قطر ترفع الكلفة.. متى يتحرّك لبنان دفاعاً عن مصالحه؟

في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، استهدفت إسرائيل مقرّ حركة حماس في الدوحة، مدّعيةً أنها لا تستهدف قطر بل قيادات الحركة. هذا السيناريو هو نفسه الذي تسوّقه دوليًا وإقليميًا في لبنان، لكن الفارق كان في إدارة الردّ. آنذاك، لم تكتفِ القيادة القطرية ببيانات الاستنكار والإدانة، بل عملت منذ اللحظة الأولى على تكثيف حملاتها عبر مسارات متعددة: سياسية، ودبلوماسية، وإعلامية.

على المستوى السياسي، اعتمدت الدوحة خطابًا واحدًا موحّدًا، فلم يعتبر أي مسؤول أن إسرائيل تستهدف حركة حماس فحسب، بل تعامل الخطاب الرسمي والإعلامي والسياسي القطري مع الاعتداء الإسرائيلي على أنه استهداف للدولة، وللشعب، ولسيادة أراضيها.

ومن الخطاب السياسي الموحّد، فعّلت القيادة القطرية نشاطها الدبلوماسي، فتقدّمت بشكاوى ضد إسرائيل في كل المحافل الدولية، وخاطبت بشكل مباشر العواصم المؤثّرة في القرار، لا سيّما الولايات المتحدة الأميركية، وعملت على استقطاب تضامن عربي وغربي واسع، حيث ربطت الاعتداء عليها بالشرعية الدولية. أما المحطة الأهم فكانت اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة لرفض العدوان والتحذير من المساس بأمن الخليج، حيث ربط القادة بين أمن قطر وأمن الدول الخليجية، في مشهد تضامن خليجي–عربي جسّد رسالة ردع سياسية استثنائية.

إعلاميًا، لم تقع الدوحة في فخّ الرواية الإسرائيلية، بل عمدت إلى دحضها عبر مخاطبة الرأي العام الدولي، مستفيدة من القدرات الإعلامية الكبيرة التي تملكها.

لماذا استحضار النموذج القطري في هذا الوقت بالذات؟

بالطبع، لا يمكن مقارنة لبنان بقطر من حيث الموقع والإمكانات والدور، لكن في الوقت نفسه تشكّل قطر نموذجًا لكيفية الإدارة الدبلوماسية للاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما يفتقده لبنان نسبيًا حتى هذه اللحظة.

ولعلّ أهم نقطة يجب الانطلاق منها في هذه المقاربة هي مسألة الخطاب الرسمي والإعلامي الموحّد، وهنا تحضر أهمية الدولة وحضورها وقدرتها على فرض روايتها. يعاني لبنان من انقسام سياسي حتى في قلب الحكم حول مسألة سلاح حزب الله وكيفية التعامل معه، برغم شبه الإجماع المعلن على ضرورة تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة. هذا الانقسام انعكس بشكل صارخ في التصريحات المتضاربة بين الوزراء والنواب حول مسؤولية استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، فتتحوّل مواقع الدولة إلى واجهة سياسية بدل أن تكون أداة لخطاب الحكومة وعملها. هذا الواقع يقودنا إلى إشكالية غياب الرواية الموحّدة للدولة اللبنانية، الأمر الذي يؤثّر على أداء السلطة السياسية بكل مؤسساتها، وتحديدًا الدبلوماسية اللبنانية في إدارة هذا الملف. فالدولة التي تختلف على توصيف العدوان لا تستطيع أن تربح معركة الرواية.

لبنان اليوم أمام استحقاق وجودي سيحدّد شكله وحدوده ودوره لعقود. هذا الاستحقاق يتمحور حول قدرة الدولة على المبادرة والتنفيذ، لا على الانتظار والضعف. ونحن في زمن لا مكان فيه للضعفاء. ولكي يتحقق ذلك، على لبنان العمل على مسارين بشكل متزامن: الأول؛ تطبيق الإصلاح وتفعيل خطة استكمال حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. الثاني؛ إعادة الهيبة الخارجية للدولة

يتصرّف لبنان الرسمي حتى الساعة كطرف يدير صراعًا بين فريقين، ويراهن، من موقع الضعيف، على عامل الوقت لحصول أي تبدّل خارجي يخفّف عنه الضغوط، برغم أنه للمرة الأولى في تاريخه تبدأ الدولة في فرض مسار فعلي وعملي لعملية حصر السلاح، وهو ما يُسجَّل لرئيس الحكومة نواف سلام؛ لكن هذا المسار المهم كمطلب لبناني، والإقرار بضرورة حصر السلاح، لا يعني إغفال واجبات الدولة في مواجهة إسرائيل إعلاميًا وسياسيًا ودبلوماسيًا، والعمل على رفع الكلفة أمام استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

تستغلّ إسرائيل هذا الضعف والانقسام في الرواية للتصويب على الدولة اللبنانية نفسها، بإظهارها عاجزة، أو بالحد الأدنى بطيئة في تطبيق تعهّداتها والتزاماتها. فهي، بالإضافة إلى ضغطها العسكري، تعمل على تسويق روايتها بأنها لا تستهدف الدولة اللبنانية ولا الشعب اللبناني، بل تستهدف حصرًا حزب الله الذي يشكّل تهديدًا مباشرًا لها، في ظل بطء الدولة اللبنانية في التعامل مع هذا الملف. وليس من الضروري التذكير بأن إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة للاعتداء على لبنان، لكن في الوقت نفسه لم تعد المعركة عسكرية فقط، بل هي صراع وجودي للبنان في لحظة إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، على فكرة الدولة نفسها، وعلى قدرتها على صياغة خطاب واحد وموحّد، وعلى قدرتها على استخدام كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية لإثبات الحضور والقدرة على التعامل مع التهديدات الخارجية، تمامًا كما قدرتها على فرض مسارها الداخلي.

من هنا، تبرز الحاجة إلى تفعيل كل الأوراق الممكنة لمواجهة ما تقوم به إسرائيل، وأولها توحيد الخطاب بأن ما يجري هو اعتداء على الأرض اللبنانية، وعلى الدولة اللبنانية، وعلى الشعب اللبناني، بدءًا من العمل المستمر على توسيع رقعة الاحتلال واستمرار الاغتيالات والإعتداءات اليومية، وصولًا إلى الإستهداف المتكرر للجيش اللبناني.

اعتاد لبنان منذ عقود انتظار المساعدات ودعم الدول لانتشاله من السقوط، سواء أكانت هذه المساعدات مالية أم سياسية أم عسكرية أم أمنية. واعتاد أهل الحكم في لبنان الاعتماد على “الآخرين” من دول وقوى للقيام بمهمّات الأمن و”ضبط” الانقسامات الداخلية الكثيرة وتنظيم العلاقة بين المجموعات المتناحرة.

لبنان اليوم أمام استحقاق وجودي سيحدّد شكله وحدوده ودوره لعقود. هذا الاستحقاق يتمحور حول قدرة الدولة على المبادرة والتنفيذ، لا على الانتظار والضعف. ونحن في زمن لا مكان فيه للضعفاء. ولكي يتحقق ذلك، على لبنان العمل على مسارين بشكل متزامن: الأول؛ تطبيق الإصلاح وتفعيل خطة استكمال حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. الثاني؛ إعادة الهيبة الخارجية للدولة عبر استغلال مسألة حصر السلاح كورقة تفاوض لتحسين الشروط بما يناسب مصلحة الدولة، وكورقة لفرض الرواية اللبنانية والحق اللبناني في المطالبة بانسحاب الاحتلال ووقف الاعتداءات.

إقرأ على موقع 180  فلسطين لم تعد.. حلماً وحسب

عرفت قطر كيف تستغلّ الاعتداء الإسرائيلي على أراضيها، وتوجّهت مباشرة إلى أصحاب القرار بخطاب واحد، وقرار واحد، وسلطة واحدة. نجحت قطر في مخاطبة الأميركي، وفي رفع الكلفة على الإسرائيلي، وفي ترويج روايتها. التجربة ليست في الإمكانات، بل في القرار السياسي، وإدارة الأدوات، واستغلال التوقيت. وفي منطقة تعيش تحوّلات كبرى، يصبح التشبيك بين الدول العربية الفاعلة خيارًا سياديًا يعزّز القرار الوطني ويخدم الاستقرار. فهل يستفيد لبنان من تجربة قطر؟

Print Friendly, PDF & Email
حياة الحريري

أكاديمية وباحثة سياسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "محور الشر التكنولوجي".. شريك إسرائيل في مذبحة غزة