لكم عيشكم الموسمي.. ولي عيشي المشترك!

منذ البدايات الأولى للوعي، منذ تلك السنوات التي يبدأ فيها الطفل بتكوين ذاكرته عن الناس والبيت والعلاقات، كنت أرى في منزلنا وجوهًا كثيرة تدخل بمحبة وألفة، بعضها جاء من صلات القرابة، وبعضها من العلاقات السياسية والاجتماعية، وبعضها جمع بين الأمرين معًا. لكنّ ما ترسّخ في وجداني أكثر من أي شيء آخر، هو أن هذه الوجوه لم تكن يومًا "غريبة" عنّا، مهما اختلفت الطائفة أو القرية أو الانتماء، بل كانت جزءًا من نسيج العائلة الكبيرة التي تربّينا على احترامها والاعتزاز بها.

ومن بين تلك البيوت التي ارتبط اسمها بذاكرتي ووجداني، بيت البستاني، تلك العائلة المارونية الأصيلة من بلدة الدبية. فقد كان المحامي المعروف بشار البستاني من الزائرين الدائمين لبيتنا، وكان، وما يزال حتى اليوم، يناديني بـ”عمي” بمحبة صادقة لا تصنعها المجاملات ولا تفرضها المناسبات. وقبل أيام قليلة فقط، في عيد الفطر، أرسل إليّ رسالة كتب فيها حرفيًا: “فطر سعيد يا حبيب عمك”. عبارة قصيرة في كلماتها، كبيرة في معناها، تختصر تاريخًا طويلًا من الودّ والوفاء والروابط الإنسانية العميقة.

وهذه العلاقة ليست وليدة اليوم، ولا هي تفصيلًا عابرًا في حياة عائلتين. إنها تمتد إلى أيام السلطنة العثمانية، حين نشأت صلة أخوّة متينة بين المطران البستاني الشهير وبين جدّ جدّي درويش بيك القعقور. وكانت بينهما علاقة تجاوزت حدود المعرفة التقليدية إلى ما يشبه الأخوّة الحقيقية. ولعلّ تفاصيل تلك الحكاية تستحق أن تُروى في مقالة مستقلة، لما فيها من دلالات عميقة على طبيعة المجتمع اللبناني الأصيل قبل أن تعبث به الانقسامات والشعارات.

ولم تتوقف تلك الألفة عند الجيل الأول، بل انتقلت إلى الأبناء أيضًا، حين كان ما يُعرف آنذاك بـ”إخوة الحليب” من أصدق صور القرب الإنساني والاجتماعي، إذ كان الأطفال حديثو الولادة يرضعون من أمهات بعضهم بعضًا، فيصبحون إخوةً بالرضاعة، كما هم إخوة في العشرة والوجدان. ومن هناك بدأت حكاية “أولاد العم” بين عائلة سنية وعائلة مارونية، حكاية لم تصنعها السياسة، بل نسجتها الحياة نفسها بخيوط المحبة والثقة والشهامة.

وحتى اليوم، ما تزال هذه المسيرة مستمرة، إذ ما زلت أنا وأخي الأكبر المهندس إبراهيم على تواصل مع ابن عمّنا الطبيب شربل البستاني، وفاءً لوعدٍ قطعه الآباء والأجداد بأن تبقى هذه الروابط حيّة، وأن تُستكمل المسيرة كما بدأت: صافية، صادقة، وعابرة لكل التصنيفات الضيقة.

ولم تكن هذه الصورة استثناءً في حياتنا العائلية. فجدّ أبي، حسن بيك القعقور، كانت تربطه أيضًا علاقة أخوّة مع آل الحاج من الطائفة الشيعية في بلدة الوردانية. وما زلت أذكر “العم أبو رضا”، كما كان يسمّيه والدي الدكتور العميد عماد القعقور. كان حضوره إلى بيتنا حدثًا أنتظره بشوق، لا لأنه زائر عادي، بل لأنه كان يحمل معه ذاكرة زمن الجميل؛ يحدّثني عن الأيام التي جمعته بجدّي، وعن مرحلة الرئيس كميل شمعون، وعن السياسة حين كانت تُخاض بروح الرجال الكبار لا بمنطق التحريض والتفريق. كان يناديني: “يا جدّي”، وينادي والدي: “يا عمي”، وكأنّ اللغة نفسها كانت تعترف بأن ما بين الناس أعمق من الألقاب والانتماءات. وكان يأتي دائمًا بابتسامة مشبعة بالحنان والحكمة، فتعلّمت من حضوره بقدر ما تعلّمت من كلامه.

وكذلك كان لحسن بيك علاقات أخوّة ومودّة مع النائب الراحل محمود عمار، من العائلة الشيعية الكريمة في برج البراجنة، كما كانت هناك صلة متينة مع بيت قحطان حمادة واستمرت مع ابنه الدكتور حسن، العائلة الدرزية المعروفة في بعقلين.

لذلك، حين أسمع بعض الأحزاب وبعض الشاشات والمنابر يروّجون لفكرة أن طائفة “أكلت” طائفة أخرى، أو أن جماعة تهدد وجود جماعة، أشعر بقدر كبير من الاستغراب، بل من الأسى. والأشدّ غرابة أن من يبثّ هذا الخطاب نفسه يعود ليحدّثنا عن “العيش المشترك”، وكأنّ هذا العيش شعار موسمي يُرفع عند الحاجة، لا حقيقة اجتماعية عاشها الناس يوميًا في بيوتهم وقراهم ووجدانهم. وكيف يستقيم خطابٌ عن العيش المشترك ممن غذّوا الانقسام، وأسهموا في التحريض، وكانوا في مراحل كثيرة جزءًا من مآسي الحرب الأهلية؟

إلى أولئك الذين يستعملون الطائفية سلّمًا لمصالحهم، وإلى الذين يطرقون أبواب الحرب الأهلية كلما ضاقت بهم حساباتهم، نقول بوضوح: نحن لا نريد “العيش المشترك” بالمعنى المبتذل الذي تطرحونه. لا نريده كشعار استهلاكي، ولا كمادة إعلامية، ولا كورقة تفاوض بين زعماء الطوائف. لأن المسألة بالنسبة إلينا ليست “تعايشًا” بين غرباء، بل حياة طبيعية بين أهل، بين ناس نعرفهم ويعرفوننا، بين “أولاد عم” جمعتهم الأيام والذكريات والمواقف.

هم ليسوا “الآخر” بالنسبة إلينا. هم منّا، ونحن منهم. والحرب الأهلية، مهما جرى تجميلها بالشعارات أو تسويقها بالذرائع، لا تخدم إلا أعداء لبنان، وأعداء صيغة لبنان، وأعداء الحياة الطبيعية التي عرفتها منطقتنا قبل أن تُلوّثها المصالح والحسابات الخارجية والداخلية. فلا تعبثوا بطبيعة الناس، ولا تتدخلوا في النسيج الاجتماعي الذي حمى هذه البلاد أكثر مما حمتها خطاباتكم. اتركوا الناس لقلوبهم السليمة، واذهبوا إلى بناء دولة حقيقية، دولة عادلة، قوية، تحمي الجميع وتعيد الحقوق إلى أصحابها، بدل أن تحدثونا عن الخوف والانقسام.

نعم، أنا مسلم سنّي، وبكل فخر. لكنّ هذا الانتماء، كما علّمني ديني، وربّتني عليه عائلتي، ورسّخته فيّ وطنيتي، لا يتناقض يومًا مع محبتي لأبناء بلدي، ولا مع تصالحي الكامل مع الناس الذين جمعتنا بهم الحياة والكرامة والتاريخ. ونحن لن نسمح لمصالح الدول، ولا لحيتان السياسة، ولا لأبواق الإعلام، أن تزرع بيننا ما ليس فينا.

إقرأ على موقع 180  جنسيتي اللبنانية للبيع.. هل من يشتري؟ 

لذلك، نرفض ذلك “العيش المشترك” المبتذل الذي تتحدثون عنه. فليس هناك “عيش مشترك” بين أفراد عائلة واحدة تحت سقف بيت واحد. هناك شيء أعمق من ذلك بكثير: هناك قرابة في المعنى، وأخوّة في المصير، ووطن لا يقوم إلا بجميع أبنائه.

Print Friendly, PDF & Email
وسيم عماد القعقور

كاتب، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "الأزمات الدولية": إنتخابات رئاسية لخلافة عباس أو الفوضى والعنف