الطائف يُوحّد لبنان ويحسم هويته.. هل يفعل التفاوض المباشر عكس ذلك؟

لبنان منقسمٌ، وهذا ليس سرًا؛ فأن يُنادي نصف اللبنانيين بالمقاومة حفاظًا على الوطن والسيادة، وأن يرد النصف الآخر مدافعًا عن الدولة والسيادة وحصرية السلاح، هذا ليس بأمر جديد على بلد يفتقد للمناعة الوطنية منذ تأسيسه في العام 1920 حتى يومنا هذا.

يناقش كل طرف لبناني جدوى التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ولا يشكّك أيٌّ منهما في دوافع العدو وراء هجومه الوحشي على لبنان.

يتذكّر البعض سنوات الاحتلال الـ22 (1978-2000)، والتي انسحبت إسرائيل في نهايتها إلى ما وراء حدودها المرسومة بوضوح، بلا قيد أو شرط ومن دون الحصول على اعتراف لبناني بدولتها. لكن في ربيع العام 2000، لم تكن هناك اتفاقيات أبراهام، قد وُضعت بعد.

في الوقت نفسه، يُسقط آخرون على لبنان السياسات التي طبّقتها إسرائيل في الضفة الغربية وإدارة محمود عباس، مما يعني أن الدولة اللبنانية ستصبح أداة للأمن الإسرائيلي، وتشارك في “نزع سلاح” حزب الله، وبالتالي إشعال حرب أهلية.

في هذا السياق، أعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن أحد أهداف هذه المفاوضات المباشرة هو إنهاء الحرب وضمان انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وعودة النازحين والإفراج عن الأسرى واطلاق ورشة اعادة إعمار الجنوب اللبناني، لكنه أضاف أنه من الضروري “ترسيم الحدود”، وقبل كل شيء “إنهاء حالة العداء” مع الكيان العبري.

بهذا الموقف تحديداً، ذهب الرئيس اللبناني أبعد من محمود عباس، الذي، وبرغم كل الانتقادات التي يواجهها، ما يزال يتمتع بميزة لم تتمكن إسرائيل من الحصول عليها، لا من السلطة الفلسطينية ولا من ياسر عرفات (وهو أحد أسباب إزاحته). هذه الميزة، التي تطمع بها إسرائيل لبنانيًا، هي “إنهاء حالة العداء”.

مع ذلك، يدعو نصف الشعب اللبناني إلى إنهاء حالة العداء بشكل عام، بينما تعارض المقاومة (النصف الآخر) هذا الأمر بشكل أوسع.

ويستند كلا الجانبين إلى “اتفاق الطائف” لتعزيز حججهما. واتفاق الطائف هو وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، التي صاغتها الأطراف المتحاربة في لبنان تحت ضغط سعودي أميركي بالتنسيق مع سوريا، في سبتمبر/أيلول 1989، بعد حرب أهلية دامت 15 عامًا.

وقد سعت السعودية إلى فرض هذا الاتفاق، الذي ينص على “بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية” ودخول الجيش اللبناني إلى الجنوب بعد الانسحاب الإسرائيلي تنفيذاً للقرار الدولي الرقم 425..

غير أن الصراحة لا بل المصارحة ضرورية في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها البلاد.

دعونا نتفحّص بدقة ما ينطوي عليه هذا الاتفاق فعلًا.

لقد أنقذ اتفاق الطائف لبنان واللبنانيين بإنهاء إراقة الدماء والتدمير والتهجير والفرز الطائفي، ولكن ما الذي يخفيه هذا الاتفاق تحديدًا؟

لقد صُمّم هذا الاتفاق خصيصًا على قياس رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، لجعل موقع رئاسة الوزراء مُهيمِنًا، وذلك على حساب موقع الرئاسة الأولى الذي كان مهيمناً منذ العام 1920 حتى 1989.

وقد أرسى اتفاق الطائف مبدأ “التعايش” بين مختلف الطوائف في لبنان وممثليها السياسيين، لكنه أعاد هيكلة النظام السياسي تبعًا لموازين القوى، فكان أن تم تقليص بعض صلاحيات الطائفة المسيحية، كذلك تم تعديل قانون الانتخابات البرلمانية في مرحلة ما بعد الحرب، بما ينسجم مع الواقع السياسي الجديد الذي رعت دمشق تنفيذه بمباركة سعودية وأميركية استمرت حتى لحظة الغزو الأميركي للعراق 2003.

باختصار، تجسدت التعديلات الدستورية المنصوص عليها في اتفاق الطائف في تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، وجعل مؤسسة مجلس الوزراء هي مركز السلطة السياسية الحقيقية وجعل رئيس الوزراء مسؤولًا أمام البرلمان.

ثمة تعديلات كثيرة طرأت على صلاحيات رئيس الجمهورية وقلصتها لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً ورئيس مجلس الوزراء الذي أصبح شريكاً أساسياً في الحكم وتوقيعه أساسي في جميع المراسيم ما خلا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة أو استقالته أو اعتبار الحكومة مستقيلة، كما حرم الرئيس من حق حل مجلس النواب، وقيده بمهل زمنية لنشر وتوقيع القوانين والمراسيم كما كان الأمر قبل الطائف في حين لا توجد مثل هذه القيود على سائر الرؤساء وحتى الوزراء.

كما نصّ اتفاق الطائف على إنشاء الهيئة الوطنية ومهمتها وضع خطة متدرجة لإلغاء الطائفية السياسية من ضمنها انشاء مجلس نواب من خارج القيد الطائفي ومجلس شيوخ يعالج هواجس الطوائف، وزيادة عدد مقاعد البرلمان إلى 108 مقاعد (صارت لاحقاً 128 مقعدًا) موزعة بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين.

ونصت المادة 65 من الدستور على أن النصاب القانوني لانعقاد الحكومة يكون بأكثرية ثلثي الوزراء على أن تتخذ القرارات توافقيًا “فإذا تعذر ذلك فبالتصويت” (أكثرية الحاضرين). أما ما أسماها دستور الطائف “المواضيع الأساسية”، فإنها تحتاج الى موافقة ثلثي الوزراء. والمقصود بـ”المواضيع الأساسية” الآتي: تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارىء والغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى أو ما يُعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حل مجلس النواب، قانون الانتخاب، قانون الجنسية، قوانين الاحوال الشخصية، اقالة الوزراء.

إقرأ على موقع 180  هل أصبحت أميركا دولة فاشلة؟

كان من الطبيعي أن يعتبر المسلمون السنة أن اتفاق الطائف أعطاهم ما كانوا ينادون بالوصول إليه منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، في عز الحضور الفلسطيني في لبنان، أما المسلمون الشيعة، فإن تكيفهم مع الطائف تناغم مع الدور الذي لعبته أحزابهم في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعندما خرج الجيش السوري من لبنان تمسكوا بمعادلة “الثلث المعطل” أساساً لما يصدر من قرارات عن مجلس الوزراء (يُعتبر مجلس الوزراء مستقيلاً إذا استقال أكثر من ثلث الوزراء).

في المقابل، عارضت الأحزاب المارونية بشكل مضمر أو معلن اتفاق الطائف نظرًا للتركيبة السكانية للبنان حيث يُمثّل المسلمون حوالي 60% من السكان والمسيحيون حوالي 30%.

بعد تفحص الصلاحيات الدستورية، يُمكن لرئيس الجمهورية أن يستفيد من نص المادة 52 من الدستور اللبناني التي تقول بتولي رئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وفي بعض الحالات بعد موافقة مجلس النواب.

هذا يعني أن صلاحية رئيس الجمهورية ستبقى مقيدة بنيل أكثرية ثلثي مجلس الوزراء ومن ثم الأكثرية النيابية في مجلس النواب.

حتى الآن، ما زال موقف “الثنائي” (حزب الله وحركة أمل بزعامة نبيه بري) ضد التفاوض المباشر، وانضم إليهم وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الإشتراكي منتقداً قرار لبنان بالذهاب الى المفاوضات من دون وضع خارطة طريق واضحة ومحددة.

وفيما يكتفي رئيس الحكومة نواف سلام بإطلاق المواقف العمومية، فإن نادي رؤساء الحكومات السابقين لا يبدو متحمساً للتفاوض المباشر، أما مفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان فقد أطلق مواقف تحمل دلالة خاصة. فقد أكد أن موقف الرئيس جوزاف عون التفاوضي، في مواجهة ما وصفه بـ”حرب مدمّرة تستهدف لبنان وتقطع أي أمل في الخلاص”، يتمتع “بشرعية سنية”.

ويأتي قرار المفتي دريان، بعد ترؤسه المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ليسد فراغًا عجز رئيس الحكومة، بسبب ضعفه البنيوي، عن معالجته وطنيًا ودستوريًا.

هنا يصبح السؤال هو الآتي: هل هناك من يريد أن يتحول موضوع التفاوض المباشر إلى عنوان اشتباك مذهبي (سني شيعي) ومن سيكون المستفيد في هذه الحالة غير إسرائيل؟

في الخلاصة، لقد حسم اتفاق الطائف هوية لبنان العربية وحدوده المعترف بها دولياً، وتظهر مناقشات مؤتمر الطائف أن مسألة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي لم تكن موضع جدل كبير، إذا توافق المجتمعون على ثلاث ركائز: أولها القرارات الدولية ولا سيما القرار 425 وثانيها التمسك باتفاقية الهدنة (1949) وثالثها اتخاذ كافة الاجراءات لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي.

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ماذا بعد الأحادية؟