الأزمة السورية Archives - 180Post

GettyImages-2188791915.jpg

في الأماكن التي تتقاطع فيها الطرق أكثر مما تتقاطع الهويّات، لا تُفهم الجغرافيا بوصفها حدًّا نهائيًا، بل مسارًا مؤجَّل الاكتمال. هناك، في الأرياف اللبنانية الملاصقة للحدود السورية، تشكّلت حياة كاملة خارج سرديات العاصمة، وخارج فكرة الدولة المكتملة. لم تكن الحدود جدارًا، بل محطة مؤقتة في طريق أطول من الخرائط.

G1iuAAEXIAArdcA.jpg

لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟

800-1.jpg

عام 2025 كانت علامته الفارقة دخول سوريا في مرحلةٍ جديدة للمرة الأولى منذ تشكلها كدولة على أثر اتفاقية سايكس – بيكو والإحتلال الفرنسي بعد إسقاط الحكم الفيصَلي الوليد. وكمجرياتِ فيلمٍ سينمائي، كنا كلبنانيين، نشهدُ سوريا مختلفة، لا عن تلك التي رأيناها عبر جيشها ومخابراتها في لبنان فحسب، بل عن أي سوريا أخرى في التاريخ الحديث.

750-17.jpg

"القرون الوسطى" هو بالطّبع مفهوم أوروبيّ- وغربيّ- المنشأ والسّياق بشكل أساسيّ، ويُستخدم عادةً وعموماً للدّلالة على مرحلةِ ما بعد سقوط الامبراطوريّة الرّومانيّة العُظمى، وصولاً إلى ما يُسمّيه أبرز مؤرّخيهم ببداية عصر النّهضة أو بداية عصر "البعث" (Renaissance) أو ما إلى ذلك. ولكنّ لهذا المفهوم، ببنائه الغالب عندهم وبصورته المهيمنة، دلالات أعمق من ذلك طبعاً: فمن مقاصده لديهم أن يدلّ على ظواهر متعدّدة ومتنوّعة في هذا الاطار، أغلبها "سلبيٌّ" في نظرهم، وعلى رأسها ما يُسمّونه عادةً "بالظّلاميّة" (وضمنيّاً ربّما "بالتّخلّف").. وصولاً إلى تجلّيات متعدّدة.

800-18.jpg

يُمثّل الشّمال الغربيّ السّوري، ولا سيما محافظتي اللّاذقيّة وطرطوس وأجزاء من ريفَيْ حمص وحماه، حالةً خاصةً في المشهد السّوري الجديد. هذه المنطقة التي تشكّل الكتلة السّكانيّة الأكبر للطّائفة العلويّة كانت تاريخيّاً قاعدةً أساسيّةً للنّظام السّابق، ودفعت كلفةً بشريّةً واجتماعية كبيرةً خلال الحرب السورية (2011-2024). ومع سقوط نظام بشّار الأسد وبروز حكومةٍ انتقاليّةٍ جديدةٍ في دمشق، تبلورت إشكاليّةٌ مركّبةٌ في علاقة الجماعات العلويّة بالدّولة السّورية الجديدة.

801.jpg

شكّل مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" منذ بدايات ظهوره في أوائل تسعينيات القرن الماضي إطارًا تصوّريًا لإعادة بناء الهيكل السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة، من خلال مقاربات تنطلق من دمج الكيان المؤقّت في محيطه وإعادة تشكيل التحالفات وصياغة نظام إقليمي جديد تتحوّل فيه أدوار القوى المحلية والإقليمية والدولية.

800-42.jpg

ستحلّ، بعد نحو أسبوعين، الذكرى الأولى لسقوط سلطة بشار الأسد في سوريا وتولّي سلطة جديدة مصير البلاد. وبالطبع ستشكّل هذه المناسبة فرصةً لمراجعة حصيلة الإنجازات التي تمّت، كما النواقص والإخفاقات، من قبل السوريين أنفسهم قبل كلّ شيء، مواطنين وسلطة، ومن قبل الخارج.

800-39.jpg

في العام 2011، دخلت سوريا مرحلة تاريخية غيّرت وجهها بالكامل. بدايةً من الثورة التي انطلقت في آذار/مارس من ذلك العام، وما تبعها من نزاع دموي دفع البلاد نحو مصير لا يمكن التنبؤ به. لكن، وعلى الرغم من أن التحولات السياسية كانت بمثابة الشرارة الأولى للأزمة، إلا أن التغيير الديموغرافي كان قد بدأ بالتسلل إلى المدن السورية قبل ذلك بأعوام كثيرة، ليصبح أحد أبرز وجوه الأزمة في الوقت الحالي.

799.jpg

الأزمة السورية لم تكن مجرد عبء على سوق العمل اللبناني بل وفّرت في مراحلها الأولى دفعة توظيفية عبر القنوات الدولية والمحلية غير أن هذا الأثر كان مرحليًا ولم يتحوّل إلى فرص عمل مستدامة تندمج في الاقتصاد المنتج.. ومع تقلص التمويل برزت هشاشة هذه الوظائف وانكشاف آلاف العاملين على مخاطر البطالة ما يستدعي استراتيجيات لربط هذه الخبرات المكتسبة بقطاعات إنتاجية قادرة على الصمود

4DF5A339-674F-46D1-9F70-EB4BF9E9D2FC.jpeg

"لم تعُد السياسة اليوم مجرّد مسألة أفكار، بل أصبحت حرباً عاطفيّة مشفّرة بلغة الخوارزميّات". هكذا عبّر الكاتب جيوليانو دا إمبولي عن تلاعب "مهندسو الفوضى" (عنوان كتابه) بوسائل التواصل الاجتماعي الرقميّة وبالمعطيات الشخصيّة لتغيير معنى السياسة سعياً إلى دفع الشعبويّة إلى الصدارة وإثارة المشاعر حول العالم.