هرمز.. عندما تُصاغ القوانين بالبارود

لسنا أمام صراع عسكري تقليدي، بل أمام مواجهة أمنية قانونية معقدة، يحاول فيها كل طرف أن يكتب نصه القانوني بقوة السلاح. فكلُ حرب تخلّف وراءها جغرافيا جديدة، لكن بعضها يخلّف أيضًا قانونًا جديدًا. وما يجري اليوم في مضيق هرمز يبدو أقرب إلى هذا النوع من الحروب، حيث لا تتنافس الدول على السيطرة العسكرية فحسب، بل على فرض تفسير قانوني جديد يعيد رسم قواعد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية.

الصراع على مضيق هرمز ليس عسكريًا وسياسيًا فحسب، بل هو أيضًا نزاع قانوني بين قوتين: قوة صاعدة تسعى إلى تثبيت موقعها في النظامين الإقليمي والدولي، وأخرى مهيمنة تحاول الحفاظ على قواعد النظام الدولي القائم.

في هذا السياق، تسعى إيران إلى تثبيت حقها القانوني في السيطرة على هرمز، بحيث يصبح حقًا أصيلًا ومعترفًا به، لا مجرد نتيجة لفرض الأمر الواقع بالقوة، لأن القوة قد تزول، أما الحق القانوني فيبقى إذا نجح في ترسيخ نفسه.

ويُعد هذا السجال أحد أبرز مظاهر التحول الجاري في القانون الدولي، ويتجلى بوضوح في الجدل الدائر حول تفسير المادة الخامسة من مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية.

لكن لماذا تصرّ إيران على تثبيت سيطرتها قانونيًا؟ لأنها لا تريد إدارة المضيق بوصفه إجراءً استثنائيًا فرضته ظروف الحرب، بل باعتباره جزءًا من دور استراتيجي دائم يمهد لترسيخ مكانتها قوةً إقليمية مؤثرة وقطبًا فاعلًا في النظام الدولي، لا مجرد لاعب في أمن الخليج.

ما يجري اليوم في مضيق هرمز قد لا يكون مجرد نزاع على ممر مائي، بل مختبرًا لإعادة تعريف مفاهيم الأمن الإقليمي وحرية الملاحة وسيادة الدول على المضائق الاستراتيجية، في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية تُعيد صياغة قواعد اللعبة الدولية

ومن هذا المنطلق، توظف طهران التصعيد العسكري لتعزيز حجتها القانونية، وتربط سيطرتها على هرمز بأمنها القومي وبمستقبل دورها الإقليمي، في محاولة لتحويل الوقائع الميدانية إلى حقوق قانونية يصعب تجاوزها لاحقًا.

في المقابل، تصعّد الولايات المتحدة لمنع إيران من فرض هذه السيطرة بالقوة، لكنها تبدو أقل اهتمامًا بما قد تفضي إليه النصوص القانونية الواردة في مذكرة التفاهم، أو بما قد يطرأ على قواعد الملاحة الدولية، لأنها لا تزال تراهن، في المقام الأول، على قانون القوة.

ومع ذلك، لم يعد قانون القوة الأميركي قادرًا وحده على حسم المشهد. فقد نشأ سجال قانوني – أمني جديد تجاوز الوضع الذي كان قائمًا في هرمز قبل الأول من آذار/مارس 2026.

وفي إطار هذه المقاربة، حاولت واشنطن الالتفاف على مذكرة التفاهم عبر استحداث مسار ملاحي موازٍ داخل المياه الإقليمية العُمانية، بهدف تقليص فاعلية الحصار الإيراني للمضيق وانتزاع هذه الورقة من يد طهران.

لكن إيران تمكنت، وفق هذه القراءة، من إعادة فرض سيطرتها على هرمز برغم وجود المسار العُماني، الأمر الذي جعل إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 28 شباط/فبراير 2026، تاريخ اندلاع الحرب، تبدو مهمة شديدة الصعوبة.

كما أن المحاولة الأميركية الأخيرة لم تحقق أهدافها كاملة. فالولايات المتحدة تريد الحد من النفوذ الإيراني في هرمز، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الانزلاق إلى حرب واسعة جديدة.

ومن هنا يمكن فهم أحد أسباب تجدد التوتر، والمتمثل في استحداث الممر العُماني المؤقت الذي افتُتح داخل المياه الإقليمية العُمانية قبل أسابيع، والذي أتاح عبور أكثر من مئة سفينة كانت عالقة في المضيق، ما خفّف من آثار الحصار الإيراني.

ويثير ذلك سؤالًا مشروعًا: لماذا وافقت سلطنة عُمان على هذه الخطوة؟ أحد التفسيرات المطروحة أنها جاءت تحت ضغط أميركي كبير، في ظل التهديدات التي وُجهت إليها، والخشية من أن تتحول إلى هدف مباشر إذا رفضت التعاون.

وتندرج في هذا السياق، الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى طهران واجتمع خلالها بنظيره العُماني بدر البوسعيدي وناقشا ملف مضيق هرمز، وخلصا، حسب بيان وزارة الخارجية العُمانية إلى التأكيد على ضمان سلامة وحرية الملاحة في مضيق هرمز “في ضوء المعطيات والتداعيات الناجمة عن المستجدات الأخيرة، حيث اتفق الجانبان على مواصلة هذه المباحثات على المستوى الفني والسياسي للتوصل إلى التوافقات المطلوبة وفقاً للقانون الدولي”، حسب البيان العُماني.

في الخلاصة، ليست هذه المرة الأولى التي يُعاد فيها إنتاج القانون الدولي تحت ضغط القوة. فمعظم قواعد النظام الدولي لم تولد في قاعات المؤتمرات، بل جاءت تتويجًا لموازين قوى فرضتها الحروب ثم تحولت لاحقًا إلى نصوص قانونية. من مؤتمر فيينا بعد الحروب النابليونية، إلى نظام فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كانت القوة تسبق القانون، قبل أن يتحول القانون إلى إطار ينظم نتائجها. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما يجري اليوم في مضيق هرمز قد لا يكون مجرد نزاع على ممر مائي، بل مختبرًا لإعادة تعريف مفاهيم الأمن الإقليمي وحرية الملاحة وسيادة الدول على المضائق الاستراتيجية، في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية تُعيد صياغة قواعد اللعبة الدولية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  حكومة نتنياهو – غانتس: "هيدرا" إغريقية برؤوس كثيرة
منى صفوان

كاتبة وباحثة يمنية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  فعلتها يا آرون