في اليوم الأربعين توقفت الحرب العسكرية، وحلت محلها حرب اقتصادية لا تقل عنها تدميراً وتأثيراً في رسم الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط وحتى على مستوى العالم. اكتشفت إيران أن اغلاقها لمضيق هرمز، كان أمضى سلاح ردع لديها، وأكثر فعالية من الصواريخ والمسيّرات. بدوره، اكتشف ترامب أن الحصار البحري الأميركي للموانىء الإيرانية الذي بدأ في 13 نيسان/أبريل، قد يوفر له رافعة أكثر جدوى من العمليات العسكرية، للضغط على القيادة في طهران، للتقدم بأفكار أكثر مرونة للتوصل إلى تسوية.
كل المقترحات المتبادلة بين أميركا وإيران بواسطة باكستان، تمر بمضيق هرمز. هناك خلاف على ادراج الأولويات في التفاوض. إيران تريد البدء من المضيق والحصار البحري قبل التطرق إلى الملف النووي، بينما يريد ترامب تسوية نووية أولاً تتضمن موافقة إيرانية على تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً على الأقل، حتى تأتي مختلفة عن الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمه الرئيس الديموقراطي باراك أوباما. وليس من المبالغة القول إن العداء الذي يكنه ترامب للديموقراطيين يفوق عداءه لإيران. برز ذلك أيضاً في السجالات بين السيناتورات الديموقراطيين ووزير الحرب بيت هيغسيث بعد مرور شهرين على الحرب. وكي يتجنب ترامب الحصول على تفويض باستخدام القوة من مجلس الشيوخ، بات يستخدم مصطلح العمليات العسكرية في إيران وليس الحرب.
وتبقى المعضلة الرئيسية الآن، هي أن من يملك القدرة على تحمل الخسائر أكثر من جراء الحصار البحري وإغلاق المضيق، يستطيع أن يتحكم ببنود أي اتفاق مستقبلي. يوجد إصرار إيراني على تضمين الاتفاق، فرض رسوم على السفن العابرة للممر الجغرافي، خلافاً لما كان سائداً قبل الحرب. بالمقابل، ترفض أميركا المطلب الإيراني وتتمسك بالفتح الفوري للمضيق، علماً بأن ترامب كان طرح أول الأمر فكرة تقاسم الرسوم مع إيران، قبل أن يتراجع عنها تحت إصرار دول الخليج العربية على رفض الفكرة. وأكثر من مرة أشار الرئيس الأميركي إلى مضيق هرمز باسم “مضيق ترامب”، في اختبار لما يمكن أن تكون عليه ردود الفعل. والرئيس الأميركي مولع باطلاق اسمه على الأماكن في الولايات المتحدة وخارجها.
ومهما كان الوضع الذي سيرسو عليه مضيق هرمز في نهاية الحرب، من الصعب عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 28 شباط/فبراير الماضي. والترتيبات الجديدة في هرمز، لا بد وأن تنعكس على مضائق جغرافية أخرى في العالم، مثل مضيق ملقا الفاصل بين المحيطين الهادىء والهندي ومضيق تايوان، ومضيق جبل طارق.
وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق أميركي-إيراني في شأن “الحصار” و”الإغلاق” و”النووي”، فإن دول الخليج شرعت في التفكير في بدائل. وأتت أولى الظواهر الجيوسياسية من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي انسحبت من منظمتي “أوبيك” و”أوبيك-بلاس” في وقت سابق من الأسبوع، وسط تكهنات باحتمال انسحابها من مجلس التعاون الخليجي ومن جامعة الدول العربية. هناك دول خليجية أخرى، ستجد أنه لا بد من ابرام اتفاقات مع طهران، لأن شق الطرق البديلة لتصدير الطاقة تحتاج إلى سنوات، ولأن هذه الطرق يجب أن تكون بمنأى عن هجمات إيرانية. وبحسب ، نائب المبعوث الأميركي الخاص السابق لإيران ريتشارد نيفيو، فإنه “كلما طال أمد هذا (الوضع)، زادت احتمالات أن تتطلع الدول إلى حماية مصالحها الاقتصادية الخاصة وعقد صفقات مع الإيرانيين، حتى لو أثار ذلك غضب الولايات المتحدة”.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت مجلة “الأتلانتيك” الأميركية ترجح “حصول تغيير في الجغرافيا الاقتصادية للخليج إلى الأبد”. وقال المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد هاس: “حتى لو لم تكن لإيران سيطرة صريحة (على المضيق)، فهناك دائماً الآن قدر ضمني من السيطرة.. ومن مفارقات هذه الحرب أن إيران اكتشفت أن لديها هذا السلاح. كان هناك الكثير من الحديث عن القدرة النووية، لكن لديهم مضيق”.
لكن المسؤول السابق عن شؤون الخليج في وزارة الدفاع الأميركية ديفيد دي روش، لا يتفق مع هذا الرأي، إذ يقول إن “إيران تمكنت من خلق أزمة ثقة في السوق. لكن التعطيل لا يعني السيطرة.. وبعد الحصار البحري الأميركي، فإن (طهران) تواجه المحاسبة”. وهنا، تنسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية إلى محللين أن الحصار البحري الأميركي، جعل إيران تسعى إلى حل سياسي مع أميركا، لأن الحصار أوجد ثغرة في الاستراتيجية التي اتبعتها منذ نحو نصف قرن في ما يتعلق بنجاحها في الالتفاف على العقوبات الأميركية ومواصلة تصدير نفطها. ولا ترى أن الطرق البديلة ستكون كافية، في وقت تعمل إيران على تصدير جزء من نفطها إلى الصين بواسطة السكك الحديد، واستيراد المواد الغذائية من طريق القوقاز وباكستان. وبحسب رابطة الشحن الإيرانية، فإن 40 في المئة فقط من صادرات البلاد، يمكن تحويلها من الموانىء المحاصرة إلى منافذ أخرى. وفقدت العملة الوطنية الإيرانية نصف قيمتها منذ نحو عام. لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أكد أن طهران ستجد قريباً وسائل “لتحييد القيود” الأميركية.
ويرى الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية حميد رضا عزيزي، أن “صانعي القرار الإيرانيين سيجدون قريباً أن تجدد الصراع، أقل كلفة من الاستمرار في تحمل الحصار الطويل الأمد”. وقد تلجأ إيران إلى ردود مختلفة، بينها سد مضيق باب المندب بواسطة الحوثيين، أو مهاجمة السفن الأميركية من غواصات، أو أن تعمد إلى تنفيذ تهديد الحرس الثوري بقطع كابلات الإنترنت في مضيق هرمز، الأمر الذي قد يتسبب بتعطيل البنى التحتية للاتصالات في المنطقة.
وفوق هذا، قد لا يحصل ترامب على الجواب الذي ينتظره من إيران بالسرعة الكافية. وماذا لو استغرق الأمر أشهراً أو حتى سنوات، مما سيحدث تغيراً في أولويات الصراع لدى الولايات المتحدة ويدفعها إلى الاحتفاظ بقوة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، على حساب مناطق أخرى مضطربة أو مرشحة للاضطراب. ويوجد الآن ما لا يقل عن 21 سفينة أميركية في المنطقة، وهو الحشد الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. وأقر القائم بأعمال مراقب البنتاغون جولز هيرست، أمام الكونغرس، الخميس الماضي، أن كلفة الصراع بلغت حتى الآن 25 مليار دولار. أما النائب الديموقراطي رو خانا، فكشف أن الحرب ستكلف الأسرة الأميركية 5000 دولار سنوياً نتيجة لزيادة أسعار الطاقة والغذاء. وهوت نسبة تأييد ترامب إلى 34 في المئة، وفق استطلاع أجرته “رويترز/إيبسوس” في وقت سابق من الأسبوع. وقالت وكالة الطاقة الدولية، إن العالم يقف على حافة “أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ”.
وفي ظل هذه المناخات من الاحتدام، لم تنقطع خيوط الاتصالات وتبادل الاقتراحات. وبرزت مرونة إيرانية في آخر اقتراح نقلته إسلام آباد إلى واشنطن، إذ تضمن البدء في مناقشة شروط طهران لفتح مضيق هرمز مع الحصول على ضمانات بعدم شن هجمات أميركية وبانهاء الحصار على الموانىء الإيرانية. وفي الاقتراح السابق، اشترطت إيران رفع الحصار الأميركي والموافقة على انهاء الحرب قبل الدخول في الحديث حول مستقبل ادارة المضيق أو مناقشة البرنامج النووي. لكن الاقتراح الإيراني الجديد لم يحز على رضا ترامب.
والسؤال المركزي: هل تنتهي الحرب بهرمز، كي يكون “مضيق إيران” أم “مضيق ترامب”؟
