يُعدّ “مقهى نيويورك” من أجمل مقاهي العالم، فهو تحفة فنية استثنائية صمّمها المهندس المعماري الشهير في عصره آليوس هاوسمان، ويمزج بناؤه بين أسلوب عصر النهضة الإيطالي والفن الباروكي، حيث الأسقف المذهّبة العالية المزدانة باللوحات الجدارية، والأعمدة الرخامية الملتوية، والثريّات الكريستالية الضخمة. وقد افتتح المقهى أبوابه عام 1894، وكان يومها المكان المفضّل للشعراء والأدباء والكتّاب والصحافيين والوجوه الاجتماعية.
المؤسف أن المقهى أُغلق مرّتين؛ في المرّة الأولى خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تعرّض للضرر وأُهمل خلال الحقبة الشيوعية، وتحوّل إلى مخزن ومتجر للأدوات الرياضية، ثم افتتح جزئيًا باسم “مقهى هنغاريا” عام 1954، لكنه فقد بريقه ودوره، وأُغلق للمرة الثانية لمدة خمس سنوات منذ عام 2001 لترميمه وإعادة إحيائه من قبل شركة إيطالية، ثم أُعيد افتتاحه عام 2006.
المقاهي العراقية
استعنت بالذاكرة لاستعادة علاقتي بالمقاهي التي تردّدتُ عليها وازددتُ محبّةً لها مع مرور الأيام، وأولها “مقهى عبد ننه” الذي يقع في صدر ميدان النجف الأشرف وعند مدخل السوق الكبير، والذي تأسس في ثلاثينيات القرن العشرين. وقد جئت عليه في مداخلة لي بعنوان “مقهى وروّاد ومدينة”، وكنت قد زرته لأول مرّة يوم استلمت بطاقة عضويّتي في الحزب الشيوعي باسم (سلام) عام 1961، وكان معي الصديق علي الخرسان (وائل)، وكانت مجموعتنا تضمّ حفيد صاحب المقهى عبد الجبّار العلي (ناهض)، وكوثر الواعظ (هيثم)، وطارق شُكر (خالد)، وجميعنا كنّا طلبة في المدرسة الإعدادية.
وثمّة مقاهٍ أخرى أذكر منها “مقهى ما شاء الله” الذي يقابل صحن الإمام علي (ع)، وبالقرب من باب الطوسي نسبة إلى العلّامة الطوسي المجدّد في الحوزة الدينية، حيث عاش فيها لنحو 12 عامًا (448 – 460ﻫ)، وتحتفل النجف في العام المقبل بمرور ألف عام على الدور الريادي للحوزة.
أما في بغداد، فقد تردّدت في ستينيات القرن المنصرم وحتى مطلع سبعينياته على العديد من المقاهي، ومنها مقهى البرلمان (أُنشئ في أوائل الأربعينيات، ثم استُبدل اسمه إلى مقهى الرشيد، وكان صاحبه الحاج حسين فخر الدين)، والزهاوي (1917)، والبلدية (أُنشئ أواخر القرن التاسع عشر)، والشابندر، الذي يقع في شارع المتنبّي وأُنشئ عام 1917، وأداره منذ عام 1963 الحاج محمد الخشالي، الذي فقد أربعة من أبنائه وحفيده في تفجير إرهابي عام 2007، ومقهى زناد (مقهى الشط) أو مقهى التجّار، الذي أُنشئ عام 1875، ومقهى حسن عجمي (أُنشئ في مطلع القرن العشرين)، ومقهى ياسين، ومقهى المعقّدين بالقرب من ساحة التحرير وفي الفرع الأول المؤدي إلى شارع أبي نؤاس، وكان يُدعى “مقهى إبراهيم” أو “مقهى شاي أبو الريحة”.
لكنني كنت أزور الصديق الشاعر عبد الأمير الحصيري في مقهى عارف آغا في شارع الرشيد مرّة على الأقل في الأسبوع، والذي تأسس في نهاية القرن التاسع عشر، وكنت أتردّد بين الحين والآخر على مقهى البرازيلية، وفي المساء كنت أفضّل مقهى الربيع أو مقهى رعد أو مقهى ياسين في بداية شارع أبي نؤاس. ودائمًا ما تستهويني المقاهي وخصوصياتها، وحيثما أكون أحبّ اكتشاف أجملها وأكثرها فرادةً.
وخلال زيارتي إلى كردستان، ولا سيّما أربيل، تعرّفت إلى مقهى طريف اسمه “مقهى عبو” بواسطة صديقي الأثير شيرزاد النجار، والاسم تصغير لكلمة “عبد الله”. وفي السنوات الأخيرة كنّا نلتقي في “مقهى مجكو”، وهو اسم تحبّب مشتق من اسم مجيد، ويقع تحت قلعة أربيل التاريخية. وفي السليمانية ثمّة مقهى شبيه اسمه “مقهى الشعب”، تأسس في خمسينيات القرن المنصرم، وكانت تتردّد عليه النخب السياسية والثقافية اليسارية والقومية الكردية.
المقاهي اللبنانية
وخلال زياراتي إلى لبنان منذ مطلع ستينيات القرن المنصرم، كنت كثير الجلوس في “مقهى الشامات” في بحمدون، وأزور شاغور حمانا الذي كنت قد سمعت عنه من الشاعر الكبير الجواهري، وقد كتب فيه قصيدة نُشرت عام 1938 تتألف من 30 بيتًا من البحر الرمل، يقول في مطلعها:
شاغورُ حمانا ولم يرَ جنّةً
من لم يشاهد مرّةً حمّانا
مرجٌ أرادته الطبيعة صورةً
منها على إبداعها عنوانا.
وفي بيروت الستينيات والسبعينيات تردّدت على مقاهي “الدولتشي فيتا”، و”الويمبي”، و”المودكا”، و”الهورس شو”، و”الإكسبرس”، و”ستراند”، و”إلدورادو”، و”الروضة”، و”دبيبو”، و”سيتي كافيه”، وهو ما جئت عليه حين كتبت سردية عن بيروت بمناسبة تكريمي من الحركة الثقافية في أنطلياس عام 2017.
كما كنت أزور وادي العرائش في زحلة، الذي يطلّ على نهر البردوني، وكان الجواهري قد كتب قصيدة فيه بعنوان “وادي العرائش” عام 1934، وتتألف من 30 بيتًا من البحر البسيط، يقول في مطلعها:
يَومٌ مِنَ العُمرِ في واديكِ مَعدودُ
مُستَوحِشاتٌ بِهِ أَيّامِيَ السودُ.
أمّا الشاعر الكبير أحمد شوقي، فقد كتب فيها قصيدة بعنوان “زحلة” أو “يا جارة الوادي” عام 1927، وتتألف من 47 بيتًا وهي من البحر الوافر، وضمّها في ديوانه “الشوقيات”، ويقول فيها:
يا جارةَ الوادي طَرِبتُ وعادَني
ما يُشبهُ الأحلامَ مِن ذِكراكِ
مَثّلتُ في الذكرى هَواكِ وفي الكَرَى
والذِّكرياتُ صَدى السنينِ الحاكي.
وكنت في أواسط الستينيات قد صادفت وجود الشيخ عبد الزهراء عاتي في أول زيارة له إلى لبنان، ثم ترافقنا مع خالي المحامي والشاعر جليل شعبان وبعض الأقارب والأصدقاء إلى نهر البردوني في زحلة، وقد سحره المكان، فاختلى بنفسه لبعض الوقت وهو يتأمّل الشلالات، ثم عاد ليقرأ لنا قصيدته، وتحتفظ ذاكرتي بسبعة أبيات منها، وهي من بحر الرجز، وقد نشرتها جريدة “الحياة” في حينها، ويقول فيها:
ومليحٌ رمتُ وصله
ما رأت عيناي مثله
قال لي إن رمتَ وصلًا
موعدُ العشاق زحلة
فهناك الأفقُ طلقٌ
والهوى ينشرُ ظلّه
وربوعُ الخلدِ فيها
صُنعت للحسنِ دولة
كلُّ حسناء تبنّت
طلعةَ البدرِ وشكله
خدُّها الوردُ وليس
الوردُ كالخدّين صولة
تتغنّى والهوى
يفعلُ بالأرواح فعله.
وكان السيد مصطفى جمال الدين قد كتب هو الآخر قصيدة بعنوان “أغنية لزحلة” أو “حسناء زحلة” عام 1961، وتتألف من 32 بيتًا من البحر المتقارب، وكنت قد طلبت منه قراءتها خلال ندوة أُقيمت له في مطلع التسعينيات من القرن الماضي في ديوان الكوفة في لندن، ويقول في مطلعها:
سقى ضفّتَيْكِ هزيمُ المطرْ
وأسكر واديكِ حلوُ السمرْ
“زُحَيْلَةُ” يا درّةً في الجبالِ
مشى حسنُها في نفوس البشر.
المقاهي العربية
للمقاهي حكايات عديدة في دمشق، فلحظة وصولي كنت أتوجّه إلى “مقهى الروضة”، وقبل ذلك إلى “مقهى الفاروق” في الصالحية لألتقي حسن النهر، الشخصية الوطنية العراقية، وكان لا بدّ لي من زيارة “مقهى الحجاز”. أمّا “مقهى هافانا”، فكنت أزوره أكثر من مرّة للقاء الصديق الشاعر مظفّر النواب، وقد تأسس المقهى عام 1945، حيث كان ملتقى لكبار الشعراء والأدباء والفنانين، وجئت عليه في سرديتي عن دمشق الموسومة “علّمتني الشام حبّ الصباح”.
وحين أكون في القاهرة، لا بدّ لي من زيارة “مقهى الفيشاوي”، الذي مضى على تأسيسه أكثر من 200 عام، ومن روّاده نجيب محفوظ، وزاره سارتر وسيمون دي بوفوار، كما كنت أستمتع بالجلوس في “مقهى ريش”. وفي نهاية الستينيات، عندما أزور القاهرة، كنت ألتقي بالشاعر عبد الوهاب البياتي في “مقهى لا باس”، وتعرّفت فيه إلى الشاعر عبد السامرائي، الذي عاش مغتربًا في ألمانيا الديموقراطية (لايبزك) منذ عام 1959، كما كان يحلو لي الجلوس في “مقهى وحديقة غروبي”.
وفي المغرب كنت أستمتع بالجلوس في “مقهى باريس” في مدينة مراكش، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1915، ومن زوّاره ألفرد هيتشكوك وجورج أورويل وونستون تشرشل.
أما في مدينة طنجة، فمن أشهر المقاهي وأكثرها جمالًا طبيعيًا وشعبية “مقهى الحافة”، الذي لا أترك زيارة لي إلى طنجة إلّا وزرته أكثر من مرّة، وقد تأسس عام 1921، ومن روّاده محمد شكري وبول بولز وسعدي يوسف وكوفي أنان. وسبب تعلّقي به ليس روّاده فحسب، بل أجواؤه أيضًا، حيث الفضاء البحري الذي يربط المغرب بإسبانيا، فيمكن رؤية الساحل الإسباني بالعين المجرّدة، خصوصًا حين تكون السماء صافية والشمس مشرقة.
كما أستمتع بالجلوس في “مقهى باريس” في طنجة أيضًا، الذي يطلّ على وسط المدينة بالقرب من فندق المنزه التاريخي مقابل القنصلية الفرنسية، وقد شُيّد المقهى إبّان فترة الانتداب الدولي على المدينة قبل أكثر من قرن وربع القرن.
والمقهى المفضّل لديّ في مدينة الناظور هو “مقهى النادي البحري”، الذي بناه الإسبان عام 1941، ويقع على ضفة بحيرة مارتشيكا وسط المدينة، وقد تغيّر اسمه بعد الاستقلال إلى “نادي البحر المتوسط”، وأصبح ملتقى للأدباء والكتّاب والمثقفين. وخلال ترؤّسي للجنة تحكيم الأفلام الوثائقية في مهرجان السينما الدولي في الناظور، الذي ينظّمه مركز الذاكرة المشتركة للديمقراطية والسلم، كنت أدعو أعضاء اللجنة للاجتماع في هذا المقهى الساحر. وللأسف ما زال مغلقًا منذ سنوات، خصوصًا وقد تردّد أن ثمّة محاولات جرت لهدمه، لكن إرادة المثقفين والذاكرة الجمعية للمدينة حالت دون ذلك.
المقاهي الأوروبية
بالعودة إلى تاريخ المقاهي، فإن أول مقهى في العالم تأسس في إسطنبول بمبادرة من حكم الحلبي وشمس الدمشقي، وذلك عام 1554 في منطقة “تاهتا قلعة”، أي تحت القلعة، وهي في إيمينونو بمنطقة الفاتح، في عهد السلطان سليمان القانوني.
ومن المقاهي التي تختزنها ذاكرتي “مقهى فلوريان” في مدينة فينيسيا (البندقية)، وكنت حريصًا على الجلوس فيه عند كلّ زيارة للمدينة، وقد أُنشئ عام 1720، أما في روما فدائمًا ما أذهب إلى “مقهى أنتيكو غريكو”، الذي تأسس عام 1760.
وكان أول مقهى أزوره في براغ هو “مقهى سلوفانسكي دوم” للقاء الجواهري الكبير عام 1969، وأنا في طريقي إلى مدينة كراكوف البولونية. ويتميّز بطرازه المعماري الذي يلتقي فيه الفن الباروكي بالتصميم الحديث، وقد تردّد عليه مظفّر النواب خلال زيارته الأولى إلى براغ عام 1970 ولقائه بالجواهري، الذي كتب عنه قصيدة بعنوان “فاتنة ورسّام”، نُظمت في براغ عام 1970، ونُشرت بعد ذلك بعدة سنوات.
كما أنني نشرتها مرّة أخرى في آخر موسوعة لي عن الجواهري الموسومة “جواهر الجواهري” (دار سعاد الصباح – الكويت، 2024)، وتتألف القصيدة من سبعة أبيات من البحر الوافر، ويستبدل فيها الجواهري اسم مظفّر النواب بمحمد المصباح، وقد رويت قصّتها في كتابي “الجواهري: جدل الشعر والحياة”، الصادر بطبعته الأولى عام 1997، ويقول فيها:
وقال “محمدُ المصباحُ” يومًا
لفاتنةٍ من الغيدِ الحسانِ
من “الجيكِ” السواحرِ لستَ تدري
بهنّ المحصناتِ من الزواني
هلمّي أرسمنكِ غدًا.. فقالت:
غداةَ غدٍ وفي المقهى الفلاني
فقال: بمرسمي حيث استتمّت
من الرسم المعاني والمباني.
كما كنت ألتقي مع بعض الأصدقاء في مقهى “أوبسني دوم” في قلب براغ، في ساحة الجمهورية وبالقرب من بوابة براغ القديمة، ويعني البيت البلدي أو العام، وهو عبارة عن مبنى تاريخي فخم يمثّل تحفةً معماريةً تنقلك إلى العصر الذهبي للتشيك وأوروبا في مطلع القرن العشرين، حيث افتتح عام 1912، ويتميّز بأسقفه الشاهقة وثرياته الكريستالية الضخمة ومراياه الكبيرة ذات الأطر الذهبية. ومن روّاده الرسام العالمي التشيكي ألفونس موخا، كما كان الجواهري يتردّد عليه أحيانًا، وقد شهد المبنى حدثًا تاريخيًا مهمًا يحمل رمزية سياسية، وهو توقيع إعلان استقلال جمهورية تشيكوسلوفاكيا عام 1918.
أما “مقهى سلافيا”، فلي فيه تاريخ طويل منذ أن كنت طالبًا لتحضير الدكتوراه في سبعينيات القرن المنصرم، حيث التقيت فيه بشخصيات مهمة مثل الجواهري ومظفّر النواب وأبي كاطع (شمران الياسري) وعبد الفتاح إبراهيم وعبد الغني الخليلي وداود سلمان يوسف (شقيق سكرتير الحزب الشيوعي “فهد”، الذي أُعدم عام 1949)، والفنانة سليمة خضير، التي كان والداي يحبّان اللقاء معها في هذا المقهى خلال زيارتهما لي في براغ في أواسط السبعينيات.
تأسس “مقهى سلافيا” عام 1881، ويطلّ على نهر الفالتافا، وتقابله قلعة براغ من جهة، ومن الجهة الأخرى المسرح الوطني، وهو يبعد نحو 400 متر عن جسر جارلس الشهير. وكان المقهى التاريخي ملتقى للأدباء والفنانين، بمن فيهم الرئيس فاتسلاف هافل يوم كان معارضًا. ويتميّز بديكور كلاسيكي أنيق، ويُعزف فيه البيانو المباشر كلّ مساء، وفي ركن منه تُعلّق صورة الجواهري مع كبار الشخصيات الثقافية.
وقد بيع المقهى بعد الإطاحة بالنظام الشيوعي عام 1989، وأُغلق لعدّة سنوات، لكن الإرادة الشعبية والثقافية التقت لإبطال عقد بيعه لمستثمر أجنبي باعتباره صرحًا ثقافيًا، كما سمعت.
وحين أكون للاستشفاء في مدينة كارلوفيفاري، دائمًا ما أجلس في مقهى عريق باسم “مقهى إلفنت” (الفيل)، الذي يطلّ على النهير القادم من أعالي الجبال، وقد تأسس عام 1715، وفي آخر زيارة لي جلست فيه.
وللمقاهي في باريس نكهة خاصة، كما هي الحال في لبنان، حيث يحمل الكثيرون أوراقهم وأقلامهم وكتبهم وألوانهم ومشاريعهم وخططهم، ويعتبرونها بمثابة محلّ عمل يستخدمونه للكتابة أو الرسم أو التأمل أو الاتفاقات والاستمتاع بأوقات الفراغ. أما اليوم، فالحاسوب المحمول (اللابتوب) والهاتف المحمول أصبحا يعوّضان عن الكثير من تلك الأشياء.
وفي شارع الشانزيليزيه، الذي يُعدّ من أجمل الشوارع وأوسعها في العالم، أول ما يخطر على البال “مقهى فوكيه”، الذي تأسس عام 1899، وفيه ملتقى سنوي لنجوم السينما الفرنسية. أما “مقهى ليب”، فيقع في الحي اللاتيني الشهير (سان جيرمان دي باري)، ومنه اختُطف المناضل المغربي المهدي بن بركة عام 1965، واختفى كلّ أثر له إلى اليوم، وكان من جلّاسه إيرنست همنغواي وألبير كامو وبيكاسو.
وثمّة مقهى باسم “لابروكوب” يعود تاريخه إلى عام 1686، ومن أبرز روّاده فولتير وجان جاك روسو، وهكذا يكون التاريخ حاضرًا والفلسفة معه، وهما أبو العلوم وأمّها، إضافة إلى الأدب والفن.
في فيينا كنت حريصًا دائمًا على الذهاب إلى “مقهى السنترال”، الذي تأسس عام 1876، وقد اعتمدته اليونيسكو مؤخرًا أحد الصروح الثقافية، ويتصدّر مدخل المقهى تمثال الشاعر النمساوي بيتر ألتنبرغ، الذي وُضعت إلى جانبه لافتة بالألمانية تقول: “هذا عنوان عمله وسكنه”. ومن روّاد المقهى فرويد وكافكا وتروتسكي وتيتو.
ومثل هذا المقهى يوجد بالاسم ذاته “مقهى السنترال” في بودابست أيضًا، الذي تأسس عام 1887، ويبدو أن الأمر له علاقة بتاريخ الإمبراطورية النمساوية – المجرية، التي تأسست عام 1867.
مثلما ابتدأت في المقدمة بـ”مقهى نيويورك”، أعود في الخاتمة إليه، فقد كان هو المحفّز على هذا الاستحضار وتنشيط الذاكرة لاستعادة أهم المقاهي التي مرّت عليها، فأتأمل الفرقة الموسيقية التي تعزف فيه، والزهور التي تزيّن الأركان، إضافة إلى اللوحات والمنحوتات الدقيقة والأعمال الفنية، حيث يدوّن تاريخه أنه لم يكن مجرّد مقهى فحسب، بل كان نقطة انطلاق للأدب المجري الحديث، وكان الكتّاب الأكثر شهرة يلتقون فيه، كما كانت تُحرّر فيه أبرز الصحف، ويُقال إن يوم الافتتاح اكتظّ بالأدباء، وهناك من قام بإلقاء مفتاح بابه الرئيسي في نهر الدانوب العظيم ليبقى مفتوحًا طوال الليل، كما تقول السردية.
