لبنان في قلب الصورة الكبرى

تبدو هدنة وقف إطلاق النار في لبنان، لعشرة أيام، كخط رفيع فوق تضاريس متفاوتة العلوّ والقسوة. اتفاقٌ يحمل في داخله قابلية حركية عسكرية مفتوحة تحت عنوان “استباق التهديد الأمني”، حيث يتيح لأحد الأطراف (إسرائيل) المبادرة عند استشعار تهديد. هذه البنية تجعل الهدنة إطارًا إجرائيًا أكثر منها نهاية صلبة للصراع.

القراءة الاستراتيجية لهذا المشهد تفرض الانتقال من التفاصيل اللبنانية إلى الصورة الأوسع، حيث تتشكل الملامح الحقيقية ضمن مسار التفاهم الإيراني–الأميركي الذي بلغ مرحلة نضج تفاوضي وتفكيك دقيق لبنود النفوذ والردع.. والاستثمار.

تُقدّم نظرية الجشطالت مدخلاً تحليليًا ملائمًا، إذ تؤكد أن فهم الجزء يستدعي إدراك الكل الذي يحتويه. وفق هذا المنظور، يصبح وقف النار في لبنان تعبيرًا عن توازنات إقليمية قيد التشكل، حيث يجري اختبار حدود الاشتباك ضمن مسرح محدود، بينما القرار الحقيقي يُصاغ في دوائر أوسع تشمل مضيق هرمز، الملف النووي الإيراني، رفع العقوبات عن ايران والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المحتجزة، النفوذ الإقليمي واعادة الاعمار والتعويضات.

يعني ذلك أن أي تهدئة نارية في لبنان ترتبط عضوياً بمسار التفاهمات بين واشنطن وطهران، وبخاصة في ما يتعلق باعادة تعريف قواعد الاشتباك. وتوضح مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن لبنان “يشكل ساحة اختبار منخفضة الكلفة نسبياً، حيث يمكن قياس مدى التزام الأطراف بتفاهمات غير معلنة، قبل الانتقال إلى اتفاقات أكثر وضوحاً في ملفات استراتيجية كبرى”.

في هذا السياق، تظهر نتائج المفاوضات الجارية كمقدمة لاتفاق أميركي–إيراني يتخذ شكلاً تدريجياً، يبدأ بترتيبات أمنية ميدانية وينتهي بصياغة سياسية أشمل. تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تُبيّن أن هذا النوع من الاتفاقات غالباً ما يُبنى عبر مسارات متوازية، حيث يجري تثبيت الوقائع على الأرض قبل الإعلان الرسمي، بما يمنح الأطراف قدرة على اختبار النيات وتعديل السلوك.

في المقابل، يكشف الواقع اللبناني عن تباينات حادة في الرؤية والتموضع. السلطة الحاكمة تدفع نحو إعادة تعريف العلاقة مع حزب الله عبر مقاربات أمنية وسياسية أكثر صرامة، تتجلى في إجراءات ميدانية مثل توقيف عناصر للحزب على الحواجز، في إشارة إلى محاولة فرض سيادة الدولة ضمن شروط داخلية وإقليمية جديدة. هذه المقاربة تعكس توجهاً نحو إعادة تموضع لبنان في قلب محور النفوذ الأميركي.

في المقابل، تحتفظ إيران برؤية مختلفة، حيث يشكل حزب الله جزءاً عضوياً من منظومة الردع الإقليمي. ووفق دراسات مركز بروكينغز، فإن طهران تنظر إلى هذا الامتداد بوصفه عنصر توازن استراتيجي في مواجهة الضغوط الغربية، ما يجعل أي تسوية شاملة تمر عبر إعادة تعريف دور هذا الفاعل من دون المساس بجوهر حضوره.

هنا يتكثف التناقض اللبناني: دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها وفق شروط دولية، مقابل بنية مقاومة ترتبط بمنظومة إقليمية أوسع لها حضورها الميداني الوازن على الأرض. هذا التناقض لا يُحسم داخل الحدود اللبنانية، بل يتحدد وفق مسار التفاهم الإيراني–الأميركي، الذي يرسم سقف الحركة لجميع الأطراف.

من هذه الزاوية، يظهر وقف إطلاق النار كجزء من لوحة أكبر، حيث تتوزع الأدوار بين الميدان والدبلوماسية، بين المحلي والإقليمي والدولي. القراءة الشاملة تكشف أن لبنان يقف عند تقاطع مسارين: مسار داخلي يسعى إلى إعادة ترتيب السلطة وتوازناتها، ومسار خارجي يُعيد رسم خرائط النفوذ في ضوء ما ستفضي إليه الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران. ضمن هذا التقاطع، يصبح كل تفصيل ميداني انعكاسًا لقرار يتشكل في فضاء أوسع، حيث الجزء يكتسب معناه الكامل فقط داخل الصورة الجشطالتية الكلية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  اللوبي الإسرائيلي في أمريكا.. من الهيمنة إلى التآكل البطيء
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حين تصبح عودة النازحين السوريين.. نزوحًا جديدًا