الصديق عبد الجبّار العلي، حفيد صاحب مقهى عبد ننه، خاطبني قائلًا: يا أبا سوسن ألا ترغب في تحويل مقالتك الموسومة “مقهى وروّاد ومدينة: ذاكرة المكان ونوستالجيا التاريخ” إلى كتاب، فهي المدخل المناسب للحديث عن المقاهي والذاكرة والمدن، وهو رأي سبق أن وردني من بعض أصدقائي النجفيين.
أمّا الدكتور أحمد عبد الكريم من دهوك فكتب يقول: حياكم الله بروفيسور.. المقالة هائلة.. هائلة، ومع يفاعتي زرت العديد من الأماكن التي ذكرتموها. ولا أنسى طنجة التي أحاول ودار نينوى استحصال حقوق ترجمة كتاب رائع للكاتبة الإسبانية كريستينيا باريو “ضباب في طنجة” لأترجمه إلى العربية.. دمتم ودام يراعكم المتّقد.
بدوره، الصديق شيرزاد النجار كتب: عزيزي أبو ياسر.. استمتعت بقراءة هذه المقالة الرائعة وأشكرك على ذكر مقهى عبو في أربيل.. كنتُ أحب أن تكتب أكثر عن مقهى البرازيلية في بغداد ودورها في النشاط الفني.. ولكن يمكن الحديث عنه في مقالة خاصة.. بارك الله فيك..
وكتب لي الصديق محمد الشبيبي قائلًا بعد التحية: ومن مقاهي بغداد الشهيرة البرازيلي في نهاية شارع الرشيد ومقهى شط العرب (بجانب جسر حافظ القاضي)، وكانت المقاهي مكانًا لنشر الوعي وتداول الأخبار.
وكتب لي د. حسن جونيه، الخبير الدولي القانوني، يقول: صباح الخير. كان لي شرف أن أجلس معك في مقهى تاريخي بمدينة نابولي يُدعى غامبرينوس، كنت آمل أن تأتي على ذكره.
طنجة مدينة الغنج والدلال
هكذا يصف الشاعر الكبير الجواهري مدينة طنجة، التي عُدت لاستذكارها مع الأصدقاء، وكان سعدي يوسف قد خصّص لها مجموعة شعرية كاملة بعنوان “ديوان طنجة“، التي مثّلت فضاءً شعريًا اتّسم بنبرة تأملية على طريقته في رصد الحياة اليومية والأماكن والفنادق والمقاهي والحانات والطيور والنوارس والأسواق والناس العاديين، شملت مقهى القديسة باولا وكيس الخش وحانة البارغولا وصباح الأحد ونافذة فندق ريتز “مارتيل”:
أجلس في المقاهي
مقهى القديسة باولا
منذ الصباح الباكر أجلس في المقهى
طنجة تستيقظ
لست أنا من يوقظ طنجة
من قال الحلم ينام (…).
طنجة سيدة الأنوار السبعة
أغنية البحّار.
وكنت قد سكنت أكثر من مرّة في فندق “فيلا دي فرانس”، إلى جوار الغرفة رقم 35، ولفت نظري أنها مقفلة على الدوام، ولكن صادف في أحد الأيام أن وجدت بابها مفتوحًا ومواربًا، فاقتربتُ منه فقرأت على لوحة نحاسية فوقه اسم الرسام الفرنسي الشهير هنري ماتيس (1869-1954)، فطلبت من عاملة التنظيف إدخالي إليها، فوجدتها غرفة مميّزة من حيث سعتها وعدد نوافذها، ولعلّ ذلك ما أوحى لماتيس رسم لوحته الشهيرة “نافذة في طنجة“، حيث عاش فيها خلال عامي 1912 و1913، وتخليدًا لذكراه أُقفلت الغرفة التي حملت لمساته الإبداعية.
وطنجة بفعل موقعها الاستراتيجي وتاريخها مثّلت ملتقى ثقافيًا وحضاريًا، فاستقطب كوكبة من الشخصيات الروائية والفنية، علمًا بأن الرحالة الكبير ابن بطوطة ولد فيها العام (1304)، وعاش فيها كل من محمد شُكري، الروائي اللّامع، صاحب رواية “الخُبز الحافي“، والروائي والموسيقي الأميركي بول بولز والرسام الفرنسي أوجين دي لاكروا، الذي وقع في سحر المدينة منذ زيارته الأولى في العام 1882.
كما عاش ابن رُشد الفيلسوف والطبيب والعالم الأندلسي في طنجة خلال حُكم الموحّدين يوم كان قاضيًا، قبل أن ينقلب عليه أبو يوسف المنصور الخليفة الموحّدي، فيأمر بنفيه إلى مكان قريب من قرطبة بعد اتهامه بالزندقة، وبعد عدة سنوات أُعفي عنه وأعيد إلى بلاط الخليفة في مراكش، ولكنه توفيّ بعد فترة قصيرة في العام 1198 ودُفن فيها، وقبل ذلك كان قد أَحرق كتبه، وحين سأله أحد مريديه، لماذا تفعل ذلك؟ أجابه: لا تحزن يا بني فللأفكار أجنحة، وبالفعل للأفكار أجنحة.. إنها تطير، وهكذا وصلتنا بعد نحو 900 عام عن طريق أوروبا، وتلك إحدى المفارقات الكبرى.
وفي العام 2019 احتفلت طنجة بعودة ماركس في ندوة كبرى بعنوان “في الحاجة إلى ماركس: أفول القيم في زمن الطفرة الرقمية“، نظّمتها مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية (الدورة 15 لمهرجان ثويزا من 25 إلى 28 تموز/يوليو 2019)، ضمّت شخصيات فكرية وثقافية عديدة من بينها فوّاز طرابلسي وعبد الإله بلقزيز ونور الدين العوفي، وأقيم فيها معرض وندوة عن محمد شكري، وقدّمت فيها محاضرة عن ماركس والماركسية في القرن الحادي والعشرين.
مقهى البرازيلية
حسب معلوماتي أن مقهى “البرازيلية” افتُتح في أربعينيات القرن المنصرم، وظلّ محافظًا على طرازه الأوروبي، على عكس المقاهي العراقية الأخرى، وكان ملتقى المثقفين والأدباء والشعراء في حينه، حيث كان يتردّد عليه، كما أعرف، بدر شاكر السياب وبلند الحيدري ورشيد ياسين وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد، وأحيانًا جبرا إبراهيم جبرا وعبد الملك نوري وآخرين، والأخيران كانا من جلّاس مقهى آخر اسمه “المقهى السويسري”، القريب من مقهى “البرازيلية”، وكلاهما في محلّة المربّعة في شارع الرشيد، وامتاز الأخير بطراز أوروبي حديث هو الآخر. وكان صاحب مقهى “البرازيلية” عمر بدوي الصباغ، لبناني الأصل، وقد منحته الحكومة العراقية الجنسية تقديرًا لخدماته، ومن جلاسه نوري السعيد.
وفي هذا المقهى بدأت الحركة التجديدية للرسم تتبلور على يد جواد سليم وجماعته “أنت الآن عرفت اللون.. أنت الآن عرفت الرسم”، كما تبلورت في المقهى أيضًا فكرة تأسيس أول اتحاد للأدباء في العراق في مطلع خمسينيات القرن المنصرم.
وأتذكر أنني في العام 1969 تعرّفتُ على علي صالح السعدي (الزعيم البعثي المعروف)، وقدّمني إليه حازم البزّاز، وقد التقيته بعد ثلاث سنوات في براغ في العام 1972 حين جاء للاستشفاء، وكنتُ حينها رئيسًا لجمعية الطلبة العراقيين، وجئت على ذكر ما حصل له في حفل أقيم بمناسبة صدور بيان 11 آذار/مارس 1970، حيث كان قد تعرّض له أحد الطلبة بحضور السفير العراقي محسن دزئي، الذي دوّن الحادثة أيضًا في مذكراته الموسومة “أحداث عاصرتها” (3 أجزاء، مؤسسة آراس للطباعة، أربيل، 2001).
وقد قضيت مع السعدي نحو 7 أو 8 ساعات، استمعت إليه وهو يبوح لي بمرارة كبيرة وألم موجع عن أحداث عاشها، ويمكن الرجوع بشكل أشمل إلى هذه الفقرة في مقالتي عن مهدي الحافظ الموسومة “مهدي الحافظ: يا له من زمن” (نشرت في جريدة “الزمان” العراقية على 4 حلقات في 8، 9، 10، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2018)، كما يمكن الاطلاع على مذكرات عبد الستار الدوري الموسومة “أوراق عتيقة من دفاتر حزب البعث” (3 أجزاء، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2014)، ويروي فيها عن فترة عصيبة من تاريخ العراق في ستينياته العويصة من القرن العشرين، ويكرّس جزءًا منها عن علاقته بعلي صالح السعدي.
مقهى شط العرب
يطلّ “مقهى شط العرب” على نهر دجلة، وتدخل إليه إمّا من شارع الرشيد أو بالقرب من جسر الأحرار بتقاطع حافظ القاضي بجوار أورزدي باك (أول مول في العالم العربي، الذي افتُتح في العام 1932 لصاحبه اليهودي الذي يحمل نفس الاسم)، وكان المقهى يتحوّل في فترة الامتحانات إلى محل للدراسة والمطالعة، إضافة إلى لقاء الأصدقاء، فقسم منهم من بغداد وقسم قادم من المحافظات، وأتذكّر أن يوم إعلان “بيان 11 آذار”، كانت مجموعة من الأصدقاء موجودة في المقهى، وعلى نحو غير منظّم بدأوا بالتصفيق بعد إذاعة البيان من إذاعة وتلفزيون بغداد، وهكذا صفّق جميع من في المقهى، وهناك من هتف عاشت الأخوّة العربية – الكردية.
وأتذكّر أيضًا أننا في اليوم التالي شاركنا في مسيرة كانت قد أعّدت لها الحكومة تأييدًا للبيان، وهي خطّة اتّبعناها في المناسبات الوطنية العامة خلال تلك الفترة لتأكيد وجودنا ورغبتنا في التعاون الوطني من جهة ولكسر الاحتكار السياسي من جهة أخرى، وكاد الصديق لؤي أبو التمّن أن يعتقلْ فيها، علمًا بأنه كان عضوًا في الوفد المفاوض مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق، وعدنا وشاركنا بقرار مركزي في مسيرة أخرى يوم 21 آذار/مارس، وتعرّض رفاقنا وأصدقاؤنا إلى هجوم شديد، اضطررنا بعدها للتفرّق.
مقهى عزيز
عند مدخل مقهى “شط العرب” كان هناك مقهى صغير اسمه “مقهى عزيز”. صاحبه يُدعى عزيز العادلي، وهو من النجف ومن أقارب أصدقائي جواد وحمودي العادلي (وقضى الأخير بضعة سنوات في سجن نقرة السلمان)، وقد اعتمدنا هذا المقهى في الانتخابات الطلابية في العام 1969 مقرًا أو مكانًا للقاء القائمة المهنية التي ضممنا إليها طلبة من الحركة الاشتراكية العربية (جماعة عبد الإله النصراوي)، وبالطبع فإن نتائجها كانت معروفة، بل محسومة سلفًا، وفي كلّ مرّة كنت أحاول فيها دفع ثمن الشاي أنا ومن معي، كان عزيز صاحب المقهى يقول “واصل”، ويرفض استلام المبلغ ويؤمّلني في المرّة المقبلة انه سيفعل ذلك، لكنه في كلّ مرّة يعيد الكرّة.
مقهى غامبرينوس
ثمة مقهى يقع في الساحة الرئيسية بيازا ديل بيلبيسيتو في مدينة نابولي الإيطالية اسمه “مقهى غامبرينوس“، وهو مقهى المشاهير ويقصده السواح من كلّ مكان. وللعلم فإن صوفيا لورين نشأت في مدينة نابولي الجميلة وانطلقت مسيرتها الفنية من هناك.
في العام 2019 كنا نحضر اجتماعًا لاتحاد الحقوقيين الديموقراطيين العالمي انعقد في نابولي، وكان حينها الجو السياسي في المنطقة محتدمًا، حيث أصدرنا نداءً باسم “إعلان نابولي”، وكان لي شرف كتابته، علمًا بأن الاتجاه الغالب في الاجتماع كان يميل لصالح التضامن مع فلسطين، وإدانة اقتحام نحو 30 ألف مستوطن باحات المسجد الأقصى، والتنديد بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، واستنكار الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على هضبة الجولان السورية، وهو ما ينطبق عليه قول الرئيس جمال عبد الناصر عن وعد بلفور “وعد من لا يملك لمن لا يستحق“. وعلى الرغم من ممانعة بعض المندوبين، فقد صدر البيان بالأغلبية المناصرة للحقوق الفلسطينية، ولا سيّما حق تقرير المصير، وهكذا يُعتبر “إعلان نابولي” وثيقة تاريخية.
ويمتاز “مقهى غامبرينوس” بطابعه التاريخي، حيث فخامة الطراز القديم وديكوراته المنسوجة، وعلى الشرفة يمكنك أن تطل على مسرح سان كارلو. وبالقرب من المقهى أول مطعم بيتزا بالعالم، وهو مطعم “أنتيكا بيتزيريا بورت ألبا“، الذي تأسس كمتجر لتجهيز الباعة المتجولين في بداية الأمر في العام 1738، ثمّ جُهّز بالطاولات والكراسي في العام 1830 ليتحوّل إلى مطعم.
تبقى هناك حانة في هافانا (كوبا) سأفرد لها فقرة خاصة، وقد جئت على ذكرها في كتابي “كوبا الحلم الغامض“، حين تناولت علاقة الشيخين والبحر (أرنست همنغواي ومحمد مهدي الجواهري).
(*) راجع مقالة الكاتب بعنوان: المقاهي ذاكرة المدن.. من “هافانا” دمشق إلى “نيويورك” بودابست
