حينَ يُغتالُ المُمكن أو.. عقلُ علي لاريجاني

ليست رصاصة طائشة ولا صاروخاً أخطأ هدفه. مقتلة علي لاريجاني هي "هندسة" دقيقة لاغتيال المُمكن الإيراني.

في ليلة “الثلاثاء الأخير” من العام، حيث تشتعل نيران (النوروز) في أزقة طهران لتقفز فوقها الأرواح طلباً للتجدّد، استشهد علي لاريجاني. لم يسقط جسد رجل دولة فحسب، بل سقطت معه تلك المساحة الرمادية التي حاول تحصينها لسنوات، حيث يلتقي منطق الدولة بضرورات الواقع.

عاش علي لاريجاني في برزخ من القلق بين عالمين: عالم إيمانويل كانط الذي آمن به، والذي يحلم بـ”السلام الدائم” عبر بوابة العقل، وعالم ميكيافيلي الذي لا يرى في السياسة إلا خداعاً وكذباً وصراعاً على السلطة.

وبينما كان الناس يوقدون النار لتطهير شحوب العام الماضي، كانت الطائرات الإسرائيلية تقذف الموت وتوقد ناراً من نوع آخر؛ ناراً تأكل “المسافة” الفاصلة بين الانتحار العسكري والجمود الأيديولوجي.

ولعل إحدى مآسي الشرق الأوسط أنه “مُنع من النضج”. فبينما جلس كانط في “كونيغسبرغ” (كالينينغراد) الهادئة ليُنظّر للعقل، كانت أوروبا تدفع ثمن ذلك النضج لاحقاً بنحو ثمانين مليون قتيل في حربين عالميتين. أما نحن، فكلما اقتربنا من حافة التحوّل العقلاني، قُطعت الطريق علينا.

الدول عندنا لا يُحرّكها المستقبل ولا مصالح شعوبها في المدى البعيد، وقليل من يتوفر لديه “عقل المصالح البعيدة”، بل تحرّكنا “غريزة البقاء الآني”، وغالباً ما يراودنا السؤال: كم وماذا سنخسر في جولة الحرب القادمة، وليس كم وماذا سنربح من السلام؟

هذا الفرق الجوهري هو الذي جعل الفلسفة الكانطية تبدو كـ”أكذوبة مدروسة” يُصدّرها الغرب بانتقائية، بينما يمارس في الخفاء “ميكيافيلية” عدوانية تجعل كانط يتقلّب في قبره.

لاريجاني وسعيد جليلي أحد أبرز المرشحين للحلول محله في المجلس الأعلى للأمن القومي

وميزة علي لاريجاني أنه جسّد مأساة “الفهم الوحيد” لهذه المفارقة المريرة؛ رجل يتقن لغة الفلسفة ويؤمن بأدوات التفاوض في غابة لا تعترف إلا بمخالب القوة. لم يكن بريئاً بالمعنى الساذج، لكنه كان “مأساوياً”، لأنه فهم أن العقل السياسي هو الجدار الأخير قبل الهاوية. بموته في هذا الثلاثاء الإيراني الحزين، يخلي العقل مكانه لثلاثي الخراب: المتشدد الذي لا يحسب، والأيديولوجي الذي لا يُفاوض، والغاضب الذي يرفض الحوار.

اغتيال لاريجاني هو إعدام لآخر قنوات الاتصال العقلانية مع العالم. برحيله، تتقلص المساحة المتاحة للمناورة الدبلوماسية، وتضيق النوافذ التي كان يمكن من خلالها تمرير حلول “اللحظة الأخيرة”.

هذا الغياب المتعمد للعقل السياسي يضع إيران أمام خيارات صعبة ومحدودة: إما الحرب الشاملة، أو عزلة خانقة لا يكسرها إلا هدير الطائرات.

لقد أراد بنيامين نتنياهو بشراكته مع دونالد ترامب باغتيال لاريجاني أن يقول إن زمن “الكانطيين” الذين يقرؤون ما وراء السطور قد انتهى، وأن الساحة الآن هي ملك لـ”ميكيافيليين” جدد يؤمنون بفتيل النار أكثر من جدوى الكلمات.

لقد قرأ لاريجاني كانط وفهمه، لكن الثمن الذي دفعه يثبت – بمرارة – أنه فهمه وحيداً.

لم يكن اغتيال لاريجاني مجرد اغتيال سياسي إيراني، بل كان قطعاً متعمداً للطريق أمام أي حوار أو مخارج دبلوماسية تلوح في الأفق. وإن من أمر ونفّذ لم يستهدف جسد الرجل بقدر ما استهدف “الخيار” الذي يمثّله؛ خيار البراغماتية الذي يرفض الانجرار إلى الصراع الشامل.

لقد كان لاريجاني شخصية استثنائية في توازنها؛ هو البراغماتي الذي أتقن لغة الحوار دون تفريط، والرجل الذي حظي بثقة عابرة للاصطفافات، والقادر على مدّ الجسور بين التيارات المتصارعة داخل إيران، وبين الدولة والعالم الخارجي. هذا التأثير المزدوج – داخلياً وخارجياً – هو ما جعله “الهدف المثالي” لمن يريد للحرب أن تستمر، ولمن يرى في الاستقرار تهديداً لمشاريع التصعيد الشامل.

في النهاية، لا يُغتال رجلٌ في لحظة، بل يُغتال احتمالٌ كان يمكن أن يغيّر المسار. ومع سقوط لاريجاني، لا تسقط فقط سيرة شخصية، بل تنطفئ شمعة في عتمة تتّسع، ويضيق هامش كان يسمح للعقل أن يتسلل بين ضجيج البنادق.

قد تستمر الحروب، وقد ترتفع أصوات النار أعلى من الكلمات، لكن التاريخ لا ينسى أن لحظةً ما كانت فيها فرصةٌ لأن يُكتب المشهد بطريقة مختلفة. تلك اللحظة، التي مرّت ولم تُمسك، هي الخسارة الحقيقية.

فحين يُغتال العقل، لا يبدأ زمن القوة، بل يبدأ زمن العمى.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  جسر بوتيني في الشرق بين ماضٍ سوفييتي.. وحاضرٍ روسي
Avatar

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "معركة الحجاب".. إنها الثورة الإيرانية بامتياز!