«إعادة المهاجرين» (Remigration)، أو ما يُعرف بالهجرة العكسية، هو مصطلح جديد يحمله تيار متزايد القوة في الغرب. وقد اكتسبت هذه الأيديولوجيا السياسية زخماً متنامياً في المناخ السياسي الأوروبي والأميركي.
ماذا تشير السياسة التي يحملها مصطلح «إعادة المهاجرين»؟
إنها تنادي بعودة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية. ولم يعد هذا المصطلح من المحرمات في أوروبا أو الولايات المتحدة، بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سارع إلى تطبيق بعض مضامينه فور عودته إلى البيت الأبيض.
في البداية، كانت الفكرة التي شكلت أساس هذا المفهوم اقتصادية بطبيعتها: «المهاجرون يأخذون وظائفنا». ومع تطور الخطاب السياسي والشعبي، اتسع المفهوم ليشمل المخاوف الأمنية والثقافية، مما أدى إلى تنامي الرفض للمجتمعات متعددة الثقافات استناداً إلى حجج يسهل نشرها… ويسهل تقبلها أيضاً.
دون العودة إلى ألمانيا النازية وقوانينها الفاشية والعنصرية، اتخذت فرنسا في عهد جيسكار ديستان خطوة في هذا الاتجاه. فمن أجل تشجيع المهاجرين الأفارقة على العودة إلى بلدانهم الأصلية، عرضت عليهم الدولة عشرة آلاف فرنك (أي ما يعادل نحو عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور آنذاك)، مع تذكرة سفر في اتجاه واحد.
باءت هذه السياسة بالفشل، وأخرج السينمائي الراحل محمود زموري، المولود في الجزائر، فيلماً روائياً عن هذا المشروع بعنوان «خذ عشرة آلاف واخرج».
تبنت الجبهة الوطنية بزعامة جان ماري لوبان هذه السياسة بوصفها ركناً أساسياً في أيديولوجيتها وبرنامجها السياسي. وقد ساهم تغيير اسم الحزب إلى «التجمع الوطني» على يد مارين لوبان في تخفيف حدة الصورة، دون المساس بجوهر الأيديولوجيا.
ومع ذلك، جعل إريك زمور، مؤسس حزب «الاسترداد» (Reconquête)، هذا المبدأ حجر الزاوية في مشروعه السياسي، وأعاد إحياء مصطلح «الهجرة العكسية».
في ألمانيا، يتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) مشهد اليمين المتطرف، فيما يحتل حزب الحرية النمساوي (FPÖ) موقعاً متقدماً في النمسا، وتتشابه برامج الحزبين إلى حد بعيد.
وبرغم أن زمور ليس «قائداً» لهذا التيار، فإنه يستثمر موجة أيديولوجية قومية وعنصرية تغذيها نظرية «الاستبدال السكاني»، التي تنتشر في أوروبا الغربية، وتمتد بدرجات متفاوتة إلى أوروبا الشرقية.
تُعد أيديولوجيا «إعادة المهاجرين» الرابط الذي يجمع هذه التحالفات الأوروبية بحكم الأمر الواقع، وهي أيديولوجيا تتوسع وتتعمق باستمرار. غير أن تهيئة الرأي العام لتقبل مشروع بهذا الحجم استلزم غرس شرط أساسي تدريجياً في هذه المجتمعات: التخلص من الشعور التاريخي بالذنب المرتبط بالإرث النازي.
***
في الواقع، فإن أهداف هذه الأيديولوجيا هي المواطنون من أصول أفريقية، وكذلك القادمون من المجتمعات الإسلامية. وهؤلاء هم المستهدفون الفعليون، رغم أنهم باتوا منذ أجيال جزءاً من النسيج الاجتماعي لبلدانهم.
إذن تبرز تساؤلات قانونية: ماذا عن المواطنين المنتمين إلى أقليات دينية أو إثنية أخرى؟
أظهر انتخاب دونالد ترامب كيفية سلوك هذا المسار السياسي: لا بد من الإمساك بمفاصل السلطة، من الحكومة إلى المجالس المنتخبة، بما يسمح بتعديل القوانين الأساسية.
فعلى سبيل المثال، فإن طرد المهاجرين غير الشرعيين، أو الأجانب المدانين، أو المدرجين على قوائم الإرهاب، يمكن أن يتم استناداً إلى القوانين القائمة. أما الانتقال إلى مرحلة طرد المقيمين القانونيين، فهو مسألة أكثر تعقيداً، حتى لو كانوا عاطلين عن العمل لفترات طويلة، كما تطالب بعض أحزاب اليمين المتطرف، الأمر الذي يستوجب سن تشريعات جديدة.
***
ومرة أخرى، يُقدِّم ترامب ما يعتبره أنصاره نموذجاً يحتذى به. ففي الولايات المتحدة رأينا كيف بدأت إدارة الهجرة والجمارك (ICE) بملاحقة المهاجرين غير الشرعيين، ثم توسعت أحياناً لتشمل مقيمين قانونيين بذريعة مخالفات أو شبهات مختلفة.
***
في سويسرا، تم إطلاق استفتاء هدفه وضع سقف لعدد السكان عند عشرة ملايين نسمة. ومن دون مواربة، فإن هذا الاستفتاء يستهدف الحد من الهجرة، وليس الحد من الولادات بين المواطنين السويسريين.
***
لكن في مناطق أخرى من العالم، بدأت هذه العنصرية القائمة على المعايير العرقية بالانتشار. فعلى مدى عامين، شهدت مدن غرب ليبيا مظاهرات وأعمال عنف استهدفت المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. وكان السبب شائعات عن وجود خطط لإعادة توطينهم بصورة دائمة. وقد دفعت موجات العنف هذه كثيرين منهم إلى الهجرة مجدداً عبر البحر المتوسط سعياً للوصول إلى أوروبا، حيث تنتظرهم سياسات تدعو إلى إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
***
يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم تغذي هذه الكراهية للأجانب. لكنها، في جوهرها، تنبع من مفهوم نقيض الأخوّة الإنسانية، وهو شعور مناهض للعولمة تطور وتوسع وتغلغل في وعي المجتمعات، ثم انعكس على السياسات والمؤسسات، ليعيد إنتاج ظواهر تذكّر بما عرفته أوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين.
(*) راجع النص كاملاً على موقع “أخباربووم“
