مونديال قطر.. ملعب بقضايا وإلتباسات عديدة

على أرض ملعب "البيت" في العاصمة القطرية تنطلق بعد ظهر اليوم (الأحد) بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 بمشاركة 32 منتخباً يتوزعون على ثماني مجموعات، على أن تكون مباراة قطر والإكوادور إشارة بداية المهرجان ومسك ختامه في 18 كانون الأول/ديسمبر مع الفريقين المتنافسين على المرتبة الأولى.
في الأسابيع الأخيرة، باتت مسابقة كأس العالم بكرة القدم في الإمارة الغنية محاصرة بسيل من الانتقادات الفرنسية. الخضر البيئيون يصفون ظروفها بأنها «غير بيئية» ولا تراعي المناخ وتستهلك كمًا من الطاقة وينتج عنا الكثير من ثاني أوكسيد الكربون. وتركز المنظمات غير الحكومية في إنتقاداتها على الجانب اللاإنساني لظروف عمل العمال منذ عام 2010 (خرجت بأرقام بالآلاف دون إمكان التحقق منها بشأن عدد الوفيات في صفوف الفرق العمالية الآسيوية والإفريقية). يضاف إلى ذلك الشق القضائي الذي يتمحور حول سؤال بسيط: ما إذا كانت قطر قد «رشت» مسؤولين أو استعملت علاقاتها مع فرنسا نيكولا ساركوزي للفوز بتنظيم المونديال؟
كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى وصول حامل اللقب المنتخب الفرنسي في يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر إلى الدوحة وسط انتقادات من معظم وسائل الإعلام الفرنسية، سواء لعدم احتجاج الفريق على كل ما يتعارض وحقوق الإنسان أو لعدم موافقة المنتخب على ارتداء شارة بألوان المثليين أو لعدم احتجاج اللاعبين على ظروف عمل العمال الذين قضوا إبان بناء الملاعب الخيالية، ولا ينفي ذلك وجود «شجعان» كتبوا شعارات على متن الطائرة قبل النزول.. مثلهم مثل العديد من الفرق الأوروبية.
وعندما سئل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن هذه الحملات، أعلن قبيل إنتهاء قمة بالي عن معارضته لمقاطعة كأس العالم ودعا إلى عدم «تسييس الرياضة». وهكذا وصل المنتخب الفرنسي إلى قطر محافظًا على موقفه المنخفض من قضايا حقوق الإنسان، لكنه قرر الإعراب عن دعمه في شكل تبرعات لمنظمات إنسانية غير حكومية.
لقد تضاعفت دعوات المقاطعة في معظم المدن الفرنسية بما في ذلك باريس وليون وليل ومرسيليا وتولوز وستراسبورغ إلخ.. وقررت كلها عدم بث المباريات علنًا على الشاشات العملاقة (برغم أن هذا يصيب أصحاب المداخيل المتواضعة الذين ليس عندهم اشتراكات في القنوات المدفوعة التي ستنقل المباريات!) ولكن أيضًا هكذا ستفعل بلدان ومدن في «العالم الغربي». وقد ازدهرت شعارات مثل «لا ينبغي أن يكون لنا هوايات مبنية على مصائب الآخرين».
إن هذه الانتقادات حاضرة بقوة في أوروبا وتستهدف الدولة المضيفة لكأس العالم، لكن ليس لها صدى في بقية العالم.
مع اقتراب بداية البطولة، فإن النشوة التي تسود كافة الدول خارج الإطار الغربي هي من الحجم بحيث يصعب، إن لم يكن من المستحيل، على أولئك الذين ينتقدون كأس العالم في قطر إسماع أصواتهم فيها.
هذا هو الحال في الأرجنتين على سبيل المثال، حيث تكررت الجملة التالية مرارًا وتكرارًا منذ أسابيع «مستحيل أن نتحدث بغير كأس العالم. هذا هو تكريم لآخر كأس يخوضها ليونيل ميسي البالغ من العمر 35 عامًا». أما في ما يتعلق بالدفاع عن حقوق المثليين والمتحولين جنيساً، والعقبات التي تحول دون دخول بعضهم أراضي الإمارة “فلا ينبغي أن يأتي شيء لتقليل الفرح المتوقع في الكأس”!.
الغانيون ينتظرون الكأس للانتقام من أوروغواي في 2 كانون الأول/ديسمبر، وفي الشارع النشوة منتشرة ولا مكان لمخاوف وهوس البلدان الشمالية.
السنغال تنعى غياب نجمها ساديو ماني المصاب مع ناديه بايرن ميونخ، والاهتمام منصب على سعر القمصان الرسمية لـ«أسود تيرانجا» (لقب فريقهم) فهو أكثر أهمية مما تهتم له «أوروبا الغنية».
في تونس، سيجتمع التونسيون حول الأجهزة لمتابعة “أسود قرطاجة» الفريق الوطني. وعلى الرغم من الانتقادات «الدولية الغربية» لظروف العمل في الإمارة، اختار العديد من التونسيين القدوم والعمل في قطر وفنادقها خلال المونديال!.
حتى بين الدول «المنحازة للغرب» مثل كوريا الجنوبية واليابان، تعتبر قضايا الضرر البيئي أو الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان مهمة، لكن مشاركة فرقهم الوطنية تبدو أكثر أهمية الآن. الانتقادات نادرة في الصحف اليابانية أو الكورية. وقد كتب صحفي ياباني أن مشجعي كرة القدم لا يشعرون بالقلق. ملاحظة مماثلة في كوريا الجنوبية الذين يتبعون بشراهة بطلهم القومي سون هيونغ مين.
انقسام العالم الذي يظهر اليوم في ظل حدثين يؤكدان هذا الانقسام بين الشمال والجنوب: الحرب في أوكرانيا وCOP27 في شرم الشيخ. فقد تقدم الاتحاد الأوكراني لكرة القدم بطلب إلى الفيفا يؤكد دعم طهران للحملة العسكرية الروسية على أراضيها (بالمُسيرات) ويطالب باستبعادها عن المسابقة، في حين طالبت دول مثل بريطانيا باستبعاد إيران لأسباب تتعلق بـ«ثورة النساء»!
في مصر وفي أجواء COP27 المتوترة ليس فقط بسبب المناخ ولكن انعكاسًا لأزمات متعددة (الطاقة والغذاء والديون)، فإن صورة القادة المشاركين في الدورة الـ27 للمؤتمر المناخي الدولي كانت مختلفة عما يجري في قاعات المؤتمر. لم تدم الوحدة أكثر من دقائق غب إلتقاط الصورة ولكن ثمة توترات أبرزها مطالبة دول الجنوب بالحصول على تعويضات من دول الشمال الغنية. ما يسمعه الصحفيون في أروقة شرم الشيخ «الدول الفقيرة لديها مطالب قوية من حيث التمويل، خاصة وأن الدول الغنية، حتى الآن، لا تفي بالتزاماتها». في الواقع، لم تدفع الدول الغنية كما وعدت 100 مليار دولار سنويًا لمساعدة بلدان الجنوب لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
كرة القدم هي سياسة من الطراز الأول على المستوى العالمي، وبالتالي لا يمكن فصل هذا عن ذاك وقد أبرزت استضافة قطر بكأس العالم هذا التفاوت السياسي في منظور الدول للقيم المختلفة بين الجنوب والشمال.
في هذا السياق من التوترات، أرسل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) خطابًا إلى اثنين وثلاثين منتخبًا يشاركون في المونديال، يدعوهم إلى “التركيز على كرة القدم”.
لم يكن أمام إنفانتينو رئيس الفيفا أي خيار سوى أن يقول في المؤتمر الصحفي الافتتاحي في ليلة الافتتاح، «اليوم أنا عربي، واليوم أنا إفريقي، واليوم أنا مثلي، واليوم أنا معاق، واليوم أنا عامل مهاجر»، وتابع “ينبغي لنا كأوروبيين أن نعتذر للشعوب عمّا قمنا به على مدار 3 آلاف سنة قبل إعطاء الدروس، العديد من المؤسسات الأوروبية تعمل في قطر وتجني أرباحاً مالية، الجميع موجود هنا في قطر من أجل إنجاح كأس العالم، ومتأكد أنها ستكون الأفضل”.
وقالت الهيئة الحاكمة لكأس العالم أيضا “نرحب بالجميع” ولن يتعرض أي شخص للتمييز.
كما أصدرت السفارة الفرنسية في قطر توجيهاً يُذكّر الفرنسيين بأنه بالإضافة إلى الكحول والمخدرات ومجلات البالغين – الأفلام المصورة – فإن مكونات لحم الخنزير يجب عدم إدخالها إلى البلاد. أما بالنسبة لهواة شرب البيرة أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم، “سواء استطعت شربها أم لا، فقد أصبح الأمر موضوعًا حساسًا للغاية”، ولكن بسبب الرعاية، لا يمكنك حظرها تمامًا.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "ثورة الدانتيل".. والإنتحار الجماعي!
بسّام خالد الطيّارة

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في فرنسا

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  عين فرنسية على مرفأ بيروت