تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة، حيث يتزامن الانهيار الاقتصادي المستمر مع تحولات إقليمية واسعة تشمل إعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط، وتبدل أولويات القوى الدولية، وتصاعد أهمية ملفات الأمن والطاقة والحدود. وفي هذا السياق، يعود لبنان إلى موقعه التقليدي كنقطة تقاطع بين مصالح متنافسة تتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة، ما يعمّق من تعقيد أي محاولة لفهم دوره أو التأثير عليه بمعزل عن محيطه.
تاريخياً، احتل لبنان موقعاً ثابتاً نسبياً في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، وإن شهدت أدوات التأثير والأهداف المعلنة تغيرات متكررة تبعاً للظروف الإقليمية والدولية. خلال أزمة عام 1958، تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً دعماً للنظام اللبناني في إطار عقيدة أيزنهاور، بينما تراجع حضورها المباشر خلال الحرب الأهلية لصالح إدارة إقليمية للأزمة قادتها سوريا إلى حد كبير.
وشكّل القرار 1559 عام 2004، غداة الغزو الأميركي للعراق (2003)، محطة مفصلية في المقاربة الدولية تجاه لبنان، إذ أصبح مبدأ بسط سلطة الدولة واحتكارها لأدوات القوة محوراً ثابتاً في الخطاب الأميركي والدولي، وإن اختلفت أدوات تحقيقه عبر المراحل المختلفة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بحجم الحضور الأميركي، بل بطبيعة الهدف الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه لبنانياً. هل ما تزال تتعامل مع لبنان كملف يُدار عبر احتواء الأزمات ومنع انفجارها، أم كجزء من إعادة صياغة أوسع للتوازنات الأمنية والسياسية في شرق المتوسط؟
الانهيار الاقتصادي
خلال السنوات الأخيرة، بدت المقاربة الأميركية أقرب إلى ربط الاستقرار اللبناني بإعادة هيكلة التوازنات الإقليمية الاقتصادية والأمنية. ويظهر ذلك بوضوح في الدور الأميركي الذي رافق اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، والذي عكس تفضيلاً لمعالجة النزاعات عبر ترتيبات تقنية واقتصادية تفتح نافذة للاستقرار، من دون الانخراط المباشر في إعادة تشكيل البنية السياسية الداخلية للدولة اللبنانية.
في المقابل، يرى آخرون أن هذه المقاربة أكثر تواضعاً، وأن الهدف الأميركي الأساسي يقتصر على منع الانهيار الكامل للدولة اللبنانية وتجنب تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي. وبين هذين التفسيرين، يظل الثابت أن قدرة أي طرف خارجي على فرض تصور سياسي مكتمل في لبنان تبقى محدودة أمام تشابك الداخل وتعدد مراكزه الفاعلة.
يبرز البعد الاقتصادي بوصفه أحد أكثر أدوات التأثير فاعلية، لا من خلال التحكم المباشر بالقرار اللبناني، بل عبر التأثير في البيئة المالية الدولية التي يحتاجها لبنان للخروج من أزمته. فمنذ الانهيار الاقتصادي والمالي عام 2019، باتت فرص الوصول إلى التمويل الخارجي وإعادة هيكلة الاقتصاد مرتبطة بشبكة معقدة من الشروط والتفاهمات الدولية، ما جعل النفوذ الاقتصادي جزءاً أساسياً من النقاش حول حدود استقلال القرار اللبناني.
وفي حين يرى بعض اللبنانيين أن هذا الدور يشكل نافذة لإطلاق إصلاحات طال انتظارها، يعتبر منتقدوه أن الفصل بين الإصلاح والاعتبارات الجيوسياسية ليس ممكناً دائماً، إذ تتداخل شروط التمويل مع اعتبارات تتعلق بموقع لبنان الإقليمي وعلاقاته الخارجية.
وتبرز المفاوضات المتعثرة مع صندوق النقد الدولي مثالاً واضحاً على ذلك؛ فعلى الرغم من وجود إجماع دولي على ضرورة الإصلاح، بقيت معظم الخطوات معلقة بفعل الانقسامات الداخلية وتضارب المصالح السياسية، ما أظهر أن أدوات الضغط الخارجية لا تتحول تلقائياً إلى نتائج سياسية أو اقتصادية فعالة.
لذلك، يمكن النظر إلى النفوذ الاقتصادي الأميركي باعتباره قدرة على توسيع أو تضييق هامش الخيارات المتاحة أمام لبنان، أكثر منه قدرة على فرض مسار سياسي أو اقتصادي محدد.
منع الانهيار
وفي موازاة القنوات الثنائية التقليدية، برزت اللجنة الخماسية التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر كإطار تنسيقي غير رسمي يعكس طبيعة الدور الخارجي في لبنان: إدارة التوازنات أكثر من صناعة القرارات. فهي ليست أداة لفرض تسوية شاملة بقدر ما هي آلية لتقليل مخاطر الانهيار وضبط حدود التدهور المؤسسي.
ويحتل دعم الجيش اللبناني موقعاً محورياً في المقاربة الأميركية، باعتباره أحد الأعمدة القليلة القادرة على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الأمني. غير أن هذا الدعم يعكس في جوهره مقاربة تركز على منع الانهيار أكثر مما تسعى إلى إعادة بناء الدولة، ما يجعل المؤسسة العسكرية جزءاً من إدارة الأزمة لا أداة لحلها النهائي.
وغالباً ما يُقدَّم المشهد اللبناني على أنه ساحة تنافس بين محورين: الولايات المتحدة وشركاؤها من جهة، وإيران وحلفاؤها من جهة أخرى. غير أن هذا التصور يبسط واقعاً أكثر تعقيداً، إذ لا تُقاس القوة في لبنان بقدرة أي طرف على فرض إرادته بالكامل، بل بقدرته على تعطيل أو تقييد قدرة الآخرين على تحقيق أهدافهم.
ولهذا السبب، نادراً ما ينجح أي طرف في تحقيق انتصار حاسم، لكنه غالباً ما ينجح في منع خصومه من الحسم أيضاً.
وتمتلك الولايات المتحدة وشركاؤها عناصر قوة يصعب تجاهلها، من النظام المالي الدولي وشبكات التمويل إلى الدعم السياسي للمؤسسات اللبنانية في المحافل الدولية. لكن رسم الإطار العام لا يعني التحكم الكامل بالمشهد الداخلي، إذ يمتلك اللاعبون المحليون والإقليميون أدوات فعالة للتأثير في المسارات وتعطيل ما يتعارض مع مصالحهم.
الخلط بين النفوذ والسيطرة
في المقابل، يعكس الدور الإيراني نموذجاً مختلفاً في استخدام القوة، قائماً على شبكات التحالف المحلية والقدرة على الصمود السياسي والأمني داخل بيئات اجتماعية محددة، أكثر من اعتماده على الأدوات المؤسسية والدبلوماسية التقليدية.
وهكذا، لا يبدو الصراع في لبنان صراع سيطرة بقدر ما هو صراع على حدود التأثير وشروطه.
لا يبدو لبنان ساحة خاضعة بالكامل لأي محور، كما أنه ليس مستقلاً عن تأثير المحاور المتنافسة، بل يعيش في منطقة وسطى تتقاطع فيها مصادر متعددة للقوة، ما يجعل إنتاج التسويات أكثر احتمالاً من إنتاج الانتصارات النهائية.
وبرغم أن المقاربة الأميركية تجاه لبنان تقوم على مزيج من الضغط السياسي والدعم المؤسسي وإدارة التوازنات الإقليمية، فإن فعاليتها تبقى مرهونة بعوامل تتجاوز الإرادة الأميركية نفسها. فطبيعة النظام اللبناني، والانقسامات الداخلية، والبيئة الإقليمية، جميعها تضع حدوداً لأي محاولة خارجية لإعادة تشكيل الواقع السياسي اللبناني.
وفي حال تعثر هذه المقاربة، فإن النتيجة الأرجح لن تكون تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية، بل اتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، بحيث يصبح الهدف الأساسي هو منع الانهيار لا تحقيق التعافي، مع ما يرافق ذلك من اتساع هامش الحركة للقوى الإقليمية الأخرى.
ربما تكمن الإشكالية الحقيقية في النقاش اللبناني في الخلط بين النفوذ والسيطرة. فالسؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما تمتلك تأثيراً في لبنان، بل ما إذا كان هذا التأثير كافياً لإنتاج استقرار مستدام في نظام يقوم أساساً على توازنات هشة ومتعددة المستويات.
ولعل التجربة اللبنانية نفسها تشير إلى حقيقة أبسط مما يُعتقد: فالقوى الخارجية تستطيع التأثير، وقد تستطيع التعطيل، لكنها نادراً ما تستطيع الحسم. أما الدول القوية فلا تُقاس بغياب التدخل الخارجي، بل بقدرتها على جعله عاملاً ثانوياً لا محدداً لمصيرها.
