في جنوب لبنان.. FPV أخطر من الترسانة الإسرائيلية!

18018012/05/2026
يتناول تقرير كتبه الزميل ياسر منّاع من أسرة "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية" (مدار) ظاهرة المسيّرات الانقضاضية التي يستخدمها حزب الله في الحرب التي انخرط فيها في مطلع أذار/مارس 2026، وخصوصًا مُسيّرات الرؤية من منظور الشخص الأول المعروفة باسم FPV، أي (First Person View)، والموجّهة بالألياف البصرية، وهي عبارة عن سلاح منخفض الكلفة يضغط على الجيش الإسرائيلي، ويختبر قدرته على التكيّف مع نمط حرب يتطور بسرعة تفوق وتيرة تحديث منظوماته الدفاعية.

تعود فكرة التوجيه عبر الألياف البصرية إلى أبحاث أميركية ظهرت منذ عام 1978 حول صواريخ ذكية تستخدم كاميرا أمامية وأليافًا تنقل الصورة وتصحيحات المسار. وفي عام 1984 اختُبر صاروخ FOG-M، وأثبتت التجربة أن ربط السلاح بالمشغّل عبر ألياف بصرية يمنح قدرة دقيقة على التوجيه بعد الإطلاق. بالتالي، ظهرت الفكرة أولًا في عالم الصواريخ الموجّهة، ثم عادت بعد عقود بصيغة أخف وأرخص وأكثر قابلية للانتشار عبر مسيّرات FPV صغيرة وقاتلة.

منحت الحرب الروسية–الأوكرانية هذا السلاح نطاقه العالمي، إذ أكد “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” في 5 شباط/فبراير 2024 أن مسيّرات FPV أصبحت منذ النصف الثاني من عام 2023 سلاحًا شائعًا ومؤثرًا في الجبهة الأوكرانية بسبب سرعتها ودقتها ورخصها وسهولة تشغيلها. وقد استخدمت روسيا في ربيع 2024 مسيّرات موجّهة بالألياف البصرية، ثم دفع الأوكرانيون بنماذج مشابهة إلى الجبهة في نهاية العام نفسه.

في العقد الأخير استخدمت إسرائيل مسيّرات FPV بشكل محدود لتحييد بالونات الحرق القادمة من قطاع غزة. وفي 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 استخدمت حركة حماس المسيّرات في ضرب وسائل المراقبة ومراكز الاتصال والطاقة على الحدود، ثم في الاستطلاع ومهاجمة الجيش الإسرائيلي. وفي الحرب داخل غزة استخدم الجيش الإسرائيلي المسيّرات أساسًا لمسح المباني والأنفاق.

سلاح صغير يربك جيشًا كبيرًا

تكمن خطورة مسيّرات FPV في أنها تجمع بين البساطة التقنية والأثر العملياتي الكبير. فقد رأى “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” في 5 شباط/فبراير 2024 أن هذه المسيّرات صغيرة وسريعة ودقيقة وقاتلة، ويمكن شراؤها أو تركيبها من قطع تجارية متاحة.

تبلغ كلفة مسيّرات FPV بضع مئات من الدولارات فقط، وهذا ما يمنحها أهميتها الاستراتيجية. إذ يمكن شراؤها من متاجر الإلكترونيات أو عبر الإنترنت من دون ترخيص أو رقابة صارمة، وفق المعهد. وإلى جانب النماذج التجارية، تنتشر مسيّرات مصنّعة ذاتيًا بتكلفة مشابهة، يركّبها المشغّلون من قطع منفصلة متاحة في السوق المدنية.

جاءت هذه المسيّرات أصلًا من عالم سباقات المسيّرات، ولذلك صُمّمت للسرعة والمناورة والدخول في مسارات ضيقة. كما تستطيع بعض النماذج الطيران بسرعة تقترب من 200 كيلومتر في الساعة، والدخول من فتحات محدودة، وملاحقة أهداف متحركة، وضرب نقاط الضعف في الدبابات والمواقع العسكرية. وهنا لا تحتاج المسيّرة إلى رأس حربي كبير، لأن دقتها العالية تجعل عبوة صغيرة كافية لإحداث ضرر مباشر ومركّز.

يقود المشغّل المسيّرة من منظور الشخص الأول عبر كاميرا أمامية ونظارات رؤية، فيرى الطريق إلى الهدف كما لو أنه داخل جسم المسيّرة نفسها. وبحسب المعهد، يمنح هذا النمط المشغّل قدرة عالية على التحكم بالمسار وتعديل الاتجاه في اللحظة الأخيرة، سواء ضد أهداف ثابتة أو متحركة. وتحمل بعض النماذج شحنات متفجرة تتراوح غالبًا بين 1 و6 كيلوغرامات، بينما يصل متوسط الحمولة في نماذج أخرى إلى نحو 2.5 كيلوغرام.

تضيف النسخ الموجّهة بالألياف البصرية مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة. فقد أوضحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 1 أيار/مايو 2026 أن هذه المسيّرات تتصل بالمشغّل عبر كابل ألياف رفيع يتحرر من بكرة مثبتة على المسيّرة أثناء الطيران. لذلك، لا تعتمد على ترددات الراديو، ولا تستطيع منظومات التشويش التقليدية تعطيلها بسهولة. كما تعجز المنظومات التي تبحث عن البث اللاسلكي عن التقاطها، فيما يصل مدى بعضها إلى 15–20 كيلومترًا، بينما تشير تقديرات أخرى إلى مدى أكثر شيوعًا يتراوح بين 10 و15 كيلومترًا.

جنوب لبنان بوصفه مختبرًا جديدًا للحرب

في الحرب على لبنان عام 2026 أدخل حزب الله المسيّرات الانقضاضية ومسيّرات FPV إلى المعركة بوصفها أداة عملياتية ذات أثر استراتيجي، تجمع بين الاستطلاع الدقيق والاستهداف المباشر. واستخدم الحزب هذه الطائرات لجمع المعلومات ورصد حركة الجيش واستهداف الجنود والآليات والمعدات الهندسية الإسرائيلية. وقد استفادت هذه المسيّرات من صغر حجمها، وانخفاض بصمتها الرادارية، وقدرتها على التحليق المنخفض داخل تضاريس جنوب لبنان المعقدة، الأمر الذي جعل اكتشافها واعتراضها مهمة أكثر صعوبة على الجيش الإسرائيلي.

وقد زاد وقف إطلاق النار وظهور نطاق “الخط الأصفر” من حساسية هذا التهديد. فقد عرضت i24NEWS في 28 نيسان/أبريل 2026 المسيّرات بوصفها عامل استنزاف للجيش الإسرائيلي العامل داخل جنوب لبنان، حيث تتحرك الفرق الإسرائيلية داخل نطاق مكشوف، بينما يستطيع حزب الله تشغيل مسيّرات صغيرة يصعب رصدها واعتراضها.

إخفاق المعرفة قبل إخفاق التكنولوجيا

تكشف النقاشات الإسرائيلية أن المشكلة لا تكمن في الجهل الكامل بالتهديد. فقد نقلت “يديعوت أحرونوت” في 1 أيار/مايو 2026 اتهام مسؤول أمني بأن الجيش الإسرائيلي “نام واقفًا” عامًا ونصف العام أمام مسيّرات FPV، رغم وقوع هجمات كثيرة من هذا النوع منذ عام 2024. كما كشفت الصحيفة أن قيادة المنطقة الشمالية أنشأت في آذار/مارس 2024 “مدرسة متقدمة للمسيّرات”. لذلك، يبدو الإخفاق الإسرائيلي في جوهره إخفاقًا في تحويل المعرفة المسبقة إلى استعداد فعلي.

إقرأ على موقع 180  لماذا الأمة العربية ضد نفسها؟

في الآونة الأخيرة طُرحت في إسرائيل أربعة مسارات رئيسة لمواجهة مسيّرات حزب الله:

المسار الأول ميداني وفيزيائي، إذ ذكرت “يديعوت أحرونوت” في 30 نيسان/أبريل 2026 أن جنود الجيش الإسرائيلي بدأوا يركّبون شباكًا حول مركبات الهامر والآليات العسكرية بهدف التقاط المسيّرة قبل انفجارها فوق القوات. كما أقام الجيش عرائش حماية كبيرة فوق أماكن التمركز، فيما جرى النقاش حول فكرة استخدام أسلاك شائكة دوّارة لتقطيع الألياف البصرية التي تربط المسيّرة بالمشغّل، وهي فكرة مستلهمة من الحرب الروسية–الأوكرانية.

كما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية في 9 أيار/مايو 2026 أن الجيش الإسرائيلي أدخل خلال الأيام الأخيرة إلى لبنان مئات المناظير الذكية من طراز “خنجر” المخصصة للأسلحة الفردية، بهدف تحسين قدرة الجنود على إطلاق النار باتجاه المسيّرات في جنوب لبنان.

ولا تُعد هذه المناظير سلاحًا جديدًا داخل الجيش، لكنها كانت تُوزّع حتى الآن بصورة محدودة، وبالأساس على مقاتلي وحدات المشاة. أما في المرحلة الحالية، فقد بدأ الجيش توسيع استخدامها ميدانيًا، بالتوازي مع تنفيذ عمليات شراء إضافية منها لتوزيعها على نطاق أوسع.

المسار الثاني يرتبط بالكشف والإنذار المبكر، إذ عرضت النقاشات الإسرائيلية تجربة أوكرانية تقوم على نشر ميكروفونات ميدانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد طنين المسيّرات وإطلاق إنذار للقوات. وتجري دراسة إنشاء آلية إنذار مخصصة للجيش في الميدان، غير أن هذه الأدوات تبقى محدودة أمام مسيّرات سريعة ومنخفضة الارتفاع وموجّهة بالألياف البصرية.

كما درست المؤسسة العسكرية تحسين إجراءات الإبلاغ وتدريب الجنود على التعرف إلى صوت المسيّرات والتعامل معها كتهديد قاتل، إضافة إلى فكرة بناء منظومات كشف جديدة على مستوى الساحة وعلى مستوى الجندي الفرد.

المسار الثالث يتعلق بالاعتراض المباشر، إذ ذكرت القناة 12 في 28 نيسان/أبريل 2026 أن الجيش الإسرائيلي يدرس تزويد المقاتلين ببنادق “شوتغان” وبوسائل تصويب لمواجهة المسيّرات القريبة.

المسار الرابع هو مسار تكنولوجي أعلى مستوى. وقد أشار “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” في 29 نيسان/أبريل 2026 إلى أن التشويش الإلكتروني لا يكفي أمام المسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية، لأنها لا تعتمد على اتصال لاسلكي. لذلك، طرح المعهد استخدام مصادر إشعاع كهرومغناطيسي عالية القدرة أو مدافع ميكروويف لتعطيل الأنظمة الإلكترونية والكاميرات داخل المسيّرات.

كذلك، لا يظهر الحل في النقاش الإسرائيلي كحل عسكري أو تقني فقط. فقد رأت i24NEWS في 28 نيسان/أبريل 2026 أن إسرائيل تحتاج إلى غطاء دبلوماسي أميركي لتوسيع هامش ضرباتها الجوية والمدفعية في جنوب لبنان. ويهدف هذا التصور إلى دفع خلايا تشغيل المسيّرات بعيدًا من “الخط الأصفر” شمال الليطاني أو نحو البقاع، حتى لا يبقى الجيش الإسرائيلي داخل مدى مسيّرات FPV.

(*) المصدر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  وجهة نظر عبرية: خطر المواجهة يتصاعد بين واشنطن وطهران!