إلى دمشق التي لم أعد إليها بعد..

في الأماكن التي تتقاطع فيها الطرق أكثر مما تتقاطع الهويّات، لا تُفهم الجغرافيا بوصفها حدًّا نهائيًا، بل مسارًا مؤجَّل الاكتمال. هناك، في الأرياف اللبنانية الملاصقة للحدود السورية، تشكّلت حياة كاملة خارج سرديات العاصمة، وخارج فكرة الدولة المكتملة. لم تكن الحدود جدارًا، بل محطة مؤقتة في طريق أطول من الخرائط.

قبل قرنٍ من الزمن تقريبًا، ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، تحرّك رجال كُثُر داخل فضاء كان يتفكك ببطء. لم يحملوا معهم أوطانًا جاهزة، ولا تعريفات صلبة للهوية، بل مهنًا بسيطة، وعلاقات عيش، وفكرة غامضة عن الاستقرار. توقّف بعضهم حيث توقّفت بهم الجغرافيا الجديدة، لا لأنهم وصلوا إلى وجهتهم النهائية، بل لأن الطريق أُغلقت فجأة مع ولادة حدود سايكس بيكو.

هكذا نشأت جماعات واسعة في الأرياف اللبنانية بوصفها جماعات لم تكتمل رحلتها. لا من حيث الانتماء، ولا من حيث المدينة المرجعية. لم يكن سؤال الأصل أو الهوية مطروحًا بإلحاح، بقدر ما كانت الأرض مساحة عمل، والمدينة القريبة امتدادًا للحياة اليومية، لا رمزًا سياسيًا ولا عاصمة سيادية ثقيلة.

في هذا السياق، بقيت دمشق جزءًا من هذا الامتداد الطبيعي. لم تُفهم يومًا بوصفها مدينة “خارجية”، بل مدينةً مفتوحةً، تُزار بلا حسابات، وتُعاش بلا حاجة إلى تفسيرات. كانت أقرب من بيروت، لا بالمسافة فقط، بل بالمعنى: أقل ادّعاءً، وأكثر التصاقًا بالحاجة اليومية لأبناء الريف اللبناني، وخصوصًا أبناء البقاع.

قبل العام 2005، لم يكن الذهاب إلى دمشق فعلًا سياسيًا. كان طريقًا عاديًا: للعلاج، للدراسة، للتسوق، للترفيه، للتجارة، أو لمجرّد العبور داخل مجال اجتماعي واقتصادي واحد. لم نكن “نقصد” دمشق، بل نتحرّك ضمنها. لم تكن المدينة محمّلة بالرمز، ولا محاصَرة بالخطاب، ولا مطالَبة بأن تُعرّف عن نفسها.

ثم جاء اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير، فكان ذلك الحدث لحظة كسرٍ وانكسار عميقة، تجاوزت السياسة إلى الوعي. لم تُغلق الحدود فورًا، لكن شيئًا ما انكسر في العلاقة. تحوّلت الطريق إلى سؤال، والزيارة إلى موقف، والمدينة إلى معنى متنازَع عليه. منذ تلك اللحظة، بدأت دمشق تبتعد، لا جغرافيًا، بل نفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا.

استُكملت هذه القطيعة مع اندلاع الثورة السورية عام 2011. لم تعد دمشق مجرد مدينة يمكن الوصول إليها، بل صارت صورة محاصَرة بالدم. بالصمت. بالدموع. بالانقسام. ما جرى لدمشق ليس استثناءً. هو جزءٌ من مسار أوسع تعيشه المدن العربية، التي باتت، واحدةً تلو الأخرى، تبتعد عنّا، ليس لأنها تغيّرت عمرانيًا فقط، ولا لأنها دُمّرت جزئيًا، بل لأن السياسة نزعت عنها قدرتها على أن “تشبهنا” أو تعنينا. صارت العواصم تُحدَّد معالمها من خلال تموضعاتها وصارت المدن تُعرَّف من خلال ساحاتها وميادينها وعدد ضحاياها، لا من خلال علاقتها بسكّانها أو جوارها أو زائريها.

بغداد، صنعاء، طرابلس الليبية، الخرطوم، دمشق…

مدن نعرف أسماء أحيائها أكثر مما نعرف نبضها اليومي، نحفظ خرائطها لا لأننا سكنّاها، بل لأننا تابعنا حروبها، نستطيع تحديد مناطق النفوذ فيها، لكننا نعجز عن تخيّل الحياة الطبيعية داخلها.

في هذا السياق التاريخي، راحت تتشكّل ذاكرة جغرافية-عسكرية، وأصبحنا خبراء في المدن من باب القلق لا من باب الانتماء. نعرف الشوارع لأن القذائف سقطت فيها، ونعرف الأحياء لأن خطوط التماس ارتسمت فيها، وصرنا ندرك أن التنوع السكاني، طائفيًا ومذهبيًا، صار مدعاة موت ودمار ومجلبة للخطر بدل أن يكون ميزة تنوع ثقافي وسياسي وحضاري.

من العراق إلى سوريا، ومن اليمن إلى ليبيا، ومن السودان إلى الصومال، صارت المدن العربية تُختصر بسيناريوهات الحرب، لم تعد تُعرَف بجامعاتها، أو مسارحها، أو أسواقها، بل بميليشياتها، وانقساماتها، وصورها القادمة من نشرات الأخبار. تحوّلت من فضاءات حياة إلى خرائط قلق.

في هذا المعنى، فإن دمشق تمثّل نموذجًا مكثّفًا لهذا التحوّل؛ مدينة نعرفها جيدًا، لكننا لم نعد قادرين على الوصول إليها كما كانت، قريبة على الخريطة، بعيدة في المعنى، مدينة لم نفقد علاقتنا بها بالكامل، لكننا فقدنا بساطتها.

أما التفكير بالعودة إلى دمشق اليوم، فليس قرارًا فرديًا ولا حنينًا رومانسيًا. هو سؤال عن إمكانية استعادة المدن من السياسة، والذاكرة من العنف، والحياة من الخرائط العسكرية. سؤالٌ عن حقّنا في أن نعرف المدن العربية بوصفها مدنًا وحيوات، لا ساحات اختبار للولاءات.

إلى دمشق التي لم أعد إليها بعد..

ليس عنوانًا عن الغياب، بل عن التأجيل، عن مدينة لم يُسمح للعلاقة معها أن تكتمل، عن مسار انقطع، كما انقطعت مسارات كثيرة في هذا المشرق مع سقوط الإمبراطوريات، وتصلّب الحدود، وتحوّل المدن إلى رموز أثقل من ساكنيها.

دمشق التي لم أعد إليها بعد ليست مدينة أرفضها، بل مدينة لم تعد تسمح بأن تُعاش كما كانت: مدينة بلا خوف، بلا سؤال، وبلا حاجة إلى تبرير العبور.

وبين دمشق التي عرفناها قديمًا ودمشق التي نراها اليوم، ثمة مسافة لم يعد ممكنًا القفز فوقها. لم يعد السؤال: متى نعود؟ بل: هل العودة ممكنة أصلًا، وبأي معنى؟

إقرأ على موقع 180  ربيع تونس العاشر: عن حاكمٍ كره الغرب سقوطه

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الكاظمي في واشنطن: الإنسحاب الأميركي مقابل أية إغراءات؟