محمد الرميحي و”العقل اليساري”: هل الأزمة في الذهن أم في التاريخ؟

في مقالته المنشورة في جريدة "النهار" بتاريخ العاشر من شباط/فبراير، ينطلق الكاتب الكويتي محمد الرميحي من تشخيص مفاده أن انهيار الاتحاد السوفياتي أسقط “السرديات الكبرى” ونماذج الخلاص الشامل، وأن بعض التيارات اليسارية - ولافتقارها إلى أدوات المراجعة - انتقلت من يقين أيديولوجي إلى يقين مضاد، ديني أو طائفي، بعنف لا يختلف في بنيته عن يقينها السابق.

لا يتحدث محمد الرميحي عن اليسار بوصفه تيارات وتجارب متعددة، بل عما يسميه ضمناً “العقل اليساري” كبنية ذهنية تميل إلى المطلق وتتعامل مع السياسة كحقل صراع بين حق مطلق وباطل مطلق. ومن هذا المنطلق، يرى أن المشكلة ليست في تعقيد الحلول السياسية أو الاقتصادية، بل في طبيعة هذا العقل الذي لم يتعلم نسبية الحقيقة، ولم يدرك أن السياسة مجال إدارة لا مجال خلاص. هكذا يصبح التحول من يسار راديكالي إلى تدين متشدد أو طائفية حادة نتيجة طبيعية لبنية فكرية مغلقة.

غير أن هذا التشخيص، على ما فيه من جاذبية تفسيرية، ينقل التركيز من التاريخ إلى الذهن، ومن البنية إلى الوعي، ومن التحولات المادية العميقة إلى سيكولوجيا الأفكار.

إن انهيار المعسكر الاشتراكي لم يكن مجرد سقوط سردية، بل إعادة هيكلة شاملة للنظام العالمي. تفككت كتلة سياسية–اقتصادية كاملة، وتقدّم نمط اقتصادي واحد ليطرح نفسه بوصفه نهاية التاريخ وفق فوكوياما. جرى تعميم سياسات تحرير الأسواق، تقليص الدولة الاجتماعية، خصخصة القطاعات العامة، وإعادة تعريف دور الدولة من فاعل تنموي إلى جهاز تنظيمي–أمني يضمن شروط التراكم. في أطراف النظام العالمي، حيث البنى الإنتاجية هشّة والاقتصادات تابعة، أدّى ذلك إلى انكشاف اقتصادي وتفكك اجتماعي وتراجع الدولة كضابط للصراع الطبقي.

بذلك، أعاد انهيار المعسكر الاشتراكي تشكيل النظام العالمي: صعود النيوليبرالية كأفق كوني، تفكك الأحزاب والتنظيمات، تراجع الدولة الوطنية في الأطراف، وانتقال مركز الصراع من الاجتماعي–الطبقي إلى الهوياتي–الطائفي. هذه تحولات مادية عميقة مسّت البنية الاقتصادية والسياسية معاً. اختزالها في مسألة “عقل لم يتعلم نسبية الحقيقة” يُفرغها من سياقها التاريخي، ويحوّلها إلى درس أخلاقي في التواضع المعرفي.

في هذا السياق، ليست الأزمة أزمة “عقل لم يتعلم نسبية الحقيقة”، بل أزمة مواقع اجتماعية فقدت شروط وجودها. حين تتفكك الأطر التي تنظّم المصالح المادية – الأحزاب، النقابات، الحركات الاجتماعية – يتحول الصراع من مستوى المصالح القابلة للتنظيم إلى مستوى الهويات القابلة للاستثارة. الفراغ الذي يخلّفه تراجع السياسة الاجتماعية يملؤه أشكال انتماء توفر المعنى والحماية والاعتراف، ولو بصورة رمزية. لذلك، الانتقال من أفق تغييري شامل إلى يقين ديني أو طائفي ليس مفاجئاً: إنه انتقال من إطار تفسيري انهار إلى إطار جاهز داخل الحقل الثقافي القائم.

الشمولية ليست قدراً ملازماً لكل مشروع تغييري، كما أن البراغماتية الإدارية ليست ضمانة ضدها. ما يحمي أي فكر من التحجر هو وعيه بتاريخيته، وقدرته على النقد الذاتي، واستعداده الدائم لإعادة النظر في أدواته دون التخلي عن أفق العدالة الذي يمنحه معناه. وهكذا يصبح النقد أعمق من كونه درساً في التواضع المعرفي؛ إنه محاولة لفهم كيف يُصنع التاريخ، وكيف يُعاد إنتاج حدوده

اختزال هذه التحولات في “بنية ذهنية مغلقة” يطرح سؤالاً معكوساً: أليس في هذا الاختزال نفسه إزاحة للنقاش عن البنية الاقتصادية والاجتماعية التي أعادت إنتاج شروط الوعي؟ فالأفكار لا تتحرك في فراغ، ولا تتجمد من تلقاء نفسها. الجمود يظهر حين تنفصل المفاهيم عن شروط إنتاجها، فتتحول من أدوات تفسير للواقع وخطط ملموسة للفعل السياسي إلى مواقع تموضع رمزية ضمن صراع اجتماعي فقد أطره التنظيمية.

ثم إن الدعوة إلى “نسبية الحقيقة” تُطرح أحياناً بوصفها حقيقة معيارية نهائية. أما القول إن السياسة “مجال إدارة لا مجال خلاص” فليس وصفاً محايداً، بل موقف يرى أن وظيفة السياسة هي تنظيم التعايش داخل حدود النظام القائم، لا إعادة تأسيسه. هنا تُستبدل سردية كبرى بسردية أخرى: بدل خلاص ثوري، يُطرح قبول بالوضع القائم استناداً إلى رؤية براغماتية. وبذلك، تقتصر مهمة السياسة على تحسين شروط العيش ضمن إطار قائم، ويُحوّل الصراع من صراع على بنية النظام إلى صراع حول كفاءة تشغيله. لكن هذا الإطار نفسه ليس حقيقة مطلقة؛ بل نتاج لتوازنات القوى الاقتصادية والاجتماعية وموقعها في وسائل الإنتاج، وما يبدو استقراراً هو في الحقيقة تعبيرٌ عن اختلال ميزان القوى وليس نهاية الصراع.

القول إن المشكلة كامنة في “العقل اليساري” يفترض وجود بنية ذهنية متجانسة، بينما اليسار هو عبارة عن تيارات متعددة وتجارب متباينة. اليقين الشمولي لم يكن حكراً على اليسار؛ فقد حملت القوميات والليبراليات الكلاسيكية والإيديولوجيات الدينية سرديات خلاصية أيضاً. لذا، ربط الانتقال من يقين إلى يقين مضاد بطبيعة خاصة في “العقل اليساري” ينطوي على تعميم ثقافوي أكثر مما يستند إلى تحليل سوسيولوجي.

لكن الاعتراف بهذه الملاحظات لا يعني إنكار أن الفكر التغييري يمكن أن يسقط في الشمولية حين يتحول من منهج نقدي إلى عقيدة مكتملة. الخطر لا يكمن في الطموح إلى تغيير جذري، بل في ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية. والماركسية، في أصلها الجدلي، تفترض تاريخية المعرفة وتغير الواقع وتناقضه الداخلي؛ أي أن اللايقين جزء من المنهج. أي فكر، يسارياً كان أم غير ذلك، يصبح شمولياً حين يجمد مفاهيمه، ويفصلها عن سياقها، ويقفل أفق البحث.

إقرأ على موقع 180  باسيل وجعجع وفرنجية.. وبينهم نصرالله والحريري

تجنب الشمولية لا يعني التخلي عن الأفق التاريخي أو حصر السياسة في الإدارة، بل يقوم على أربعة شروط مترابطة: التمييز بين التحليل واليقين الأخلاقي، الاعتراف بتاريخية المفاهيم، إبقاء الأفق المعياري مفتوحاً، وقبول الجدل داخل المشروع نفسه. يمكن للفكر التغييري أن يكون جذرياً دون أن يتحول إلى يقين مغلق؛ فالجذرية تعني عمق التغيير، وليس ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. معالجة خطر الشمولية لا تكون بتجريد السياسة من وظيفتها؛ فحتى أكثر السياسات إدارية تنطوي على قرارات توزيع وانحيازات تحدد من يستفيد ومن يدفع الثمن.

أما انتقال بعض الأفراد من يقين أيديولوجي إلى يقين ديني أو طائفي، فهو ظاهرة يمكن فهمها في سياق فراغ سياسي واجتماعي، وهشاشة الدولة، وتبدل أنماط التعبئة. إنه انتقال داخل حقل ثقافي يوفر الدين إطاراً جاهزاً للهوية والمعنى. هذه الحركة لا تثبت عطباً خاصاً في “العقل اليساري”، بل تكشف آلية عامة: حين ينهار أفق تاريخي ولا تُبنى بدائل تنظيمية وفكرية مرنة، يبحث الأفراد عن يقين بديل.

في المحصلة، الشمولية ليست قدراً ملازماً لكل مشروع تغييري، كما أن البراغماتية الإدارية ليست ضمانة ضدها. ما يحمي أي فكر من التحجر هو وعيه بتاريخيته، وقدرته على النقد الذاتي، واستعداده الدائم لإعادة النظر في أدواته دون التخلي عن أفق العدالة الذي يمنحه معناه. وهكذا يصبح النقد أعمق من كونه درساً في التواضع المعرفي؛ إنه محاولة لفهم كيف يُصنع التاريخ، وكيف يُعاد إنتاج حدوده.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الأحزاب العربية بين الدولة.. والأمة