لبنان بين خيارين: وحدة تستند إلى القوة أو تفكك بلا أفق

لبنان كيانٌ قَلِقٌ. يقفُ راهنًا على شفا منزلقاتٍ خطيرة. لا شيء يُنقذه إلّا صحوة وطنية وجوديّة تشبهُ المعجزة. هذه الكلمات صاعقةٌ حتمًا، لكنها تعكس واقعنا الكارثي. لولا إضاءة استثنائية من المقاومة في الجنوب، لكان ما نتخوّف منه مستقبليًا قد حلّ بنا الآن.

بلغت الأخطار حدًا يجعلنا نرى التواطؤ كاشفًا ومكشوفًا في وقت واحد. ما يعني أن السلطة التي تقود هذه المرحلة فقدت المبرر الخداعي للقول إنها تريد سيادة لبنان ووحدته. نريد أن نصدّق النيات، لكن فعلها يناقض قولها. لم تبادر إلى صوغ إستراتيجية وطنية دفاعية بالرغم من كل النداءات. تركت الانقسامات تتفاعل وتتخذ لبوسًا طائفيًا مقيتًا. وبات الهمّ: كيف ندين من يُقاوم، ومن يرى في الكيان الإسرائيلي عدوًا، بدلًا من حشد كل ما أمكن من القوى للوقوف بوجه أطماع هذا العدو.

لم يظهر حتى اللحظة ما يشير إلى أن السلطة تقرأ التحولات الإستراتيجية في المنطقة وفي العالم. أخرجت نفسها من ثلاثة عوامل أساسية: الأول هو رفضها أن يكون لبنان على طاولة التفاوض في باكستان، ما جعل العدو الإسرائيلي يستفرد بها، في الوقت الذي كان يمكن فيه أن تتجنب ذلك، مع العلم أن أي وقف لإطلاق النار يحتاج إلى معادلة إقليمية-دولية. والثاني هو رفضها التوازن في العلاقات الخارجية، ما أوقعها دومًا في مهب الرياح الأميركية التي تقف خلفها “إسرائيل”. والثالث هو رفضها إجراء تقييم دقيق للتوازنات الداخلية، فانزلقت إلى “الحوار” مع العدو الإسرائيلي، فيما استنكفت عن الحوار مع المقاومة. ولم تقل للبنانيين ما هي أوراق القوة التي تستند إليها في التفاوض المباشر، طالما لا تريد الإفادة من ورقة المقاومة، وطالما لم تدرك خطورة أن تفاوض عدوك من دون توافق داخلي ومن دون تسوية وطنية.

الاستدراك ممكن إذا توافرت الإرادة السياسية للإفادة من دور المقاومة التي سجلت بطولات ملحمية في الجنوب، ولا سيما في بنت جبيل، التي تحولت إلى مدينة تتقاطع على أرضها المعادلات الإقليمية والدولية، وباتت نموذجًا للصمود في العالم، وإن تنكر لذلك جزء من اللبنانيين والعرب. بنت جبيل تقول للجميع منذ 1948: إما مقاومة ووحدة وطنية، ومفاوضات تستند إلى القوة، وإما لبنان سيبقى مهددًا بالزلازل الطائفية، وبزوال صيغته الكيانية القائمة، ومن ثم إعادة التركيب كل حقبة من الزمن

أمام هذه الاختلالات الخطيرة، وتفاقم الانقسامات الداخلية الأشد خطورة، هناك سؤال يفرض نفسه: ما معنى التفاوض تحت الوقف المشروط لإطلاق النار؟ وما معنى ربط “المفاوضات المباشرة” بوقف إطلاق النار؟ وما هو مفهوم هذا الوقف؟ هل يعني مكانيًا بيروت وجوارها فحسب؟ أم يعني كل لبنان، ولا سيما الجنوب؟ وإذا أوقف العدو إطلاق النار تكتيكيًا في المناطق غير الجنوبية، هل تبقى السلطة في مدار القبول بالمفاوضات المباشرة؟ وكيف تخرج من مأزقها عندئذٍ، طالما هي لم تحدد إطارًا إستراتيجيًا لمعنى وقف إطلاق النار، ما يؤدي إلى ابتزازها أميركيًا وإسرائيليًا؟

كل ذلك يمكن أن يُصنّف مكابرة ومغامرة. والخشية كل الخشية أن تكون مغامرة “واعية” تهدد وحدة لبنان من الداخل، مثلما هي معرضة للتهديدات من الخارج القريب. وإذا سارت “المفاوضات المباشرة” في طريقها، فستترك شرخًا داخليًا واسعًا لا يقل خطرًا عما حصل بعد اتفاق 17 أيار (مايو) 1983، بل سيكون الشرخ أكبر هذه المرة بسبب اختلاف الصورة الإقليمية المحيطة. فسوريا لم تعد خلفية آمنة، والتشرذم العربي بلغ ذروته بالحروب التقسيمية والانقسامية، والدعوات إلى التجزئة الداخلية أصبحت لغة يومية عند عدد لا يُستهان به من القوى النافذة. ولهذا فإن الكيان اللبناني حاليًا معرض للتشتيت وإعادة التركيب على أسس طائفية أحادية كانت مستبطنة فيه منذ تأسيسه عام 1920، بموجب ترتيبات استعمارية بين بريطانيا وفرنسا في “مؤتمر الصلح” في باريس عام 1919. ولا مبالغة في ذلك، فمن يراقب وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي يكتشف مدى العمق القَعري الذي بلغته مشاعر الانقسام والعنصرية. لقد شاعت المصطلحات الطائفية كما لم تكن يومًا على هذا المستوى منذ عقود، وباتت لغة يومية عند الغالبية الساحقة من الناس، ما يهيئ المناخات لتحويل أي احتكاك إلى انفجار. وانتشر تزييف الوعي، فبدأ الحديث عن “المكونات” الطائفية والجهوية، مثلما حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، وفي سوريا وليبيا والسودان وغيرها، إضافة إلى النزعات العنصرية، كمثل القول: “إنهم لا يشبهوننا… فإذا أرادوا أن يقاتلوا إسرائيل فليعيشوا وحدهم”.

عندما تتجاهل السلطة هذه الحقائق، وتندفع إلى مفاوضات مباشرة تغيب عنها الإستراتيجية والتسوية الداخلية، فإنها تؤكد استمرار العلة البنيوية التي قام عليها لبنان عام 1920، وتنسف الاعتبار بالتجارب السابقة مع العدو الإسرائيلي، وتنزل إلى مستوى أقل من اتفاقية الهدنة عام 1949، وتغرق في معمعة أفكار تعود تاريخيًا إلى ما يُعرف بوثيقة “اتفاقية العمل المشترك” عام 1946، قبل إنشاء الكيان الصهيوني بعامين. هذه الاتفاقية عقدتها الوكالة الصهيونية مع عدد من الشخصيات السياسية والدينية في لبنان آنذاك. وإذا كانت لم تتحول إلى وثيقة رسمية بسبب المعارضة الوطنية الشرسة بوجهها آنذاك، فإنها بقيت دليلًا سياسيًا لليمين الطائفي اللبناني، وإن تكن بعيدة عن الإضاءة الإعلامية. وما ورد فيها سارت عليه معظم السلطات التي تعاقبت بعد 1943، في السر أحيانًا كثيرة، ثم في العلن عندما تسنح الفرص. ولعل من أخطر النقاط الواردة فيها: “الاعتراف المتبادل بين الكيانين”، و”فتح الحدود” (من دون تحديدها) من أجل “التبادل الاقتصادي والسياحي” (تطبيع)، و”تنسيق أمني لمنع أي عمل عدائي من طرف ضد الآخر” (أي محاربة المقاومة) [كل ما هو بين مزدوجين مقتبس من الوثيقة].

إقرأ على موقع 180  العلوم الإجتماعية.. الأجيال والتحديات الجديدة

هذا ما يريده العدو الصهيوني قبل تأسيس كيانه “الإسرائيلي” وبعده. ومن ثم فإن على السلطة التي ترضى بمفاوضات مباشرة عارية أن تأخذ في الحسبان أن هذا الأمر قد يقود إلى منعطفات انقسامية داخلية تهدد وحدة لبنان، وعندئذٍ لا قيمة لأي مفاوضات.

الاستدراك ممكن إذا توافرت الإرادة السياسية للإفادة من دور المقاومة التي سجلت بطولات ملحمية في الجنوب، ولا سيما في بنت جبيل، التي تحولت إلى مدينة تتقاطع على أرضها المعادلات الإقليمية والدولية، وباتت نموذجًا للصمود في العالم، وإن تنكر لذلك جزء من اللبنانيين والعرب. بنت جبيل تقول للجميع منذ 1948: إما مقاومة ووحدة وطنية، ومفاوضات تستند إلى القوة، وإما لبنان سيبقى مهددًا بالزلازل الطائفية، وبزوال صيغته الكيانية القائمة، ومن ثم إعادة التركيب كل حقبة من الزمن.

الوحدة الوطنية ضرورة وجودية، وخط أحمر. والمرحلة لا تحتمل الخطأ. كان الجنرال شارل ديغول يقول دائمًا: “الغباء ليس عذرًا أبدًا في السياسة”.
 

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  العلوم الإجتماعية.. الأجيال والتحديات الجديدة