الإعلام الغربي في أوكرانيا.. صمودٌ وتصدٍ!

أثارت تغطية الإجتياح الروسي لأوكرانيا في وسائل الإعلام العالمية موجة من التساؤلات ليس أقلها المتعلق بتصنيف اللاجئين درجات أولى وثانية وثالثة، وفقاً للون البشرة والخلفية الطبقية والجغرافية والدينية التي أتوا منها. 

في بعض التغطية الغربية للحدث الأوكراني، وتحديداً الأمريكية والأوروبية تحديداً، أصبحنا نجد حيزاً كبيراً للعاطفة التي لطالما كانت موضع إنتقاد غربي عندما يلجأ إليها الصحفيون العرب في تغطيتهم لضحايا العدوان الاسرائيلي في فلسطين ولبنان على سبيل المثال لا الحصر، حتى أن مذيع القناة الرابعة في بريطانيا جون سنو، إتُهمَ بالانحيازومخالفة قواعد الحيادية الصحفية، عندما بثّ دعوة مباشرة عبر صفحة القناة لوقف الحرب الاسرائيلية على غزة عام 2014، ودعا لانقاذ الاطفال الفلسطينيين من الموت الاسرائيلي العشوائي. حينذاك، بلغت الانتقادات حد التشكيك بمهنية المذيع المخضرم الذي كان أمضى أياماً في غزة يوثق الاعتداءات وكذلك طالبه البعض بالتنحي عن التقديم الاخباري. هذه المهنية التي طالما تغنى بها الإعلام الانجلو-أمريكي تحديداً، وقوامها الموضوعية والحيادية، باتت موضع تساؤل في تغطية بعض الإعلام الغربي لما يجري من أحداث في اوكرانيا. التساؤل ليس انتقاداً للتعاطف الذي يبديه الصحفيون تجاه معاناة الشعب الأوكراني جراء الهجمات الروسية وانما دعوة لهؤلاء الصحفيين/ات والمؤسسات الإعلامية الغربية لإعطاء الحيز الانساني المساحة والاهمية نفسهما في تغطية مآسي شعوب أخرى.

إظهار العواطف الإنسانية بشكل مباشر على الهواء ليس هو الشيء الوحيد الذي ميّز التغطية الإعلامية الغربية للحدث الأوكراني. فقد تحولت المحطات البريطانية والأمريكية تحديداً على مدى الأسبوع الأول من الإجتياح، إلى إعلام لـ”الصمود والتصدي”، وهي ظاهرة لطالما كانت محصورة بإعلامنا العربي وأول المنتقدين لها كانت وسائل إعلام الغرب بذريعة إبتعادها عن الموضوعية والحيادية.

منذ اللحظة الأولى للحرب، لم يتردد الصحفيون بوصف ما يقوم به الأوكرانيون بالمقاومة ووصم الغزو الروسي بالهمجي ولم يترددوا بفتح الهواء مباشرة للأوكرانيين الذين رفضوا مغادرة مدنهم وقرروا الصمود فيها، وهو ما ذكرني بما كنا فعلناه نحن الصحفيين اللبنانيين خلال تغطية العدوان الاسرائيلي على لبنان في 1993 و1996 و2006. لم يخطر في بالي ازاء هذا الكم الهائل من التغطية المباشرة، إن كان أوروبياً أو أمريكياً، سوى أن هذه التغطية خبرناها ونعرفها جيداً، وفحواها التركيز على فعلي “الصمود” و”التصدي”.

التركيز على الصمود والمقاومة ضد غزو خارجي لم نرَ فيه كصحفيين لبنانيين فعل مخالفة لمهنية مارسناها. لكن لطالما اُقصينا من المفهوم الانجلو امريكي للمهنية الصحفية. ما مارسناه نحن سابقاً يمارسونه هم الآن وبحرفية تفوق حرفيتنا. إنها الحرب تحطّ أوزارها في أوروبا

أصبح مقبولاً إعطاء حيز من البث لصور وتعليقات مجموعات سكانية اوكرانية تُحضّر قنابل “المولوتوف” للتصدي للجيش الروسي، وأن يُصوّر لاعب التنس العالمي الأوكراني سيرغي ستاخوفسكي بالزي العسكري معلناً إنضمامه للمقاومة الأوكرانية. الاعلان عن تسليح الشعب وتوجيه الدعوات للمحاربين من كافة الدول للانضمام للمقاومة الأوكرانية باتا عنوانين يُحتَفى بهما. بعض من تاريخ يتكرر في أوروبا يحاكي قصص حركات المقاومة ضد الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية أو قصص انضمام الشباب الأوروبي للمقاومة ضد الفاشية في اسبانيا. قصص الصمود والتصدي استحوذت على الشاشات وعناوين الصحف. كلمة “القصف”، على سبيل المثال، إستُعيض عنها بوصف “الاعتداءات”. ليس خطأ ان تُسمّى الأشياء بأسمائها ولكن لا يمكنني إلا أن أتساءل لماذا ما تُمارسه الصحافة الغربية في أوكرانيا موضوعياً ومهنياً بينما يكون غير موضوعي وغير مهني عندما يتعلق الفعل بالآخر البعيد.

في الأيام الأولى من التغطية الإعلامية، تغلب التركيز على الصمود والتصدي على أي حيز آخر. تماثلت التغطية في ذهني في الأيام الأولى، لما قرأته عن تغطية أحمد سعيد لحرب عام ١٩٦٧. خوفي كان أن تتماهى تجربة الأوكرانيين مع تجربة الفلسطينيين عندما بقي صوت احمد سعيد يُصدّح من “صوت العرب” من القاهرة ويُبشّر المستمعين بقوة صمود الجيوش العربية وتصديها للغزو الاسرائيلي، بينما كان أهل القدس يشاهدون عبر نوافذهم قوافل الدبابات الإسرائيلية تتقدم في لحظات احتلالها مدينتهم. تغطية أساسها التمني والرغبات ولا علاقة لها بالحقائق على الأرض.

التركيز على الصمود والمقاومة ضد غزو خارجي لم نرَ فيه كصحفيين لبنانيين فعل مخالفة لمهنية مارسناها. لكن لطالما اُقصينا من المفهوم الانجلو امريكي للمهنية الصحفية. ما مارسناه نحن سابقاً يمارسونه هم الآن وبحرفية تفوق حرفيتنا. إنها الحرب تحطّ أوزارها في أوروبا. حربٌ، كما قال البعض منهم، تستهدف أُناساً يشبهونهم في لون البشرة والعيون والثقافة والتقدم الاجتماعي، لا بل ذهب البعض إلى حد ترداد مقولة “التشابه الحضاري”.

التغطية الغربية للحرب الأوكرانية شابتها وتشوبها مقارنات ومقاربات استعلائية غير موفقة مع معاناة شعوب أخرى، وسيقت كلمات جعلت معاناة شعوب أخرى أقل أهمية وأقل إنسانية.. الفجيعة بالمقارنة التي أبداها بعض الصحفيين (ولا يجوز التعميم هنا) إن كانت تشي بأمر ما فهي تشي عن جهل وتكابر واستعلاء موسوم بالنمطية والعنصرية. أصبح للاجئين المدنيين هرباً من الحروب درجات وألوان يُصنّفون بها، درجة أولى وثانية وثالثة؛ أبيضٌ أو أقل بياضاً أو أسود. لم يعد الحديث عن الكيل بمكيالين في الصحافة الغربية أمراً نعزوه إلى نظرية المؤامرة بل صار فعلاً واقعاً تثبته يوميات التغطية الغربية من داخل أوكرانيا وعلى حدودها الغربية مع أوروبا.

إقرأ على موقع 180  الإنحدار الأمريكي.. ولغة الحرب!

Print Friendly, PDF & Email
زاهرة حرب

أستاذة في جامعة سيتي، بريطانيا

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  سؤالنا اللبناني: هل نبقى على قيد الحياة؟