لبنان بين العدد والميثاق.. شراكة دائمة أم هدنة بين الطوائف؟

لا يبدو الانسداد السياسي اللبناني الراهن، في ضوء التحولات التي أعقبت حرب 2024-2026 والخيارات الرسمية المتصلة بالتفاوض مع إسرائيل، مجرد أزمة عابرة في إدارة الحكم، ولا خلافًا تقنيًا حول صلاحيات مجلس الوزراء أو حدود سلطة الدولة. إنّه، في العمق، عودة مكثفة إلى السؤال التأسيسي الذي رافق نشوء لبنان الكبير منذ سنة 1920: هل يقوم النظام اللبناني على حكم الأكثرية العددية، أم على شراكة ميثاقية بين جماعات تاريخية تخشى أن تتحول الديموقراطية العددية إلى أداة غلبة؟

منذ تأسيس الكيان اللبناني الحديث، ارتبطت السلطة فيه بعلاقة ملتبسة بين العدد والطائفة والشرعية. فالعدد استُخدم في مرحلة الانتداب الفرنسي لتبرير الامتيازات المارونية في الدولة الناشئة، بينما استُخدمت الميثاقية بعد الاستقلال لتخفيف اعتراض المسلمين على هوية لبنان ووظيفته السياسية. ثم جاء اتفاق الطائف ليعيد توزيع السلطة على قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لا على قاعدة الديموقراطية العددية الخالصة. وبعد أحداث 7 أيار 2008 واتفاق الدوحة، اتسع معنى التوافق ليشمل، عرفًا، حق المكونات الكبرى في الاعتراض (الثلث الضامن والتوافق خارج مجلس الوزراء) على القرارات المصيرية، وخصوصًا تلك المتصلة بالسلاح والحرب والسلم والخيارات الإقليمية.

لا تكمن الأزمة السياسية الداخلية في موقف الحكومة أو رئاسة الجمهورية من ملف السلاح أو التفاوض مع إسرائيل فحسب، بل في التناقض البنيوي الذي يحكم النظام اللبناني نفسه: سلطة تُنتَج وفق قواعد توافقية وطائفية، لكنها قد تتصرف، في لحظات مفصلية، بمنطق الأكثرية أو بمنطق الشرعية الدستورية الشكلية، ما يطرح سؤالًا شديد الحساسية: هل يجوز أن تُنتَج السلطة بقبول المكونات الكبرى، ثم تُتخذ قرارات تمسّ أحد هذه المكونات من خارج التوافق معه؟

تقوم هذه المعالجة على فرضية مركزية مفادها أنّ أزمة النظام اللبناني لا تنتج من فشل الديموقراطية التوافقية وحدها، ولا من استحالة الديموقراطية الأكثرية وحدها، بل من الجمع الانتقائي بينهما: توافقية في إنتاج السلطة وتوزيع المناصب والموارد، وأكثرية مقنّعة في اتخاذ القرارات المصيرية. ومن أجل فهم هذا المأزق، لا بد من العودة إلى التاريخ، لا بوصفه سردًا متتابعًا للأحداث، بل بوصفه منهجًا للكشف عن البنى العميقة التي حكمت تشكّل السلطة في لبنان منذ 1920 حتى اليوم.

أولًا: الإحصاء.. كفعل سياسي تأسيسي

لم يعد لبنان الكبير، الذي تأسس في أيلول/سبتمبر 1920، كيانًا مسيحي الغلبة بصورة مريحة كما كان حال متصرفية جبل لبنان، فقد شملت التوسعة الجغرافية مناطق ذات أكثرية أو كثافة إسلامية واضحة: بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وجبل عامل وعكار، فأضحى كيانًا مركبًا يحتاج إلى هندسة سياسية تضمن بقاء الفكرة التي قام عليها: لبنان وطن ذو وجه مسيحي راجح، لكنه لا يستطيع الاستمرار من دون المسلمين.

لم يكن حرص فرنسا على تنفيذ إحصاء 1921، ثم إحصاء 1932، إلا لتثبيت الشرعية السياسية للكيان. فقد أظهرت الأرقام الرسمية غلبة مسيحية عامة ومارونية وازنة، وهذا ما وفّر قاعدة لتوزيع السلطة والإدارة والتمثيل السياسي بطريقة تعطي المسيحيين موقعًا متقدمًا. لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في نتائجها، بل في وظيفتها السياسية؛ إذ تحوّل الرقم السكاني إلى أساس لتحديد هوية الدولة، ومن يملك حق قيادتها، ومن يحتاج إلى ضمانات داخلها.

ومنذ تلك اللحظة، تأسس التباس جوهري في النظام اللبناني. فمن جهة، جرى الاستناد إلى العدد لتأكيد أرجحية المسيحيين في السلطة. ومن جهة ثانية، لم تُعتمد الديموقراطية الأكثرية المدنية بصورة كاملة، لأن النظام لم ينظر إلى اللبنانيين بوصفهم أفرادًا متساوين فقط، بل بوصفهم أعضاء في جماعات طائفية. وهكذا وُلد لبنان الحديث بين منطقين متداخلين: منطق العدد، ومنطق الجماعة. لم يكن العدد وحده حاسمًا، ولم تكن الشراكة وحدها مكتملة. كان المطلوب إنتاج صيغة تحفظ امتيازًا طائفيًا معينًا، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مشاركة بقية المكونات.

لذلك، فإنّ إحصاء 1932 لا يمكن فهمه إلا بكونه لحظة تأسيسية، فمن خلاله اكتسبت المارونية السياسية شرعية عددية، وتحولت هذه الشرعية إلى امتياز سياسي وإداري في دولة الاستقلال. وقد أدى الامتناع عن إجراء إحصاء رسمي جديد لاحقًا إلى تجميد التوازنات عند لحظة تاريخية محددة، برغم أن الواقع الديمغرافي والاجتماعي والسياسي كان يتغير باستمرار.

ثانيًا: الميثاق والتوافق غير المتكافئ

قام الميثاق الوطني عام 1943 على تبادل تنازلات بين النخب المسيحية والإسلامية: يتخلى المسيحيون عن طلب الحماية الأجنبية، ويتخلى المسلمون عن مطلب الوحدة مع سوريا أو المحيط العربي. غير أنّ هذا التبادل لم يُلغِ التفوق المسيحي ــ الماروني في بنية السلطة، بل نظّمه داخل معادلة سياسية جديدة.

في هذه الصيغة، احتفظ الموارنة برئاسة الجمهورية وبالصلاحيات التنفيذية الأوسع، وحصل السنة على رئاسة الحكومة، والشيعة على رئاسة مجلس النواب، فيما ظلّ التمثيل النيابي والإداري محكومًا بنسبة 6 إلى 5 لمصلحة المسيحيين. بذلك، لم يكن النظام استقلاليًا بالمعنى الوطني فقط، بل كان طائفيًا في بنيته، تفاوضيًا في لغته، وغير متكافئ في موازين القوة داخله.

من هنا يمكن القول إنّ لبنان، بين 1943 و1989، لم يكن ديموقراطية أكثرية، ولم يكن توافقية متوازنة، بل كان نظامًا ميثاقيًا بأرجحية مارونية. وقد استند هذا النظام إلى ثلاث ركائز: التفوق العددي المسيحي كما أظهره إحصاء 1932؛ الامتياز الدستوري لرئاسة الجمهورية، وشبكة الإدارة والجيش والاقتصاد التي رسخت حضور النخب المسيحية في الدولة. أما المسلمون، فقد دخلوا النظام بوصفهم شركاء، لكن ضمن سقف سياسي لا يتيح لهم تعديلًا جذريًا في طبيعة السلطة.

هذا الخلل لم يظهر دفعة واحدة. لقد ظلّ قابلًا للإدارة ما دامت التوازنات الداخلية والإقليمية تسمح بذلك. لكن صعود القومية العربية، وتنامي الدور السني في المدن، وبروز الحرمان الشيعي في الأطراف، وظهور المقاومة الفلسطينية، وتحولات الاقتصاد والهجرة والتعليم، كلها عوامل أدت إلى اهتزاز الصيغة القديمة. صار الواقع الاجتماعي والسياسي يتجاوز البنية التي أنتجها إحصاء 1932 والميثاق الوطني. وحين لم يعد النظام قادرًا على تعديل نفسه سلميًا، دخل لبنان في دوامة الصراع الأهلي منذ العام 1975 وحتى 1989.

ثالثًا: الحرب بوصفها صراعًا على معنى الشراكة

لا يمكن اختزال الحرب الأهلية اللبنانية في صدام ميليشيات أو تدخلات خارجية أو انقسام أيديولوجي بين يمين ويسار. هذه كلها عناصر أساسية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير عمق الانفجار. فالحرب كانت أيضًا صراعًا على معنى لبنان: هل يبقى دولة ذات امتياز مسيحي ــ ماروني، أم يتحول إلى دولة أكثر تعبيرًا عن واقعها الإسلامي والعربي والاجتماعي الجديد؟ وهل تكون الديموقراطية وسيلة لتعديل السلطة بحسب التحولات الديموغرافية والسياسية، أم تبقى الميثاقية أداة لحماية الامتيازات القديمة؟

في هذا السياق، شكّلت الطائفة الشيعية حالة كاشفة. فقد كانت، من حيث العدد والانتشار الجغرافي وحجم الحرمان، واحدة من أكثر الجماعات تهميشًا في دولة الاستقلال. لكنها، حتى سبعينيات القرن العشرين، لم تكن تمتلك الوزن السياسي والتنظيمي الذي يوازي حجمها الاجتماعي. ومع صعود الإمام السيد موسى الصدر، ثم حركة أمل، ثم لاحقًا حزب الله غداة انتصار الثورة الإيرانية، بدأ الشيعة ينتقلون من موقع الطرف الاجتماعي المهمّش إلى موقع الفاعل السياسي والعسكري المركزي. هذا التحول لم يكن تفصيلًا في تاريخ الطائفة، بل كان أحد المؤشرات الكبرى على أن لبنان القديم لم يعد قادرًا على احتواء القوى الاجتماعية الصاعدة وفق قواعده السابقة.

أسقطت الحرب اللبنانية التوازنات القديمة، ما حتّم التوصل إلى اتفاق جديد يكون أكثر توازنًا في تقسيم السلطة والنفوذ بين المسلمين والمسيحيين، الأمر الذي مهّد الطريق لاتفاق الطائف لكي يعيد بناء الصيغة، على قاعدة تسوية تعترف بانتهاء التفوق الماروني القديم، من دون أن تسمح بقيام غلبة إسلامية مقابلة.

مثّل اتفاق الطائف سنة 1989 لحظة إعادة تأسيس للنظام اللبناني. فهو لم يُلغِ الطائفية السياسية، بل أعاد توزيعها. ولم ينقل لبنان إلى ديموقراطية مواطنية كاملة، بل نقله من صيغة ذات أرجحية مسيحية إلى صيغة أكثر توازنًا بين المسلمين والمسيحيين. وقد تجلّى ذلك في المناصفة النيابية، وفي تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وفي جعل السلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء مجتمعًا، وفي الاعتراف بدور أكثر توازنًا للرئاسات الثلاث.

كان الطائف، بهذا المعنى، تسوية توافقية مؤقتة بين الخوف المسيحي من العدد، والاعتراض الإسلامي على الامتياز. فهو طمأن المسيحيين إلى أن التحول الديموغرافي لن يُترجم سيطرة عددية إسلامية، وطمأن المسلمين إلى أن التفوق الماروني القديم لم يعد قابلًا للاستمرار.

غير أنّ الطائف حمل تناقضًا داخليًا عميقًا، فقد نصّ على إلغاء الطائفية السياسية كهدف وطني، لكنه ثبّت المناصفة والتمثيل الطائفي في الوقت نفسه. ودعا إلى دولة المؤسسات، لكنه طُبّق في ظل رعاية سورية مباشرة جعلت التوازن الداخلي خاضعًا لضابط خارجي. وتحدث عن حصرية سلطة الدولة، لكنه لم يحسم بصورة نهائية مسألة المقاومة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان حتى عام 2000.

إقرأ على موقع 180  حرفة حماية الدول من السقوط.. هل تسري مصرياً على لبنان؟

لذلك، لم يكن الطائف إلا وقفاً لإطلاق النار، لكنه لم يحسم السؤال الأعمق: هل لبنان دولة مواطنة أم دولة طوائف؟ هل التوافقية مرحلة انتقالية أم قاعدة دائمة؟ وهل القرارات الكبرى تُتخذ بالأكثرية الدستورية أم بالإجماع الميثاقي؟

رابعًا: من وصاية سوريا إلى الدوحة

أدى خروج الجيش السوري من لبنان سنة 2005 إلى كشف هشاشة النظام الذي كان الطائف قد أعاد بناءه برعاية دمشق. فخلال مرحلة الوصاية السورية، كانت دمشق تؤدي دور الضابط الخارجي للتوازنات اللبنانية. كانت تمنع الانفجار حينًا، وتدير التناقضات حينًا آخر، وتفرض التسويات حين تتعطل الآليات الداخلية. لكن بعد 2005، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام نظام توافقي بلا ضابط خارجي حاسم، وفي ظل الانقسام العامودي حول المقاومة، والسيادة، والعلاقة مع سوريا، والمحكمة الدولية، والتموضع الإقليمي، تكشّفت حقيقة أنّ الأكثرية النيابية لا تكفي وحدها لحكم لبنان. فقد امتلك فريق 14 آذار أكثرية سياسية ونيابية بعد انتخابات 2005، لكنه لم يستطع تسييل هذه الأكثرية في مواجهة مكوّن شيعي منظم ومسلح ووازن. وفي المقابل، امتلك حزب الله وحلفاؤه قدرة تعطيلية كبيرة، لكنهم لم يستطيعوا تحويل هذه القدرة إلى شرعية حكم منفردة. وهكذا عاد النظام إلى جوهره الأصلي: لا أحد يستطيع أن يحكم وحده، ولا أحد يستطيع أن يُلغى من المعادلة.

جاءت أحداث 7 أيار/مايو 2008 لتكشف أن الخلاف على الصلاحيات والقرارات الأمنية لا يمكن فصله عن المسألة الميثاقية. فحين اتخذت الحكومة قرارات اعتبرها حزب الله وحلفاؤه استهدافًا مباشرًا للسلاح، انفجر الصراع في الشارع. ثم جاء اتفاق الدوحة ليعيد إنتاج التسوية، لكنه فعل أكثر من ذلك؛ فقد ثبّت عرفًا سياسيًا جديدًا مفاده أن القرارات الكبرى لا تُتخذ بمجرد امتلاك أكثرية حكومية أو نيابية، بل تحتاج إلى قبول المكونات الأساسية، وبالتالي تكريس الديموقراطية التوافقية.

انتقلت التوافقية اللبنانية، منذ اتفاق الدوحة عام 2008، من معناها الدستوري الضيق إلى معناها السياسي الواسع. فلم تعد المسألة مقتصرة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بل صارت تشمل التوازن بين الرئاسات الثلاث والمكونات الكبرى التي تقف خلفها. بهذا المعنى، أصبح الحكم في لبنان قائمًا على نوع من الفيتو المتبادل: لا المسيحيون يقبلون بتجاوزهم باسم العدد، ولا السنة يقبلون بتهميش رئاسة الحكومة باسم الأمر الواقع، ولا الشيعة يقبلون بقرارات تمسّ المقاومة والسلاح باسم الأكثرية الحكومية.

خامسًا: سلطة توافقية المنشأ وأكثرية الأداء

لم تكن سلطة لبنان، رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة وتركيبة وزارية في مطلع العام 2025 إلا تعبيراً عن الخلل الذي جعل لبنان عملياً في قبضة النفوذ الأميركي. لم تتصرف السلطة الوليدة طوال خمسة عشر شهراً أعقبت وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر إلا بمنطق الثأر والانتقام وليس الاستيعاب والحوار، فكانت سلسلة قرارات الخامس والسابع من آب/أغسطس 2025، ومضمونها الأساس التصرف بمنطق الأكثرية في مواجهة مكون أساسي من مكونات النظام. المسألة تتجاوز السلاح لتصل إلى موقع لبنان الإقليمي والدولي من جهة وكيفية إدارة الشراكة الوطنية بما يُطمئن جميع المكونات من جهة ثانية؛ فالسلاح، في الوعي السياسي الشيعي المعاصر، لم يعد مجرد أداة عسكرية، بل ارتبط بتجربة الاحتلال، والتحرير، والحماية، والتمثيل، والكرامة الجماعية، والخوف من الانكشاف أمام إسرائيل والخشية من “البعبع السوري”. ولذلك، فإن أي قرار يتعلق به لا يُقرأ داخل البيئة الشيعية بوصفه قرارًا إداريًا أو أمنيًا فقط، بل بوصفه قرارًا يمسّ موقع الطائفة في الدولة وتوازنات القوى داخل بنية النظام.

هذا لا يعني أن الدولة لا تملك حق طرح مسألة حصرية السلاح، ولا يعني أن التوافقية يجب أن تتحول إلى حق دائم في تعطيل قيام الدولة. لكنه يعني أن معالجة ملف بهذا الحجم خارج توافق وطني حقيقي تحوّله من مشروع دولة إلى مشروع غلبة. فالدولة في لبنان لا تستطيع أن تستعيد سيادتها بمنطق كسر مكوّن داخلي، كما لا يستطيع أي مكوّن أن يحتفظ بسلاحه إلى ما لا نهاية خارج تصور وطني جامع. المأزق إذًا مزدوج: دولة تريد احتكار القرار من دون إنتاج ثقة كافية، ومقاومة ترفض تسليم أوراق القوة قبل ضمان معنى السيادة والحماية.

سادسًا: لماذا تتجدد المطالبة بالديموقراطية الأكثرية؟

السؤال الشيعي اليوم هو الآتي: إذا لم تكن التوافقية ملزمة في القضايا المصيرية، فلماذا تبقى ملزمة في توزيع السلطة؟ وإذا كان القرار السيادي يُتخذ بالأكثرية، فلماذا لا يكون إنتاج السلطة نفسه قائمًا على الأكثرية؟ وإذا كانت الطوائف الأخرى تستفيد من الضمانات الميثاقية عندما تخاف من العدد، فلماذا لا يحصل الشيعة على الضمانة نفسها عندما يخافون من قرار يمسّ أمنهم ودورهم؟

لكن هذا السؤال، يحمل بدوره مخاطر كبيرة إذا لم يتحول إلى مشروع دستوري متكامل، وأن يُطرح ضمن رؤية شاملة: إلغاء الطائفية السياسية، وقانون انتخاب وطني خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ يمثل الطوائف في القضايا المصيرية، وقضاء مستقل، وإدارة عامة قائمة على الكفاءة لا المحاصصة، اي الانتقال من النظام الطائفي إلى نظام المواطنة.

بغير ذلك، تصبح المطالبة بالأكثرية سلاحًا خطابيًا في مواجهة سلاح التوافقية، لا مشروعًا لبناء دولة. كما أن التمسك المطلق بالتوافقية من الطرف الآخر قد يتحول إلى وسيلة لتعطيل الدولة، لا لضمان الشراكة. وبين هذين الحدين، يقع لبنان في مأزقه المزمن: لا يستطيع أن يكون دولة أكثرية، ولا يستطيع أن يبقى دولة فيتوات مفتوحة.

سابعاً: أزمة صيغة لا أزمة تفاوض فقط

منذ العام 1920، جرى استخدام العدد لتبرير الامتياز الطائفي السياسي. ومنذ 1943، جرى استخدام الميثاقية لتنظيم هذا الامتياز وتخفيف الاعتراض الإسلامي عليه. ومنذ اتفاق الطائف، جرى استخدام المناصفة لإعادة التوازن ومنع الغلبة. ومنذ اتفاق الدوحة، جرى استخدام التوافق لمنع تجاوز المكونات الكبرى في القرارات المصيرية. أما اليوم، فإن الخطر يكمن في محاولة الجمع بين هذه القواعد بصورة انتقائية: توافقية عند إنتاج السلطة، وأكثرية عند اتخاذ القرار؛ ومناصفة عند توزيع الموارد، ومركزية عند حسم الملفات الكبرى؛ وميثاقية حين تطمئن بعض الطوائف، ودستورية شكلية حين تعترض طائفة أخرى.

هذا الجمع الانتقائي لا يبني دولة، بل يضرب شرعية النظام من داخله. فالديموقراطية التوافقية، إذا لم تكن ملزمة في القضايا المصيرية، تتحول إلى محاصصة بلا شراكة. والديموقراطية الأكثرية، إذا لم تُبنَ على مواطنة وضمانات دستورية، تتحول إلى غلبة عددية. لذلك، لا يملك لبنان ترف البقاء في المنطقة الرمادية نفسها.

وعليه، في خلاصة هذه الدراسة، نحن أمام مسارين جديين:

المسار الأول هو إعادة تعريف التوافقية بوصفها قاعدة ملزمة في القضايا الوجودية الكبرى: الحرب والسلم، والسلاح، والتفاوض مع إسرائيل، والاستراتيجية الدفاعية، وتعديل الدستور، وقانون الانتخاب، والسياسة الخارجية الكبرى. وفي هذه الحالة، لا يكفي التصويت العددي داخل الحكومة أو البرلمان، بل لا بد من توافق ميثاقي صريح يمنع شعور أي مكوّن أساسي بأنه مستهدف أو متروك.

أما المسار الثاني، فهو الانتقال الجدي إلى دولة المواطنة كما وعد الطائف نفسه: إلغاء تدريجي للطائفية السياسية، وإنشاء مجلس شيوخ للطوائف، واعتماد قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وتحرير الإدارة من المحاصصة، وربط السيادة بالدولة العادلة لا بالدولة الغالبة.

ما عدا ذلك، فإن لبنان سيبقى عالقًا في التناقض نفسه: نظام يحتاج إلى التوافق كي يعيش، لكنه يميل إلى الأكثرية عندما يريد أن يحسم؛ ودولة تطلب من جماعاتها أن تثق بها، لكنها لم تمنحها بعد ضمانات كافية لتخاف أقل. ومن هنا، فإن أزمة لبنان اليوم ليست مجرد خلاف على سلاح أو تفاوض، بل لحظة اختبار تاريخية للصيغة اللبنانية كلها: هل الشراكة عقد دائم، أم هدنة مؤقتة تنتهي عندما يتغير ميزان القوة؟

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  كتاب "في المواقف الإسرائيلية ما بعد حكم الأسد".. قلق وجودي مفتوح