إلى حد كبير، التزمت النخبة الأمريكية بهذا النهج الانعزالي كأساس للسياسة الخارجية للجمهورية الجديدة في بداياتها، مركزة على التوسع بين المحيطين بكل السبل المتاحة، الأخلاقية منها وغير الأخلاقية، وأبقت على قوات عسكرية في حدودها الدنيا، وتجنبت التدخل في الشؤون الدولية البعيدة عنها.
ومع قرب احتفالها بعيد ميلادها الـ250، باتت الولايات المتحدة تمتلك نحو 128 قاعدة عسكرية في أكثر من 50 دولة، ونحو 560 منشأة عسكرية أخرى تُصنف أقل من قاعدة في 42 دولة أخرى. تتصدر اليابان قائمة هذه الدول بـ14 قاعدة أمريكية، تليها الفلبين بـ9، ثم كوريا الجنوبية بـ8. ويوجد في المنطقة العربية قواعد أمريكية في الأردن والعراق وسوريا وكل دول الخليج العربي. وهذا الانتشار ليس له مثيل في العالم؛ إذ إن القوى العسكرية الكبرى الأخرى، مثل الصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا، لديها مجتمعة 31 قاعدة أجنبية فقط حول العالم.
وتُبقي واشنطن ما بين 150 و200 ألف جندي في قواعدها الخارجية، ويتغير هذا الرقم تبعًا لتورط الولايات المتحدة في نزاعات عسكرية خارجية، كما تختلف أعداد القوات الأمريكية من وقت إلى آخر وفقًا للتغيرات في مواقفها من قضايا مختلفة. ولا تسمح الطبيعة السرية لبيانات نشر القوات في بعض المناطق بوجود أرقام دقيقة للأعداد الإجمالية، كما لا تُعرف في كثير من الحالات طبيعة مهامها.
في الوقت ذاته، تنفق واشنطن على جيشها أكثر مما تنفقه الدول العشر التالية لها مجتمعة، وانعكس ذلك في بقاء أمريكا في حالة حرب مستمرة، بشكل أو بآخر، طوال معظم الفترات منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية رسميًا عام 1945.
***
لم يعنِ النهج الانعزالي الأمريكي البقاء داخل الحدود؛ إذ إنه بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865، بدأ الأسطول العسكري الأمريكي الإبحار حول العالم تحت ذريعة حماية المصالح التجارية والتجار الأمريكيين، فحاربت أمريكا في شرق آسيا، من الصين وكوريا واليابان والفلبين، مرورًا بليبيا والجزائر في البحر المتوسط، وانتهاءً بأغلب جزر البحر الكاريبي، وبخاصة كوبا وهايتي، ثم حاربت في هندوراس ونيكاراغوا وبنما وكولومبيا، وذلك قبل دخولها الحرب العالمية الأولى رسميًا عام 1917.
وعقب الحرب العالمية الثانية، التي دخلتها أمريكا رسميًا عام 1941، لم تتوقف مغامراتها وحروبها في أصقاع العالم؛ فشاركت في حربين كبيرتين في شرق آسيا: الحرب الكورية التي انتهت عام 1953، وحرب فييتنام التي انتهت عام 1975 بهزيمة كبيرة وانسحاب أمريكي مهين. وقد تصور كثير من الساسة الأمريكيين أن هزيمة بلادهم في فييتنام كفيلة بكبح جماح مغامراتها العسكرية في الخارج، لكن النخبة العسكرية انشغلت، في الوقت ذاته، بالبحث عن حرب جديدة والانتصار فيها لإعادة الاعتبار للقوة العسكرية الأمريكية التي اهتزت كثيرًا، وشكك فيها العالم وكثير من الأمريكيين.
وسريعًا دخلت أمريكا في مغامرات عسكرية خاطفة في كثير من الدول، منها غرينادا ولبنان وإيران وكوسوفو وهايتي، ثم خاضت حروبًا في منطقة الخليج منذ تسعينيات القرن الماضي ضد العراق، قبل أن تقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، ويُقتل نحو 3 آلاف أمريكي داخل الأراضي الأمريكية. فما كان من واشنطن إلا بدء فصل جديد من حروبها يختلف عما سبقه؛ إذ أصبحت «الحرب الأمريكية على الإرهاب» غير محددة بنطاق زمني أو حدود جغرافية، وبقيت أمريكا متورطة في أفغانستان والعراق طوال عقدين من الزمن دون تحقيق النصر المطلوب.
وتشير دراسة عسكرية إلى أن انفتاح شهية الدولة الأمريكية على الحروب منذ نشأتها أدى إلى وجود 17 عامًا فقط، على مدار التاريخ الأمريكي، غاب فيها تورط الجيش الأمريكي في مغامرات عسكرية خارجية. ويمثل ذلك نسبة 7% فقط من التاريخ الأمريكي، أي إن أمريكا كانت منخرطة في صراعات عسكرية خارجية طوال 93% من تاريخها.
***
تبرر النخبة الأمريكية احتفاظ بلادها بهذا الوجود العسكري العالمي لأسباب مختلفة، أهمها ردع الخصوم المحتملين، وبخاصة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، بمعنى أن أي مبادرة بالعدوان ستواجه برد أمريكي فوري دون الحاجة إلى إرسال قوات عبر المحيطات. ويرددون كذلك أن انتشار قوات أمريكا حول العالم في قواعد معروفة يعني أن الولايات المتحدة يمكنها الاستجابة بسرعة للأزمات أو النزاعات أو الكوارث الطبيعية، في حين يعكس انتشار القواعد التزامات التحالفات العسكرية للولايات المتحدة، التي تربطها معاهدات دفاعية رسمية مع عشرات الدول، على رأسها دول حلف الناتو، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن تشكيل صورة متكاملة لفهم نهم أمريكا للحروب والانتشار العسكري حول العالم دون التطرق إلى طبيعة «المجمع الصناعي العسكري». فبعد فترتي حكم امتدتا من عام 1953 إلى 1961، حذر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خطابه الوداعي، من «النفوذ الذي لا مبرر له، سواء كان مطلوبًا أو غير مطلوب، من المجمع الصناعي العسكري»، وقصد بذلك التحالف بين المؤسسة العسكرية الضخمة، ممثلة في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وكبرى شركات الصناعات العسكرية والتكنولوجية.
***
ومع اتجاه الأنظار إلى التركيز على الحرب الأمريكية، بمشاركة إسرائيل، ضد إيران، يبدو الظرف مناسبًا لطرح سؤال أولي حول جدوى ومستقبل وجود قواعد واشنطن في منطقتنا العربية. فهذه القواعد لم تُجنّب دول الخليج التعرض لهجمات صاروخية وجوية هي الأولى من نوعها في تاريخها، بل ربما كانت دافعًا لتلقي تلك الهجمات.
إلا أن السؤال الأكثر أهمية يبقى حول وجهة حرب أمريكا القادمة: أين؟ ومتى؟ إذ تثبت الحرب على إيران أن شهية أمريكا للقتال لم تنضبط بعد إخفاقها في حربي أفغانستان والعراق، وهو ما يؤكد أن الحروب الأمريكية لن تتوقف عن تجديد نفسها في أي وقت قريب.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
