الطاولات غير المتجانسة، الكتب المكدّسة منذ سنوات، والجدران المطلية بألوان دافئة ورسومات بسيطة.. كأنها مقتطفات من أفكار لم يجرؤ أحد على كتابتها، أو حكايات نُسيت في الزوايا. الضوء ينكسر من النوافذ العالية، يرسم ظلالًا على الأرض، ويمنح المكان ذلك الشعور الغامض بين الحنين والانتظار.
الزجاج الأمامي مبلل بالمطر، والداخل يحتضن زبائن هادئين، بعضهم يسجل ملاحظات او خربشات، آخرون يراقبون العالم بصمت، كأنهم يحاولون فهم مدينة ممزقة.. أو أنفسهم. على الطاولات تتراكم القصص اليومية، ومع كل فنجان قهوة، يولد عالم صغير من الأفكار.
مرّت من هنا حروب، جلس على طاولاته مقاتلون، وتركوا أثرهم في الشروخ، في الخشب، في الكتب التي لم تُقرأ حتى النهاية. هنا اجتمع المختلفون، ضحكوا، تخاصموا، خططوا، أو هربوا من خوفهم، تاركين خلفهم لحظات لا تُنسى أو لم تُفهم بعد.
الجميل هنا، أنّه يمكنك أن تجلس بلا انتماء، أن تفكر بلا حكم، تنتظر الأجوبة الضائعة للأسئلة المبهمة، وأن تراقب العالم كما هو، غامضًا، متناقضًا، وقريبًا بشكل مؤلم.
في الزواية البعيدة يجلس رجل، كأن المكان اختاره لا العكس. كرسي خشبي لا يمنح راحة كاملة، يزعجه في كل مرة، ومع ذلك يعود إليه بانتظام؛ كأن بعض الأماكن، مثل الحقيقة، تؤلمك وتبقى. يرتشف قهوته ببطء، كأنه يؤجل فكرة، أو يتجنب أن يصل إلى نفسه بسرعة. ينظر إلى المطر، إلى الوجوه، إلى انعكاسه على الزجاج، انه آخر الصامتين من الرفاق، منهم من سقط اغتيالاً ومنهم من اختار المنفى وهو انقطعت به السبل فلم يصل الى وجهته النهائية فظل عالقاً. هنا خلقت أفكار وهنا أيضاً هُزمت وهَزمت أصحابها بعد أن خفّت حماستهم وزاد صمتهم.
النقاشات التي تملأ المكان لا تختلف كثيرًا منذ سنوات. يتغير الأشخاص وتبقى الشعارات نفسها. لبنان الدولة ولبنان الحالة أو الواقع، لبنان الذي يُطلب منه أن يقاتل، ولبنان الذي يريد فقط أن يعيش .كل طرف يتهم الآخر بالولاء للخارج وكل صوت يدّعي امتلاك الحقيقة.
حتى صار الوطن نفسه مجرد حجة في شجار طويل. أيُّ وطنٍ هذا الذي يُستخدم أكثر مما يُحب؟ في الجنوب، لا يبدو الوطن فكرة بل أثرًا. بيوت مفتوحة على الغياب، وطرقات تحفظ أسماء من لم يعودوا بعد، وأشياء صغيرة تُركت كما هي، كأن أصحابها خرجوا على عجل أو على أمل.
فنجان لم يُغسل، كتاب لم يُغلق، صورة تنتظر من يعود إليها. النزوح ليس انتقالًا بل اقتلاع بطيء. أن تحمل بيتك في ذاكرتك، ثم تكتشف أن الذاكرة لا تصلح للسكن.
في هذا البلد، الكلمات الكبيرة لم تعد بريئة، الولاء، الخيانة، الشهادة، الحرية. لم تعد تُفهم.
الشهادة، متى تكون تضحية، ومتى تتحول إلى ضرورة مفروضة؟
الخيانة، هل هي موقف، أم تهمة جاهزة لكل من لا يشبهنا؟
الولاء، هل هو انتماء، أم خوف مقنّع من أن نكون وحدنا؟
الحقيقة أن الجميع يدافع، لكن ليس عن أفكاره فقط، بل عن خوفه.
الخوف من الضياع، من أن يُمحى، من أن يكتشف أن كل هذا الصراع لم يمنحه المعنى الذي وعد به. وسط هذا كله، تبقى التفاصيل الصغيرة أكثر صدقًا من كل الخطابات.
فنجان قهوة يبرد، رسالة لا تُرسل، ضحكة تأتي في غير مكانها، نظرة طويلة نحو شارع لا يؤدي إلى مكان. هذه الأشياء لا تسأل عن موقفك، لا تتهمك، لا تطلب منك أن تختار.
هي فقط تهمس لك :ما زلت حيًا.
السؤال، هنا، لا يبحث عن جواب: هل نعيش لنحارب، أم نحارب لأننا لم نتعلم كيف نعيش؟
ليس السؤال من منا على حق، بل كيف يمكن لإنسان أن يبقى إنسانًا، في مكان يطلب منه، كل يوم، أن يختار بين أن يكون قاتلاً أو مقتولاً.
المطر يستمر والمقهى يزداد هدوءًا، والمدينة، خلف الزجاج، لا تبدو منهارة.
تبدو مدينة مؤجَّلة.. على هيئة حياة.
