رُعاة البقر.. وتجاهل القانون الدولي

بعد تاريخ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تحوّلت غزة إلى مسرح صغير لجمهور واسع على مدى الكرة الأرضية، في مشهدية من البطش المتواصل الموجه ضد شعب عاش مرارة النزوح والمجازر مراراً وذاق مُرّها تكرارّاً.

أضحت غزة حقيقة فضّاحة تُمارس فعل التعرية اليومية لصورة العوالم الزائفة ومنظوماتها السياسية والحقوقية والقانونية. صارت غزة جرحاً في قلوب العالم، وصرخةً لمن يملك ضميراً حياً، وها هي غزة تكشف بشكل جلي الكثير من الحقائق الأخرى، ومنها دور وأهداف المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية.

سابقاً، كان للإنسانية صمّام أمان في أروقة المنظمات الدولية، ومنها ما يعرف بمفوضية الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، وعامودها الفقري المعاهدات الدولية والقانون الدولي العرفي. وكان هدف هذا القانون الذي مضى على تأسيسه أكثر من سبعة عقود حماية الإنسان في كل مكان.

وكانت اتفاقيات جنيف تُعتبر من أهم المعاهدات التي أبرمت ولحظة تاريخية للبشرية كونها معاهدة متعددة الأطراف دولياً وهدفها الرئيس الحد من وحشية الحروب عن طريق تنظيم النزاعات المسلحة وحماية الأشخاص والممتلكات خلال الحروب والنزاعات على قاعدة التمييز بين من يملك القوة وبين المدنيين العاجزين الذين لا يشاركون في الأعمال العسكرية.

وتنص اتفاقية جنيف على منع دول الاحتلال من احتجاز الاشخاص المحميين في منطقة مُعرّضة بشكل خاص لأخطار الحرب وأن يكون هناك هيئة إغاثة في كل دولة تقوم بنجدة ضحايا الحروب.

ومن المفيد في هذه المقالة استعراض بعض هذه الحقوق الإنسانية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف مثل الحقوق الشخصية وتشمل حرية التنقل وحق الأمن والمسكن وسريّة المراسلات، وهناك حق التملك وحرية التجارة وحقوق المرأة والطفل وحق الدفاع عن النفس والأوطان. وهناك حقوق متعلقة بالاحتياجات المادية للإنسان في حياتهم اليومية ومنها حق الملكية والمسكن والعمل والصناعة، وهناك الحقوق المعنوية المتعلقة بالفكر والعقيدة والرأي والتعبير والصحافة والتعليم. وكذلك الحقوق الجماعية، ومنها الحق في تقرير المصير وحقوق الأقليات وأسرى الحرب والجماعات النوعية مثل النساء وذوي الاحتياجات الخاصة.

إننا نجد هذه المنظمات الإنسانية الدولية في موقف قد يكون الأصعب في تاريخها كونها مهددة بفقدان مصداقيتها أمام الشعوب وخاصة في ممارسة ازدواجية المعايير تجاه الدول والشعوب، وثمة سؤال بارز: إذا خسرنا هذه المؤسسات من يحمي الإنسان من بطش “أخيه” الإنسان؟

تُبيّن هذه النصوص أن هناك مسؤولية على الدول الموقعة على معاهدة جنيف، ولا سيما حق التدخل لمناهضة كل محاولات التعسف وبالتالي انقاذ حياة الأفراد والجماعات التي تتعرض لإزهاق الأرواح والعيش بأمان وهو حق ملازم لكل بشري وعلى المجتمع الدولي المحمي بهذه البنود تطبيق القوانين أيضا بالطرق المشروعة.

وفيما يقول رئيس الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة فولكان بوزكير إن التجاهل الصارخ للقانون الإنساني “فاق كل الحدود”، يؤكد رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير أن اتفاقيات جنيف “تحمينا من وحشيتنا”، لكن ثمة شرخ بين ما يحدث على أرض غزة وبين هذه التشريعات والاتفاقيات الدولية.

في السابق، كان لهذه المنظمات الدولية الإنسانية وغيرها بعض هيبة وخصوصاً محكمة العدل الدولية كونها المكان المخوّل لتقديم الشكوى ضد المعتدي؛ إن كان الاعتداء صادراً عن دولة أو جهة ما ومن ثم المحاكمة عبر اصدار حكمها وقرارها بحق المُدان وانصاف المعتدى عليه، أما اليوم، فإننا نجد هذه المنظمات نفسها في موقف قد يكون الأصعب في تاريخها كونها مهددة بفقدان مصداقيتها أمام الشعوب وخاصة في ممارسة ازدواجية المعايير تجاه الدول والشعوب، وثمة سؤال بارز: إذا خسرنا هذه المؤسسات من يحمي الإنسان من بطش “أخيه” الإنسان؟.

هذا السؤال يطرح بقوة حق الدفاع عن النفس.. والمقاومة الذاتية.

تقول المخرجة والمذيعة الفرنسية البريطانية الدكتورة ميريام فرنسوا سيرا إننا في عالم مجنون بالنسبة لنا “فهناك مجاعة وشعب فقير وإبادة جماعية”، وبالإشارة إلى الدول الراعية للعدوان الحاصل تقول: لا تستطيعون أن تتجولوا وتلعبوا لعبة رعاة البقر في العالم وتتجاهلون القانون الدولي.

جهات ودول كثيرة ندّدت بتجاهل القانون الدولي ولو أنها في الباطن من مواقفها تسعى لشطب القضية الفلسطينة كونها تشكل عائقًا في وجه ما تسمى عملية السلام الإبراهيمية.

لا شك إن فقدان الثقة نتيجة ازدواجية المعايير وعدم تطبيق القوانين سيضع البشرية أمام احتمالية نظام عالمي مجهول الملامح؛ ففي حين تُموّل دول الغرب آلة القتل الصهيونية، يشهد العالم بأم عينه عبر وسائل الإعلام كافة العقاب الجماعي الذي يُفرض على قطاع غزة من خلال منع وصول الماء والغذاء والمواد الطبيّة ولوازم السكن والتدفئة وذلك خلافاً للقوانين التي اتفقت عليها الدول الموقعة على اتفاقية جنيف، ما يعني أننا أمام أزمة ثقة وأمام فجوة كبيرة قد تؤدي إلى تفلت محتمل في المستقبل المنظور في أماكن أخرى من العالم وتصيب حكومات وانظمة محلية وعالمية ليسود بعدها قانون الغاب.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  لو تكلّمت جدران بيروت!
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  الأقدار ترسم حدودنا.. من يقرأ الخرائط؟