رحيل ليلى شهيد.. أيقونة القدس وحارسة الذاكرة الفلسطينية

في الساعات الأخيرة كنا على موعد مع رحيل مفجع للدبلوماسية الفلسطينية البارزة ليلى شهيد (1949–2026). وبينما نعت الصحافة الفرنسية، وفي مقدمتها «لوموند» و«ليبراسيون»، الراحلة، مشيرةً إلى فرضية انتحارها في منزلها بجنوب فرنسا، يستحضر رفاق مسيرتها سيرة امرأة لم تكن مجرد سفيرة، بل كانت حارسةً للذاكرة الفلسطينية وجسرًا بين كبار مثقفي العالم.

لم تكن علاقة ليلى شهيد بالثقافة الفرنسية سياسية فحسب، بل كانت إنسانية ضاربة في العمق. فقد جمعتها صداقة وطيدة بالكاتب الفرنسي المتمرد جان جينيه، وحين توفي جينيه وأوصى بدفن جثمانه في المغرب، بالمقبرة المسيحية في مدينة العرائش، كانت ليلى شهيد هي التي حملت نعشه على كتفها، في مشهد تاريخي مهيب رفقة صديقه محمد القنطاري والرسام التشيلي «جاكي»، لتؤكد وفاءها للمثقفين الذين انتصروا للقضية الفلسطينية في أحلك الظروف.

ليلى شهيد وزوجها محمد برادة

يرتبط اسم ليلى شهيد بذاكرة القدس، ليس فقط من خلال نضالها، بل عبر إرث والدها الدكتور منيب شهيد أُستاذ الطب في الجامعة الأميركية في بيروت ووالدتها المناضلة سيرين الحسيني شهيد (1920–2008). وقد صدرت في المغرب سنة 2024، عن دار «نشر الفنك» بالدار البيضاء، وبترجمة لزوجها الناقد محمد برادة، مذكرات والدتها بعنوان «ذكريات من القدس».

هذا الكتاب، الذي قدّم له الأكاديمي الفلسطيني العالمي الراحل إدوارد سعيد، واصفًا إياه بـ«الذخيرة التاريخية والبشرية» و«المادة الخام التي سيُشاد عليها مستقبل فلسطين»، كان بمثابة الوصية التي حملتها ليلى. وكما كتبت الأم سيرين: «الحفاظ على ذاكرة تلك الأيام المندثرة ضروري، لأن الأمل في مستقبل أفضل لا يتغذى إلا بمعرفة حقيقية للماضي».

لقد عاشت ليلى مخلصة لهذا المبدأ، محوِّلةً شذرات تلك الذاكرة إلى خطاب دبلوماسي أقنع العالم بعدالة قضيتها.

في نهاية السبعينيات، بدأت علاقة ليلى بالمغرب تأخذ طابعًا مؤسسيًا وإنسانيًا، حيث اقترنت بالكاتب محمد برادة، أحد أعمدة النقد الحديث في العالم العربي ورئيس اتحاد كتاب المغرب آنذاك.

في الرباط، لم تكن ليلى «زوجة سفير»، بل كانت فاعلة ثقافية بامتياز. أدارت باقتدار مكتبة «المؤسسة المغربية للناشرين المتحدين»، وساهمت في دعم الفن التشكيلي، ولعبت دورًا خفيًا في إقناع الطاهر بن جلون بترجمة «الخبز الحافي» لمحمد شكري، فاتحةً الطريق للعالمية أمام الأدب المغربي.

خلال عملها سفيرة في إيرلندا وباريس، ثم بروكسيل وهولندا والدنمارك، تميزت ليلى شهيد بـ«المجادلة من داخل المنطق الغربي». وكما أشار السياسي الدكتور مصطفى البرغوثي عبر «فرانس 24»، فقد كانت ليلى «مقاتلة بالكلمة»، نجحت في اختراق الوعي الأوروبي وتفكيك السردية الصهيونية عبر مؤلفات مهمة مثل «فلسطين: الخانة المفقودة»، و«يوميات غزة»، ودراساتها حول انحياز الإعلام الفرنسي.

يأتي رحيل ليلى شهيد فيي منزلها في لا ليك في منطقة لوسان (غار) في الجنوب الفرنسي، بعيدًا عن صخب المكاتب والأروقة، ليترك تساؤلات حزينة حول مصير المناضلين الذين يحملون أثقال الذاكرة والشتات.

غابت ليلى، التي كان آخر لقاء لي بها في معرض بيروت الدولي للكتاب (2018)، أمام مدخل قاعة «البيال» الخاصة بتنظيم المعارض والمؤتمرات. كانت برفقة زوجها محمد برادة وصديقنا الكاتب عبد القادر الشاوي، لكنها تركت خلفها «فسيفساء» من المواقف التي لا تُنسى، من حمل نعش جينيه إلى الدفاع عن أزقة القدس التي وُلدت فيها والدتها.

رحم الله ليلى شهيد، التي رحلت في صمت مأساوي، تاركةً للتاريخ شهادةً أن «التقدم التاريخي المزعوم» لا يمكنه طمس ذاكرة الشرفاء.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  مونديال قطر.. ملعب بقضايا وإلتباسات عديدة
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "مجموعة الأزمات": العراق ولبنان في مرمى النار إذا إنهارت محادثات فيينا (2)