بنت جبيل.. معركة المعنى قبل معركة الأرض

في الحروب الحديثة، لم يعد التقدّم العسكري يُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف على إنتاج معنى سياسي وانتصار قابل للتسويق. فالجيوش، حين تعجز عن تحقيق أهدافها الكبرى، لا تتوقف عن القتال، بل تعيد تعريف أهدافها، وتنقل المعركة من الجغرافيا إلى الرمزية، ومن السيطرة الميدانية إلى صناعة الصورة.

في هذا السياق، تبدو العملية العسكرية الإسرائيلية البرية المستمرة في جنوب لبنان تعبيراً عن هذا التحوّل تحديداً. فبعد تعثّر الوصول إلى الضفاف الشمالية لنهر الليطاني كهدف عملياتي سياسي مركزي، لم تنسحب الاستراتيجية الإسرائيلية، بل أعادت تموضعها حول أهداف أصغر حجماً وأكثر كثافةً في دلالاتها. وهنا تحديداً تبرز بنت جبيل، لا كمدينةٍ فحسب، بل كنقطة اختبار: هل يمكن تحويل “إنجاز رمزي محدود” إلى “نصرٍ استراتيجي مركزي”؟

 ثمة نمط عسكري مركب تتسم به هذه العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، يُمكن تشريحه على الشكل الآتي:

أولاً: محاور التقدّم

يمكن توصيف الجهد البري الإسرائيلي الحالي ضمن ثلاثة محاور رئيسية:

  1. محور القطاع الشرقي: الخيام ومثلث القنطرة – الطيبة – دير سريان
  2. محور القطاع الأوسط: بنت جبيل (مركز الثقل)
  3. محور القطاع الغربي: الناقورة – البياضة – شمع

هذا الانتشار لا يهدف إلى احتلال شامل، بقدر ما يسعى إلى إنشاء «جيوب سيطرة» متفرقة، قابلة للتوظيف الإسرائيلي، إعلامياً وسياسياً.
فمناطق القطاع الشرقي، وعلى رأسها مدينة الخيام، تمنح إشرافاً نارياً على مساحات واسعة، بما فيها سهل الحولة، وقدرةً على قطع التواصل العملياتي بين الجنوب والبقاع الغربي.
أما القطاع الغربي، فيرتبط بمحاولة تثبيت حضور ساحلي–حدودي يمنح عمقاً تكتيكياً ويؤمّن خطوط إمداد أقصر.. وتحكماً عسكرياً يطال مدينة صور وجوارها.

غير أنّ هذه المحاور تبقى، في جوهرها، محاور تثبيت ودعم، بينما يتجمّع الجهد الحاسم في مركز الثقل العملياتي المتمثل في مدينة بنت جبيل.

ثانياً: بنت جبيل

ليست بنت جبيل مجرد هدف ميداني؛ إنها عقدة جغرافية–نفسية في آنٍ معاً:

  • جغرافياً: تقع على ارتفاع يقارب 700–770 متراً، ما يجعلها نقطة إشراف حاكمة على جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة.
  • عملياتياً: السيطرة عليها تعني التحكم بقطاع واسع من المحور الأوسط، وفتح المجال لإعادة تشكيل خطوط التماس.
  • تكتيكياً: يمكن تطويقها عبر محاور دبل، بيت ليف، ورشاف وعيناتا وكونين وعيترون ويارون وعين إبل، ما يحوّلها إلى «هدف تطويق ناري» قبل الاقتحام المباشر.
  • استراتيجياً: تمثّل مدخلاً لتوغّل قد يصل إلى عمق الجنوب.
  • رمزياً: هي «عاصمة التحرير» عام 2000 وذاكرة الإخفاق الإسرائيلي في حرب تموز/يوليو 2006، وبالتالي فإن أي تقدم فيها يُستثمر كإنجاز معنوي للقيادة الإسرائيلية.

ثالثاً: من الحسم إلى الرمزية

تُظهر المعطيات أن العقيدة العملياتية الإسرائيلية الحالية تعاني من مفارقة:

  • عجز عن تحقيق الهدف الاستراتيجي (الليطاني)
  • مقابل محاولة إنتاج «نصر بديل» في نقاط ذات قيمة رمزية عالية

وهذا ما يفسّر تركيز الجهد على مدن مثل بنت جبيل والخيام، حيث يمكن تحويل السيطرة المحدودة إلى خطاب نصر سياسي–إعلامي.

رابعاً: سيناريو احتلال بنت جبيل – ماذا يؤسّس؟

في حال نجح الجيش الإسرائيلي في إحكام السيطرة الكاملة على بنت جبيل، فإن ذلك يؤسس لعدة نتائج مترابطة:

  1. إعادة تشكيل خطوط التماس
    ستتحول المدينة إلى رأس جسر (Bridgehead) متقدم، يسمح بتوسيع العمليات شمالاً وشرقاً، وربما إعادة إحياء فكرة «الشريط الحدودي المحتل».
  2. تفكيك الترابط العملياتي للمقاومة
    السيطرة على عقدة مركزية تعني الضغط على خطوط الإمداد والاتصال بين القطاعات، خصوصاً إذا ترافقت مع تثبيت السيطرة في الخيام شرقاً.
  3. فرض وقائع تفاوضية جديدة
    أي سيطرة على مدينة ذات ثقل رمزي تمنح إسرائيل ورقة ضغط في أي مسار سياسي لاحق.
  4. تحقيق نصر معنوي–دعائي
    وهو ربما الهدف الأكثر إلحاحاً: تعويض الإخفاقات عبر صورة «استعادة بنت جبيل»، بما تحمله من ذاكرة 2000 و2006.
  5. تعزيز مفهوم المنطقة العازلة
    حيث تتحول السيطرة إلى خطوة عملية نحو فرض شريط أمني بحكم الأمر الواقع.

خامساً: سيناريو الفشل في بنت جبيل – ماذا ينتج؟

أما في حال فشل الجيش الإسرائيلي في السيطرة على بنت جبيل، فإن التداعيات ستكون أعمق بكثير من مجرد إخفاق تكتيكي:

  1. تكريس معادلة العجز العملياتي
    الفشل في مركز الثقل يعني سقوط الفرضية الأساسية للحملة البرية.
  2. تعزيز قوة الردع المعاكسة
    إذ يتحول الدفاع الناجح إلى عنصر «مضاد للهشاشة» (Antifragility)، حيث تزداد قوة الخصم نتيجة الضغط العسكري عليه.
  3. ضرب المصداقية السياسية والعسكرية
    وبخاصة إذا تكرّر مشهد 2006، ما ينعكس سلباً على القيادة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية على حد سواء.
  4. إفشال استراتيجية النصر الرمزي
    إذ تصبح كل العمليات الأخرى بلا قيمة إذا فشل الهدف المركزي.
  5. تحوّل بنت جبيل إلى نقطة استنزاف
    ما يفرض على القوات الإسرائيلية القتال في بيئة حضرية معادية، مرتفعة الكلفة، طويلة الأمد.

سادساً: معركة المعنى

إن معركة بنت جبيل ليست معركة مدينة، بل معركة معنى؛ فإما أن تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغة جديدة، أو تصبح نقطة انهيار للرواية العملياتية برمّتها.

إقرأ على موقع 180  أزمة الذات الإمبراطورية.. فقدان المرجعية وأزمة التبعية

وبين هذين الاحتمالين، يتحدد مسار الصراع: هل نحن أمام إعادة رسم للحدود بالنار؟ أم أمام تثبيت معادلة ردع جديدة تُسقط منطق التقدم البري التقليدي؟

وفي نهاية المطاف، لا تُختبر قوة الجيوش في قدرتها على التقدّم فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذا التقدّم إلى واقع مستقر. وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية في جنوب لبنان: فكل خطوة إلى الأمام تحمل في طياتها احتمال التحوّل إلى نقطة استنزاف، لا إلى نقطة حسم.

في الحروب المعاصرة، لا يُقاس النصر فقط بما يُحتل من أرض بل بما يُفرض من معادلات.

وبنت جبيل.. هي معادلة هذه الحرب.

Print Friendly, PDF & Email
بهاء حلّال

عميد ركن متقاعد، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لبنان.. حوار الطمأنة الوطنية لا حوار الطرشان