من هرمز إلى لبنان.. حدود القوة الأميركية

تزامن التصعيد الأميركي ضد إيران مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، ما فتح الباب أمام تكهنات بعودة الحرب بين الطرفين على نطاق واسع، خصوصًا أن هذا التصعيد لم يمرّ من دون رد إيراني استهدف قواعد أميركية في كل من الكويت والبحرين وعُمان وقطر والأردن.

جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انتهاء مفعول وقف النار في مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية لتعزز هذه التوقعات. لكن، مع اختتام قمة الناتو، توقفت العمليات العسكرية الأميركية كما توقفت الردود الإيرانية الميدانية بصورة مفاجئة، الأمر الذي طرح سؤالًا أساسيًا حول أسباب التصعيد السريع وسرّ التراجع الأسرع.

لا يختلف كثيرون على أن مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية ببنودها الأربعة عشر شكّلت اعترافًا أميركيًا ضمنيًا بعدم تحقيق الحملة العسكرية الأميركية ـ “الإسرائيلية” أهدافها المعلنة ضد إيران. غير أن لجوء ترامب إلى التصعيد بالتزامن مع انعقاد قمة الأطلسي بدا محاولة لاستدراج حلفائه في الناتو إلى مواجهة أوسع مع طهران، مستفيدًا من تداعيات إغلاق مضيق هرمز وما أحدثه من ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، وما فرضه من ضغوط على اقتصادات دول الحلف والدول الغربية عمومًا.

إلا أن هذه المحاولة لم تحقق أهدافها، كما لم تنجح محاولات مشابهة سبقت وقف إطلاق النار. ولهذا التعثر أسبابه الذاتية والموضوعية.

فعلى المستوى الذاتي، كانت اقتصادات دول الأطلسي لا تزال واقعة تحت ضغط الحرب الروسية ـ الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، وأي انخراط مباشر في حرب ضد إيران كان سيضيف أعباء اقتصادية وسياسية كبيرة، قد تصل في بعض الدول إلى مستويات يصعب احتواؤها، خصوصًا في ظل عدم قدرة الإدارة الأميركية على إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة برغم محاولات الضغط العسكري والاقتصادي على إيران.

كما أن قدرة إيران على الصمود في مواجهة الحملة الأميركية ـ “الإسرائيلية”، برغم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها، وضعت دول الناتو أمام معادلة صعبة: إما الذهاب نحو مواجهة عسكرية مفتوحة تتطلب في نهاية المطاف عملًا بريًا واسعًا ضد دولة ذات مساحة جغرافية كبيرة، وإما العودة إلى مسار التسوية السياسية انطلاقًا من مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية.

وبما أن خيار الحرب البرية يحمل في طياته احتمالات انفجار إقليمي واسع يصعب توقع حدوده ونتائجه، فإن التسوية عادت لتفرض نفسها بوصفها الخيار الأكثر واقعية.

في هذا السياق، جاءت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل الإمام علي الخامنئي في كل من إيران والعراق، وما رافقها من مشاركة مليونية، لتقدم مؤشرًا إضافيًا على حجم الالتفاف الشعبي حول النظام الإيراني. وقد عزز هذا المشهد القناعة بأن توسيع الحرب قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، خصوصًا في ظل الامتداد الشيعي في العراق ومناطق أخرى من الشرق الأوسط.

وإذا كان صمود القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية أحد العوامل الأساسية في وصول المواجهة إلى طريق مسدود، فإن المشاركة الشعبية الواسعة في التشييع شكلت عاملًا مكملًا لهذه الصورة. كما أنها ناقضت الكثير من القراءات الغربية التي راهنت على وجود حالة انفصال واسعة بين الشعب الإيراني ونظامه.

في المقابل، تراجع حضور رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني الراحل محمد رضا بهلوي، والذي كان من أبرز المرحبين بالضغط الخارجي على النظام الإيراني. وقد بدا أن المشهد الداخلي الإيراني، خلال الحرب وما بعدها، أعاد تثبيت ثلاثية اعتمدت عليها طهران في خطابها السياسي: الشعب والجيش والحرس الثوري.

أما المحاولة الثانية التي سعى من خلالها ترامب إلى دعم حليفه رئيس وزراء الكيان “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو خلال قمة الناتو، فتمثلت في محاولة دفع تركيا إلى الانخراط بصورة غير مباشرة في المواجهة مع المقاومة اللبنانية، عبر البوابة السورية ومن خلال الرئيس السوري أحمد الشرع.

غير أن هذه المحاولة واجهت بدورها عقبات كبيرة. فسوريا، بعد سقوط النظام السابق، أصبحت أكثر ارتباطًا بالمعادلة التركية، فيما لا يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وارد تقديم مكاسب مجانية لنتنياهو. فدخول دمشق في مواجهة مع المقاومة اللبنانية من خلال الحدود الشرقية لا يخدم، وفق الحسابات التركية، المصالح التركية أولًا ولا المصالح السورية ثانيًا.

فالكيان “الإسرائيلي” كان قد سارع، بعد أيام قليلة من سقوط بشار الأسد، إلى تنفيذ حملة جوية واسعة استهدفت القدرات العسكرية السورية البرية والبحرية والجوية والصاروخية والتقنية، ما أدى إلى إضعاف كبير لما تبقى من بنية الجيش السوري. كما تجاوز الجيش “الإسرائيلي” خطوط الهدنة المعمول بها منذ حرب عام 1973، ووصل بقواته إلى مسافة قريبة من العاصمة دمشق، بالتوازي مع محاولة الاستثمار في التوترات الداخلية السورية، ولا سيما في منطقة السويداء، عبر تعزيز العلاقة مع بعض القوى الدرزية هناك مستفيدًا من الغطاء السياسي والديني الذي وفره شيخ عقل الطائفة الدرزية في فلسطين المحتلة موفق طريف.

وكانت هذه التطورات وتداعياتها من الأسباب الأساسية التي أدت إلى تعثر المفاوضات السورية ـ “الإسرائيلية” المباشرة، بعدما حاول نتنياهو فرض اتفاق يستند إلى ميزان القوة الجديد. إلا أن الشرع، وبرغم محدودية القدرات العسكرية المتاحة أمامه للدفاع عن الحدود السورية، استند إلى الدعم التركي الواسع في رفض شروط اعتبرها غير مقبولة.

إقرأ على موقع 180  الأسد يتنفس الصعداء.. بدء موسم الحج العربي إلى دمشق!

في الخلاصة، يمكن القول إن ترامب خرج من قمة الناتو من دون تحقيق الهدفين الأساسيين اللذين سعى إليهما: لم ينجح في دفع دول الحلف إلى الانخراط مجددًا في مواجهة عسكرية أوسع مع إيران، ولم يتمكن من استدراج تركيا ومعها سوريا إلى فتح جبهة جديدة ضد المقاومة في لبنان.

وفي مقابل هذا التعثر، حصلت واشنطن على خطوة سياسية محدودة تمثلت في زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض تلبية لدعوة ترامب. غير أن هذه الزيارة فقدت جزءًا من زخمها مع رفض عون عقد لقاء مع نتنياهو، في ظل استمرار الجيش “الإسرائيلي” في خرق اتفاق الإطار الموقع بين الجانبين اللبناني و”الإسرائيلي” برعاية أميركية.

يبقى السؤال الأساسي: إلى أين تتجه الأمور؟

يبدو أن خيار الحرب بات أكثر تعقيدًا على الجبهة الإيرانية، فيما كشفت التجربة اللبنانية حدود الرهان على المفاوضات المباشرة غير المتوازنة، خصوصًا في ظل عدم التزام “إسرائيل” ببنود اتفاق الإطار، وعدم التزام واشنطن الكامل بما ورد في مذكرة التفاهم مع إيران.

ومع تمسك طهران بما تعتبره حقًا سياديًا في التحكم بأمن مضيق هرمز وحركة الملاحة فيه، وما يمثله ذلك من ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي واقتصادات دول الخليج، فإن أي عودة إلى المفاوضات ستجري ضمن ميزان مختلف. وقد تجد واشنطن نفسها أمام ضغوط سياسية واقتصادية تدفعها إلى تقديم تنازلات أوسع من تلك التي تضمنتها مذكرة التفاهم الأولى مع إيران.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ترامب يذهب أبعد من نتنياهو.. هل تُفرّط إيران بآخر أوراقها؟