا كان يُحسب للنظام الملكي توحيده للأقاليم الليبية الثلاثة: برقة وطرابلس وفزّان، فإن مرحلة ما بعده أعادت إحياء الروح الإقليمية، وما يرافقها من ولاءات قبلية وعشائرية، مثل ورفلة والقذاذفة والزنتان والعبيدات والبراعصة والعواقير والمقارحة والفرجان والمسامير والزوية والتبو والأمازيغ والطوارق وسواها، وهي التي تتوزع مواقع السيطرة ومواضع النفوذ منذ عام 2011، وذلك بعد أكثر من أربعين سنة من سلطة قومية مفترضة انعقدت أدبياتها السياسية والفكرية على مهمة رسولية، مضمونها إنتاج شخصية ليبية وطنية عابرة للولاء الجهوي والعشائري، فإذا بالحال تخالف الآمال بعد إسقاط سلطة «الأمين» على القومية العربية، فانكشف الواقع على نمط من الحكم ما قبل تقليدي، وحتى ما قبل عشائري.

وفي الحالة الليبية، من واجب الواجبات التمعّن في قراءة ما يقوله رفاق وإخوان العقيد معمر القذافي عن طريقة إدارته للبلاد بعد «الثورة الخضراء»، ومن هؤلاء عبد السلام جلود، وعبد المنعم الهوني، وعبد الرحمن شلقم، وعلي عبد السلام التريكي، ونوري المسماري، ومحمود جبريل، ومصطفى عبد الجليل، ومجاهد البوسيفي، ومحمد يوسف المقريف، وكثيرون غيرهم ممن رافقوا القذافي ثم انقلب عليهم، ففرّوا إلى بلاد الله الواسعة.

سودان الويلات والابتلاءات

وأما السودان، فقد أضاعته أحزابه وانقلاباته وحروبه التي لم تتوقف بين الشمال والجنوب؛ إذ ارتأى العروبيون تعريب أهل الجنوب بالبطش، مثلما فعل الفريق إبراهيم عبود بعد استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري مشهود بين الأعوام 1958 و1964، فجاءتهم المساندة والمؤازرة من بلاد الإنكليز ومبيدي الهنود الحمر في الولايات المتحدة، وإسرائيل المتربصة لمد يد العون والنصرة. ولم يبخل العقيد معمر القذافي بالمدد المالي لحركات الجنوب المسلحة بقيادة جون قرنق. وما يجري في هذه الآونة في دارفور لا يخرج عن دائرة إنعاش القبلية والمناطقية التي خطّت نقاطها السلطة السودانية السابقة حين رعت حركة «الجنجويد» المتحولة إلى «الدعم السريع»، ناهيك عن القلاقل الكامنة والظاهرة لدى قبائل البجة في شرقي السودان، حيث أفضت نماذج السلطة في الخرطوم إلى تدعيم الروابط القبلية، فتوارث الأحفاد عن الأجداد أعراف القبيلة/الملجأ بدل الاعتقاد المأمول بالسودان/الوطن عقب استقلاله عام 1956.

إقرأ على موقع 180  الماضي.. والمقدس

لا يحتاج الدارس لأوضاع السودان إلى جهدٍ جهيد ليصل إلى قناعة مؤداها أن مسالك الحكم في السودان، على مدار سبعة عقود، لم يكن لها إلا أن تُنتج حالة التكسير والتحطيم الوطنية الحاصلة منذ سنوات بين أنحائه وجماعاته. وتحفل نصوص الزعماء والسياسيين السودانيين بأسباب الويلات والابتلاءات، كما في كتابات الصادق المهدي، ومنصور خالد، ورباح الصادق، وحسين الهندي، وبابكر عوض الله، وفتحي الضو محمد، وعبد الماجد أبو حسبو، ومحمد عبد الله عبد الخالق، وأحمد سليمان، ومحمد إبراهيم نقد. وتكاد لا تخلو سيرة ذاتية أو دراسة أكاديمية لسياسي سوداني أو باحث مرموق من إضاءات كاشفة للشائبات الفاحشات التي أسرفت السلطات السودانية المتعاقبة في اتخاذها سلوكًا حاكمًا، وهو ما يفسّر خلفيات السلسلة البغيضة من المحاولات الانقلابية التي تعدّت الثلاثين محاولة، تضافرت على تمزيق السودان وتقطيعه، بل وتجويعه، ابتداءً من الطور الانقلابي الذي افتتحه جعفر النميري عام 1969 واختتمه عام 1985.

من الصومال الكبير إلى الصومال المفتت

وعلى مقربة من السودان يقع الصومال، ومن مآسي الدهر أن يتسلط عليه محمد سياد بري بانقلاب عسكري في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1969، فسعى إلى إسقاط المفاهيم اليسارية على شعبه، فتحوّل مسار حكمه من مشروع العدالة الاجتماعية إلى مواجهة الدولة للمجتمع. ولتحقيق أغراضه الإخضاعية استعان بعشيرته المريحان المتفرعة من قبيلة الدارود، حيث راح شيوخها يتصلون بشيوخ القبائل الأخرى لاحتواء التمردات وحركات العصيان، مما أبقى الصوماليين على ملل قبائلهم ونحلهم. ولعل مراجعة سريعة لمؤلفات صومالية تعود إلى أحمد عبد الله ريراش، وعيدروس بن الشريف علي العيدروس، وآخرين، تُفضي إلى التسليم بأن سياسات سياد بري أودت بالصومال إلى مهاوي القارعات والغاشيات.

راقت لمحمد سياد بري فكرة «الصومال الكبير»، من جيبوتي إلى أوغادين في إثيوبيا وإلى كينيا، فأعلن الحرب على إثيوبيا عام 1977، معوّلًا على سند سوفياتي لم يأتِ إلى مقديشو، بل استدار نحو «الرفاق» في أديس أبابا. فانهزم الجيش الصومالي هزيمة نكراء جلبت معها تشققات وانشقاقات وحروبًا داخلية غطّت عقد الثمانينيات، إلى أن أُطيح سياد بري عن السلطة عام 1991، مخلفًا وراءه صومالًا مفككًا وخاشعًا للعشائرية السياسية. ولا يغفل هذا السرد الإخفاقات التي مُنيت بها التجارب الحزبية والسياسية التي سبقت استيلاء سياد بري على السلطة، إلا أن تلك الإخفاقات ظلّت في نطاق الانضباط الذي كان يمكن تطويره نحو هوية وطنية صومالية، دفعها سياد بري إلى القعر والحضيض. ولذلك، حين انهارت سلطته، اشرأبت أعناق قبائل الإسحق وحلفائها في الشمال، أي «صوماليلاند»، التي لم ترَ سبيلًا انفصاليًا إلا بالتعانق مع الاحتلال الإسرائيلي، فكان خيارها نفاقًا سافرًا.

اليمن بين الإمام والجنرال وماركس
طرح الانقلاب العسكري الذي قاده المشير عبد الله السلال على الحكم الإمامي في اليمن الشمالي في 26 أيلول/سبتمبر 1962 أدبيات تبريرية استلهمت نقائض «التخلّف والتقدم» و«الانعزال في الماضي والانفتاح على العصر»، فجلبت أهوالًا ماحقة على أهل الشمال، تمثّلت بحرب ضروس تواصلت لسنوات عدّة، انتعشت فيها أواصر الطائفية والقبلية واقتاتت من أعشابها الضارة. ولم يطل الأمر بالسلال حتى سقط ضحية «الحركة التصحيحية» في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، ليعقبها انقلاب قاده المقدم إبراهيم الحمدي عام 1974، حيث سقط قتيلًا بانقلاب نائبه أحمد الغشمي عام 1977، المقتول هو الآخر بانقلاب تزعمه صديقه علي عبد الله صالح عام 1978. وقد تعبقر الأخير في صياغة فنون الحكم على قياس قبلي بين «حاشد» و«بكيل» و«مذحج»، متكئًا على مفهوم «المؤاخاة» في توزيع مناصب ومفاصل السلطة، فاستقرت القبائل وفروعها العشائرية على تكوينها البنائي، كأنها خارجة للتو من بطون التاريخ.

لم يكن اليمن الجنوبي أفضل حالًا؛ فاتجاه قادته نحو العقيدة الماركسية لم يُلغِ عقائدهم القبلية. وإثر استقلال هذا الشطر عن بريطانيا عام 1967، سرعان ما دبّ التمذهب السياسي–القبلي بين أركانه، فكان الانقلاب الأول عام 1969 الذي أسقط قحطان الشعبي وفيصل عبد اللطيف، فقُتل الثاني وقضى الأول في سجنه المديد عام 1981. وما لبث الانقلابيون أن اختلفوا فقتلوا سالم ربيع علي عام 1978، ليخلفه عبد الفتاح إسماعيل، الذي أُزيح عن الحكم عام 1980 فغادر إلى موسكو تحت سياط التخويف والوعيد، لكنه عاد أدراجه إلى عدن عام 1985 ليُقتل بعد أشهر معدودة.

وحين تفرّق قياديو اليمن الجنوبي شيعًا ومذاهب عام 1986 وتطاحنوا بالدبابات والطائرات، قيل إن ما تشهده تلك «الجمهورية» هو حروبٌ بين «القبائل الماركسية». فالرئيس علي ناصر محمد استنصر بقبيلته الحسني في أبين، وعلي عنتر وزير الدفاع المقتول في تلك الحرب استنفر قبيلته الشاعري في الضالع. وهذا الاحتماء بالمكونات القبلية سلك طريقه أيضًا الرئيس علي سالم البيض و«المفكر» عبد الفتاح إسماعيل وغيرهما من رموز تلك المرحلة. والرجوع إلى ذاكرة الصحافة العربية والأجنبية في حرب كانون الثاني/يناير 1986 يُظهر بوضوح خرائط التحالفات والصراعات القبلية التي أودت بعشرة آلاف يمني جنوبي. ثم جاءت بعدها «حرب الوحدة» عام 1994، التي قيل فيها ما قيل عن هيمنة شمال اليمن على جنوبه، وهو لسان حال عقيدة «المظلومية» الجنوبية في هذه اللحظة اليمنية المضطربة والمتكسّرة.

لا بأس هنا من الوقوف عند مراجعات ومذكرات أهل الحكم في اليمن بشطريه؛ ففي بعضها لائمة للنفس الأمّارة بسوء التشقق والتسلط، وفي بعضها الآخر شروحات وافية لسياقات السياسة اليمنية المستبطنة «فزعة» القبائل ونزعتها، وبعضها الثالث يشيب منه شعر الغلمان والفتيان. ومما يمكن استحضاره كتابات أحمد محمد النعمان، ومحسن العيني، ومحمد العبادي، وجارالله عمر، وحسن مكي، وسنان أبو لحوم، وعلي ناصر محمد، وعبد الرحمن الأرياني، وحوارات عائدة لحيدر أبو بكر العطاس، وعبدالله الأصنج، وعلي عبدالله صالح، وأبو بكر القربي، ويحيى منصور أبو إصبع، وغيرهم ممن لا يُعدّون ولا يُحصَون.

لبنان.. المظلوم
من بين تجارب الحكم العربية، وعلى الأخص ما تقدّمت الإشارة إليه، يطلّ النظام السياسي اللبناني في فترة ما قبل حرب عام 1975 ليقدّم النموذج العربي الأكثر تسامحًا في إدارة الشؤون العامة. وإذا كانت العيوب التي رافقت مسيرته منذ الاستقلال لا يمكن إلا قدحها وذمّها والتشهير بها، فإن هذه التجربة ما كانت تستحق حربًا على الإطلاق افتعلها غلاة اليمين ومتطرفو اليسار، فأثخنوا الفكرة اللبنانية بالجراح؛ وهي الفكرة التي قامت في الأصل على إدخال الطوائف في مفهوم الوطن، فجاءت الحرب لتُخرج الطوائف من الوطن. وفي ظل احتدام الأزمات السياسية والاقتصادية في لبنان، تعلو بين آنٍ وحين مواقف تطالب بالفيدرالية مدخلًا لاجتراح الحلول للمصاعب والمشقّات اللبنانية.

من المناسب مقابلة الطرح الفيدرالي في لبنان بما يقوله أحد العقول السياسية في حزب «الكتائب» اللبنانية، الراحل جوزيف أبو خليل. ففي «قصة الموارنة في الحرب»، يؤكد أن الطرح الفيدرالي الذي شاع بعد عام 1975 هو وليد الحرب وخطابها الحاد وعواملها النفسية والعسكرية الناتجة عن المخاوف الوجودية. وبرغم كونه صاغ المشروع الفيدرالي في «مؤتمر لوزان» للحوار الوطني اللبناني عام 1984، فإنه تراجع عنه فنقده ونقضه بقوله: «كيفما كان لبنان ونظامه وجغرافيته، سيكون دائمًا في صراع مع محيطه، وسيكون المسيحيون دائمًا أمام تحدي الكثرة الإسلامية. فلا إن كانوا في دولة منفصلة عن المسلمين، ولا إن كانوا في دولة مركّبة ومختلطة، سيُعفون من مشقة المواجهة. وليس صحيحًا أنه إذا انفصل المسيحيون عن هذا المحيط تقلّ المخاطر التي تهددهم، بل العكس هو الصحيح».

ماذا يُقال بعد؟ يُقال هذه الأبيات الشعرية:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا / وما لزمانِنا عيبٌ سوانا

ونهجو ذا الزمانَ بغيرِ ذنبٍ / ولو نطقَ الزمانُ لنا هجانا

وليس الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ / ويأكلُ بعضُنا بعضًا عيانًا.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  يادلين: وقف نار إسرائيلي من جانب واحد وإلا تكرار 2006