أنا المريضُ المُعلّق بين الألم والرعب.. والوهم!

تباطأ خلال شهر أو أكثر نشاطي في القراءة وهدأت حركة الخروج والاختلاط وتراجعت معدلات الكتابة المنتظمة وانخفض منسوب الاستيعاب في أعقاب موجات تشتت في التفكير وصعوبات في التركيز، وتسربت إلى داخل أوعية التدبير والتحليل عقبات من صنع عناصر وكيانات مجهولة.

كانت آلام المعدة ومظاهر التقاعس وتراخي الساقين نماذج لتلك العقبات، وهذه بدورها انتقل شأنها إلى طبيب عام أوصانا بطبيب خاص أمر بفحوص قادته، ونحن معه، إلى نتائج ترتبت عليها قرارات وتحركات حاسمة.

في ظهر اليوم التالي، كنت أرقد على فراش من أحدث طراز معقد التركيب والتوظيف. تفننت التكنولوجيا الحديثة في صنعه ورفع مستوى أدائه، ولكنها لم تفلح في إرضائي وتشجيعي كمستخدم لها ومستفيد منها شأنها شأن علاقاتي المتعددة مع تكنولوجيات أخرى تكالبت على محاولة كسب ودي ولم يفلح منها إلا القليل. أذكر عن إقامتي في هذه الغرفة التي خُصّصت لي في المشفى أنها اتسعت لهذا الفراش الغريب وقطعة أثاث أشبه ما تكون بفراش آخر لا يقل غرابة، فهمت أن إحدى الابنتين استخدمته أول ليلة دون علمي.

ويبدو مما سمعت لاحقاً أنني قضيت ليلتين في هذه الغرفة خضعت خلالهما لفحوصات مكثفة، وفي الليلة الثالثة أو الرابعة نقلت إلى غرفة أخرى حيث استخدم الطبيب المتخصص منظاراً طبياً أرسله في جوفي في مهمة استطلاعية وللتعرف بالدقة الممكنة على موقع الخلل في المعدة وما جاورها أو انبثق عنها من أمعاء دقيقة.

***

سمعت من الابنتين اللتين تناوبتا مرافقتي على طول هذه الرحلة أنني قضيت المدة بأكملها مستغرقاً في نوم عميق؛ نومٌ طبيعيٌ وليس بمخدر أو ما شابه. سألتا من باب انشغال البال والقلق فتلقيا إجابة صريحة بأن أغلب مستخدمي هذا النوع من العلاج يقضون معظم الوقت في نوم عميق. لم أقتنع بصحة هذه الإجابة وما زلت غير مقتنع. حججي في الشك كثيرة. إحداها أنني سبق أن أقدمت أكثر من مرة على امتداد حياتي على إجراء عمليات جراحية، بعضها جد خطير، مثل العملية التي أجريت لي في مشفى ملحق بدير للراهبات في إحدى ضواحي مدينة روما. وقتها، تلقيت بالرضا والشجاعة تشخيص طبيبين من أشهر أطباء أوروبا، وفي الحالتين أوصى الطبيبان بضرورة إجراء عملية جراحية لإزالة الثلث المريض من المعدة. لحسن الحظ اكتشف الجرّاح سلامة المعدة خلال ملامسته لها فقرّر عدم الاستمرار في إجراء العملية.

مرة أخرى وبعد مرور ما يقرب من ثلاثين عامًا، تقبلت بالرضا نفسه تشخيص طبيب شاب لانزلاق غضروف في السلسلة الفقرية، وبالفعل أجريت العملية في غرفة غير كاملة التجهيز وغير ملحقة بمستشفى كبير واستمرت الآلام بعدها لعشرين سنة أخرى حتى أوصى طبيب مكسيكي في مستشفى أميركي بأن أتناول طوال حياتي أقراصًا مهدئة لآلام الأعصاب المصابة، وبالفعل ما زلت أتناول هذا الدواء؛ قرصٌ في الصباح وقرصٌ قبل النوم.

أعود إلى سيرة الليالي التي قضيتها في المشفى القاهري استعداداً لعملية منظار يستطلع ويقرر ما في داخل المعدة وتوابعها. تؤكد الرفيقتان، كما ذكرت آنفا، أنني قضيت كل الأيام بلياليها أغط في نوم عميق. من ناحيتي، أعرف أن ليلة من الليالي قضيتها يقظاً، وإن مرتعباً، أو عشتها في كابوس مؤلم ومخيف هذا إن صحّ أنني بالفعل كنت نائماً. رأيت في نومي أو في يقظتي إن كنت بالفعل مستيقظاً وفي كامل الوعي، رأيت شبانًا، رجالاً ونساءً، يرتدون زي التمريض. يأتي الواحد منهم أو منهن، ويوقظني ليسألني عن خبرتي مع سكان عالم الجن وخبرتي مع أعضاء جمعيات وجماعات تنشر مبادئ عقيدة “للهالكين” حتماً والضائعين في الحياة والمستسلمين للقدر. يطلبون مني التدخل عند أهل الشر والجن دفاعاً عنهم أو عنهن. سمعتُ في نومي من يُهدّدني بشر وخيم في حال تجاهلت وجهة نظره ورأيت من يعود في نهاية الليل ليُكرّر دعوته للسير في طريقه وليس في طريق الآخرين.

تقسم ابنتي أنها لم تغب عن الغرفة لحظة واحدة خلال الليل وأنها لم تلاحظ أنني أنام نوماً قلقاً أو أنني أعيش في حلمي كابوساً كما شرحتُ. لم أقتنع، فما وقع معي بالليل لا بد أنه حقيقي وأنني لم أكن غائباً في النوم أو في القلق، أو أنني كنت أعيش كابوساً محكم التفاصيل ويعكس حالة عصبية ناتجة عن نقص شديد في الحديد والمناعة كما كشف التحليل الذي أجري صباح ذلك اليوم. المثير أو الغريب في الأمر هو أنني، وبعد مرور أكثر من عشرين يومًا على وقوعه، يظل الحلم بكل دقائقه وتفاصيله يعيد نفسه كروايات الرعب التي قرأناها ونحن صغار.

***

اتصل بي قبل يومين صديق عمل طويلاً في قطاع الطب وما زال يحتفظ بعلاقات قوية مع كثيرين من العاملين في هذا القطاع في المشفى الذي عولجت فيه سواء بين كبار الأطباء أو المتدربين. هنّأني بنجاح عملية منظار المعدة وامتدح طويلاً الطاقم الذي باشرها من البداية وحتى النهاية. وفي نهاية المكالمة عبّر عن سعادته بما ذكره بعض تلاميذه الذين تصادف وكانوا ضمن الأطباء المكلفين بالسهر تلك الليلة في هذا الجناح من المستشفى في الليلة التي قضيتها إما تحت كابوس رهيب أو يقظاً مستمتعاً بسهرة سمر، ذكروا أنهم قضوا ليلة ممتعة في نقاشات جرت طول الليل بينهم وبين مريض “على درجة عالية من الثقافة والعلم”. وبالسؤال عرف أنني كنت هذا المريض المكلفين برعايته في تلك الليلة، ليلة الكابوس اللعين أو ليلة السمر الممتع.

إقرأ على موقع 180  رجلٌ مسنٌ "يقرأ فنجان" حاضره ومستقبله.. بعيون أحفاده

***

لم أصرّح لأحد، باستثناء قراء هذه السطور، أنني ما زلت واثقاً من أنها كانت ليلة تخويف وإرهاب وأنني لا أذكر بالمرة أنني قضيتها أناقش أموراً في السياسة أو الثقافة.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  بن مناحيم: "ضوء أخضر" روسي للتصعيد الإسرائيلي سورياً!