الجذور الإيرانية للفستق.. وكيف تحتكر أميركا “الذهب الأخضر” لمصلحة إسرائيل؟

لقرون عدة، كان الفستق منتجاً إيرانياً وشرق أوسطياً بامتياز، يحمل ثقلاً ثقافياً واقتصادياً لا مثيل له. أما اليوم، فقد تحطم هذا التفوق التاريخي ليحل محله احتكار أميركي يهيمن على السوق العالمية. لكن التحول من الهيمنة الإيرانية إلى التفوق الكاليفورنيّ لم يكن مجرد تطور زراعي؛ بل كان إعادة تشكيل بنيوية للتجارة العالمية مدفوعة بالاستحواذ على الأصول الجينية الإيرانية، وتوظيف العقوبات الاقتصادية، وتكريس احتكار رأسمالي تصب أرباحه في شرايين التحالف الأميركي-الإسرائيلي.

لفهم حجم السطو الجيوسياسِيّ، يجب أن ندرك القيمة الجوهرِيَّة لهذه الثمرة. الفستق ليس مجرد سلعة زراعية، بل هو “كتلة مكثَّفة للطاقة” يمتلك ملفاً كيميائياً حيوياً شديد التعقيد والغنى. من منظور علم التغذية والكيمياء، تمتلئ هذه الحبات بالمركبات الفينولية، والستيرولات، ومضادات الأكسدة التي تشكل درعاً خلوياً ضد الإجهاد التأكسدي والالتهابات.

يوفر المعيار الغذائيّ العالمي (100 غرام، أو حوالي 173 حبة) ما يقارب 21 غراماً من البروتين النقي الذي يزود الجسم بجميع الأحماض الأمينيَّة الأساسية، إلى جانب أكثر من 1058 ميلليغراماً من البوتاسيوم والمغنيسيوم. كما تتميز بديناميكا دهنية فريدة؛ فهي خالية تمَامًا من الكوليسترول والدهون المتحولة، وتحتوي بدلاً من ذلك على توازن دقيق من الدهون الأحادية والمتعددة غير المشبعة، والتي تعمل كيميائياً على خفض الكوليسترول الضار (LDL) وحماية القلب. وبفضل مؤشرها الجلايسيمي المنخفض، تعمل كمنظم حيوي لسكر الدم وقد تساعد في تجديد الخلايا.

ثمرة مقدسة

هذه الكثافة الغذائية والخصائص العلاجية لم تكن غائبة عن فطرة العالم القديم؛ بل كانت محاطة بهالة من القداسة والأساطير. يُعتقد في التراث الشعبي أن الفستق هو أحد الأطعمة التي جلبها آدم معه إلى الأرض وزُرعت في جنة عدن، وهو، إلى جانب اللوز، النوع الوحيد من المكسرات المذكور صراحة في العهد القديم. كما تشير السجلات التاريخيّة إلى أن أشجار الفستق كانت تُزرع في حدائق بابل المعلقة حوالي عام 700 قبل الميلاد.

وفي العصور القديمة، ارتبط الفستق بالطب والرومانسية؛ ففي روما القديمة استُخدم كعلاج شعبي لأمراض تتراوح من وجع الأسنان إلى تلف الكبد. وكان صوت “تشقق” قشور الفستق يُعتبر فألاً حسناً للعشاق، لارتباطه بخصائص منشطة، مما دفع الأزواج للجلوس تحت أشجاره للاستماع إلى صوت التشقق كضمان لعلاقة سعيدة. لكن المفارقة الأكبر تكمن في قصة ملكة سبأ؛ حيث تقول الأساطير إنها عشقت الفستق لدرجة أنها أعلنته “طعاماً ملكياً حصرياً”، وحرّمت على العوام زراعته أو تناوله. هذا “الاحتكار الملكي” القديم كان مجرد مقدمة مبكرة لـ”الاحتكار الرأسمالِيّ” الحديث.

بذور كرمان والصبغة الحمراء

تبدأ قصة الاحتكار الأميركي بمفارقة غالباً ما يتم تجاهلها: الإمبراطورية الزراعية الأميركيّة الحالية مبنية حرفياً على الحمض النووي الإيراني. في العام 1929، جلب عالم النبات الأميركي ويليام إي. وايتهاوس بذوراً من بساتين عائلة “أغاه” في محافظة كرمان الإيرانية إلى كاليفورنيا. أثبتت بذرة واحدة نجاحها، وأُطلق عليها تسمية (أو صنف) “كرمان” (Kerman)، والذي يشكل اليوم الغالبية الساحقة من الإنتاج الأميركي.

في البدايات، وقبل أن تتقن أميركا زراعته بالكامل، كانت تلجأ لأساليب تسويقية خادعة. إذا كنت تتذكر رؤية الفستق بلون أحمر زاهٍ في الولايات المتحدة، فالسبب كان إخفاء البقع القبيحة على قشوره الناتجة عن تقنيات الحصاد القديمة. ساعدت الصبغة الحمراء في إخفاء هذه العيوب ولفت انتباه المستهلكين أمام آلات البيع. لكن هذا التسويق التجاري سرعان ما تحول إلى هيمنة عالمية بفضل السياسة.

“المقايضة” السوريالِيّة

لم تزدهر صناعة الفستق الأميركيّة إلا كنتيجة مباشرة لأزمة الرهائن الأميركيين في إيران عام 1979. قبل الثمانينيات، كانت إيران الحاكم المطلق لسوق الفستق العالمي، لكن الأزمة دفعت واشنطن لفرض حظر تجاري صارم، تُوِّجَ بفرض رسوم جمركيّة لمكافحة الإغراق بنسبة 241% في عام 1986، ما أدى إلى طرد الفستق الإيراني من الأسواق الأميركية.

اليوم، خلقت العقوبات الدولية واقعاً اقتصادياً سوريالِيًّا في إيران. فبسبب انهيار العملة، أصبحت شركات السيارات الإيرانية تستخدم الفستق كـ”عملة فعلية”. نظراً لأن الفستق مُعفى من بعض العقوبات. تشتري شركات صناعة السيارات كميات هائلة من المزارعين وتصدرها إلى الصين في نظام مقايضة “المكسرات مقابل قطع الغيار”، لتأمين المكونات اللازمة لصناعة السيارات.

دعم الجيش الإسرائيلي

بينما كانت بساتين “كرمان” تموت عطشاً نتيجة الجفاف، كانت شركة “وندر فول” (The Wonderful Company)، إمبراطورية الأعمال الزراعية المملوكة للمليارديرين الأميركيين ستيوارت وليندا ريسنيك تملأ الفراغ الإيراني. لم تعتمد هيمنة آل ريسنيك على مجرد زراعة الأشجار، بل ارتكزت على استراتيجية قاسية لـ”خصخصة المياه” في ولاية كاليفورنيا التي تعاني من جفاف مزمن. من خلال الاستحواذ المثير للجدل على حصة الأغلبية في “بنك كيرن للمياه” (Kern Water Bank) – وهو أحد أكبر منشآت تخزين المياه الجوفية في الولاية – تمكنت هذه العائلة من تأمين مليارات الغالونات لري المحاصيل الشرهة للمياه. وفي حين كانت المجتمعات المحليّة والآبار المجاورة تجف، ضمن آل ريسنيك ري إمبراطوريتهم التي باتت تسيطر الآن على نحو 75% من سوق الفستق الأميركي.

لكن الثروة الهائلة المتولَّدة من هذا الاحتكار الزراعي والمائي، في سوق عالمية تقدر بمليارات الدولارات، تحمل أبعاداً جيوسياسِيَّة خطيرة تتجاوز حدود كاليفورنيا. فآل ريسنيك ليسوا مجرد أباطرة زراعة يبحثون عن الربح المادي، بل هم جزء من شبكة نفوذ وتمويل سياسي وعسكري واسعة.

إقرأ على موقع 180  "الأزمات الدولية" عن اليمن وليبيا والسودان وفلسطين والصومال: حروب وإنتخابات!

يُصنف آل ريسنيك مانحين رئيسيَّين يوجهون جزءاً من أرباحهم المتراكمة لدعم العمليات والمؤسسات العسكريّة الإسرائيلية، حيث تظهر السجلات الضريبية ضخهم ملايين الدولارات لمنظمة “أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي” (FIDF)، وهي الجهة المسؤولة عن توفير الدعم المالي واللوجستي المباشر للجنود والوحدات العسكريّة.

ولا يتوقف هذا الدعم عند التبرعات المباشرة، بل يمتد بعمق لتمويل البنية التحتية التكنولوجِيَّة والصناعية للحرب. في خطوة استراتيجية بارزة، قدم آل ريسنيك منحة تاريخية بقيمة 50 مليون دولار لمعهد التخنيون (Technion) – معهد إسرائيل للتكنولوجِيّا. وبرغم الترويج لجزء من هذه المنح تحت غطاء “الاستدامة والتكنولوجيا النظيفة”، إلا أن معهد التخنيون يُعرف عالمياً بأنه العمود الفقري التكنولوجِيّ لقطاع الدفاع الإسرائيلي، حيث تُطوَّر مختبراته أنظمة توجيه الصواريخ، وتكنولوجِيَّة الطائرات بدون طيار، والتقنيات المعقَّدة التي تستخدمها الصناعات العسكريّة الإسرائيلية في العمليات الحربية.

الواقع الاقتصادي والسياسي الناتج يمثل حلقة مغلقة ومخيفة من استغلال الموارد: ثمرة ذات قيمة غذائية وكيميائية حيوية هائلة، تم تفريغ محتواها الجيني من الشرق الأوسط، ثم استُخدمت العقوبات الأميركيّة القاسية لكسر شوكة مصدّريها الأصليين وإخراجهم من المنافسة. في الوقت نفسه، يتم توجيه جزء أساسي من أرباح مليارات الدولارات الناتجة عن احتكار أميركا واستيلائها على هذه الحصة السوقية (استنزاف المياه المحليّة في كاليفورنيا)، لدعم الآلة العسكريّة والعمق التكنولوجِيّ-الدفاعي لدولة الاحتلال الإسرائيلي. ما بدأ في العصور القديمة كحكاية رومانسية وعلاج طبيعي متجذر في ثقافة الشرق الأوسط، انتهى به المطاف اليوم كـ”طاحونة جيوسياسِيَّة” رأسمالِيَّة تسحب المياه من أراضي أميركا لتموّل حروب الشرق الأوسط المعاصرة.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": غزة 2024 أشبه بلبنان 1982.. حرب بلا نهاية