جميل مطر Archives - 180Post

800-3.png

من مزايا التعود على استحضار الذاكرة القوية، ولو متقطعة أو متباعدة في الزمن، أنه الأقدر على إطفاء بعض النار المشتعلة بفعل حنين مفاجئ أو مضاعف، أو بسبب دفقة من دفقات ظمأ حسي، أو تفاعلاً مع لسعة شوق مباغتة، أو تمرداً على إيقاع ملل مستبد نخاله، لقسوته، مزمناً. وهو، أقصد هذا التعود، ربما يكون الأقدر كذلك على حشد قدرات أخرى فشلت منفردة ومجتمعة في التصدي لصعوبات عسيرة واجهتنا أو تواجهنا، فهو العضد والسند في الأزمات وعند غياب الخيارات والبدائل. كل هذا وأكثر منه مرّ بي وسوف أمرّ ببعضه فيما تبقى لي من زمن.

750-5.jpg

انتظم في القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا. قيل لي إنه كان فاتراً مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحداً من "الشكّائين" أو "البكّائين" على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف بأنني حزنت نوعاً ما لأننا لم ننظم احتفالاً يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية؛ احتفالٌ ينسجم مع قادم الأيام... والأحلام. أتمنى، على كل حال، ألا يتمدد سبب حزني أو يطول.

800-4.jpg

أذكرني في مثل هذه الأيام قبل أكثر من سبعين سنة أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأميركية بحي جاردن سيتي في القاهرة وأمامي كتبي وكراساتي اذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي.

800-8.jpg

مثل كثيرين غيري من أقران مرحلة المراهقة، عشت خلالها أمارس أحلام اليقظة، مارستها إلى حد الإدمان، لأمتنع عنها في مرحلة الدراسة الجامعية. دارت معظم أحلام تلك المرحلة حول السفر في رحلات بعيدة، وبخاصة إلى أوروبا وآسيا، بعد أن كنت قد استهلكت فرص السفر في رحلات داخل مصر، ورحلات خارجية اقتصرت على ثلاث دول مجاورة، أولها فلسطين. وجدير بالإضافة هنا أننا، كمجموعة في فريق للجوالة في غزة، حاولنا التلصص على سكان إحدى المستوطنات، فوقعنا في الأسر الإسرائيلي في سجون فلسطين المحتلة. أما ثاني الدول التي زرتها في هذه المرحلة فهي السودان، وثالثها المملكة الليبية.

737.jpg

أما وقد بلغتُ أعلى مراتب العمر وأروعها، أظن أنني صرت أقدر، من أي وقت مضى، على أن أُصدر أحكامًا لا غبار عليها، ولا ممالأة فيها، ولا خوف منها. أعني الأحكام التي تخص أي شيء باستثناء السياسة؛ ففي السياسة انحياز لا مفرّ منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها، فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلتُ إليها، أو توصلت لي، بعد عقود شهدت معي مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معًا حروبًا وسلامًا، برودة ودفئًا، صداقات وعداوات. عشنا معًا نمارس، أو يُمارس ضدنا، الصدق حينًا والكذب حينًا آخر، ذقنا معًا حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا في عمل الخير وقصّرنا في محاربة الشر، حتى وصلنا أخيرًا إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.

800-5-rotated.jpg

اختلطت في الذاكرة تفاصيل تجربتي في الدبلوماسية مع تجربتي في الصحافة، ومع ما بينهما من تجربة العودة إلى قاعات الأكاديميا، وهي المرحلة التي، على قِصرها، أضافت الكثير، أو بمعنى أدق، عملت على تعميق بعض ما كان تعاملي معه في التجربتين سطحيًا، أو كان صعبًا ومعقّدًا على فهم شاب في أوائل العشرينيات من العمر، شاب قليل الخبرة. بعض تفاصيل هذه التجربة أو تلك أو الثالثة تسرب بقلمي خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن بقيت تفاصيل لم تحصل على حقها من النشر واطلاع قرّاء كلهم أعزاء.

750-6.jpg

تباطأ خلال شهر أو أكثر نشاطي في القراءة وهدأت حركة الخروج والاختلاط وتراجعت معدلات الكتابة المنتظمة وانخفض منسوب الاستيعاب في أعقاب موجات تشتت في التفكير وصعوبات في التركيز، وتسربت إلى داخل أوعية التدبير والتحليل عقبات من صنع عناصر وكيانات مجهولة.

800-52.jpg

خرجت لأتمشى في حديقة ألفت مساراتها والتواءاتها. رحلة المشي لا تتجاوز الدقائق العشر من كل يوم مشمس، أي من كل يوم تقريبًا. لم أشك يومًا في خطأ في إدارة الحديقة وإن لم يتوقف شكي في تراجع صلابة كاحلي الأيسر. المنظر الخارجي للكاحل لا غبار عليه ولكن الثقة المتبادلة بيننا صارت مع الزمن أقل وفاءً وعافية. أمشي كالعادة في طرق مستقيمة، وما أن أصل إلى نهايتها حتى أتوقف لثوانٍ أستعين فيها بالأمل والنية الطيبة على دعم قدرة كاحلي الأيسر على الاستدارة 180 درجة لنخطو معًا أول خطوة في امتداد آخر للطريق الممهد لمشينا. خطوناها يوميًا بسلام لسنوات صعب أن أحصي عددها.