يرتبط هذا التوقيت، بطبيعة الحال، ارتباطًا مباشرًا بـ«حربه الانتخابية»، في انتظار ساعة الحسم مع الانتخابات المقررة في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل. فكلما جاء الخطاب أكثر تعبيرًا عن أهداف اليمين المتشدد، الديني والسياسي، الحاكم والمهيمن في إسرائيل، بمختلف أطرافه ومكوناته التنظيمية والعقائدية، ازداد إسهامه في الدفع نحو عودة نتنياهو، على رأس حزب الليكود، إلى السلطة.
إنه خطاب يقوم على إلغاء الآخر، هويةً وطنيةً وحقوقًا مشروعة، تستند إلى التاريخ وإلى القوانين والأعراف والقرارات الدولية ذات الصلة. فثمة أصولية دينية وأخرى استراتيجية تحكمان السياسة الإسرائيلية، ضمن لعبة تحالفات داخلية متغيرة تخضع للاعتبارات السياسية التقليدية ولموازين القوى بين هذه الأطراف في كل مرحلة. ويشجع على ذلك، بالطبع، غياب أي رادع دولي فاعل وذي مصداقية يوقف هذا التوجه داخل المجتمع الإسرائيلي.
في غزة، يتم التوسّع تدريجيًا في «الخط الأصفر»؛ فتضيق الجغرافيا ويزداد الثقل الديمغرافي، بما يخلق واقعًا ضاغطًا ومتفجرًا يدفع السكان إلى الرحيل مع مرور الوقت.
والأمر نفسه يتكرر في الضفة الغربية، حيث تتسارع وتتوسع عملية تهويد الجغرافيا والديمغرافيا، من خلال تشجيع الاستيطان الذي يحاصر التجمعات الفلسطينية ويخلق أوضاعًا طاردة للسكان على المدى البعيد، مع ما لذلك من مخاوف وتداعيات، إذا استمرت هذه السياسة، على دول الجوار المباشر والأبعد.
أما في لبنان، الذي كان دائمًا ساحة صراع وحروب للآخرين، أياً تكن عناوين هذه الحروب، فلا يجوز إعفاء اللبنانيين من إسهامهم، بشكل أو بآخر، في تحويل بلدهم إلى إحدى ساحاتها. ومع ذلك، يبقى من الضروري التأكيد، أو التذكير بالنسبة إلى البعض، بأن إسرائيل كانت، وما تزال، دولةً عدوةً ومصدر خطر كبير على لبنان.
غير أن ذلك لا ينفي إسهام أطراف كثيرة، في مراحل مختلفة، ولأهداف وتحت عناوين متعددة، في إشعال أو تسخين «الجبهة اللبنانية». فاستراتيجيات قوى إقليمية، ومعها قوى دولية، حملت مشاريع سياسية أو عقائدية وجدت صدى لدى مكونات لبنانية مختلفة، وأسهمت في تحويل لبنان إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل السياسية ولعبة النفوذ في المنطقة.
وقد أدى ضعف الدولة، أو شللها، بل أحيانًا غيابها، في المجال الأهم المتعلق بالأمن الوطني، وهو المجال الذي يشكل في الأصل إحدى مسؤولياتها الأساسية، أي قرار الحرب والسلم، إلى أن يؤدي لبنان، طوال سنوات، دور «صندوق البريد» لصراعات النفوذ الإقليمي. وكما نقول دائمًا، يتغير اللاعبون، لكن اللعبة لا تتغير.
إسرائيل اليوم ترفض احترام قرار وقف إطلاق النار منذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وما زال موقفها على حاله، كما تؤكد الوقائع اليومية على الأرض.
ويستمر هذا السلوك برغم التوصل إلى الاتفاق الإطاري، الذي لعبت واشنطن الدور الرئيسي في بلورته، ثم رعت المفاوضات المباشرة التي انطلقت في واشنطن قبل أن تنتقل إلى روما.
وأيًا تكن مواقف هذا الطرف أو ذاك من المفاوضات المباشرة، أو من كيفية إدارتها وتحسين شروطها، فإن الأولوية يجب أن تكون لتوظيف كل الأوراق المتاحة من أجل تعزيز الموقف اللبناني.
والمقصود بذلك هو العودة الكاملة إلى الدولة، بما تمثله من مرجعية وحيدة في تحمل مسؤوليات الأمن الوطني، وإنهاء منطق التسويات أو التفاهمات المؤقتة. فهذه التفاهمات، سواء أدت إلى وقف إطلاق النار، أو إلى هدن مؤقتة، أو إلى خفض الصراع العسكري أو تجميده، تبقى بطبيعتها مرحلية، وتنتهي عندما تنتهي وظيفتها بالنسبة إلى أي من الأطراف المتواجهة والممسكة بالوضع الميداني. والأمثلة على ذلك كثيرة، من تفاهم نيسان عام 1996، مرورًا بالتفاهمات غير المكتوبة بعد حرب تموز 2006، وصولًا إلى سقوطها مع حرب إسناد غزة.
إن الخروج من منطق التسويات المؤقتة، أياً يكن عمرها، يفترض أولًا توفير الحد الأدنى من المصداقية للمفاوضات منذ بدايتها. ويكون ذلك عبر التزام إسرائيل الكامل بوقف إطلاق النار، والتوقف عن إغراق مسار المناطق التجريبية أو النموذجية في «الرمال المتحركة» للشروط الجديدة والتعقيدات المتزايدة، بدل المضي في ما يفترض أن يكون انسحابًا تدريجيًا يقابله انتشار تدريجي للجيش اللبناني.
إن سياسة كسب الوقت، والعمل على فرض وقائع جديدة على الأرض، ورفع سقف الشروط التعجيزية التي تكررها إسرائيل قولًا وفعلًا، لن تساعد على إطلاق مفاوضات جدية وفعالة.
المطلوب من الشريك والراعي، أو كما يسميه البعض المهندس الأمريكي للمفاوضات، أن يتخذ موقفًا حازمًا عبر الضغط على إسرائيل لاحترام وقف إطلاق النار احترامًا كاملًا، ووضع حد لحربها المستمرة، والشروع في مسار انسحاب كامل لا جزئي ولا انتقائي، مع توفير المساعدات العسكرية الضرورية لتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته الكاملة على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني إلى الحدود الدولية للبنان، أي خط الهدنة كما نصت عليه اتفاقية الهدنة لعام 1949، وهي اتفاقية لا تملك إسرائيل حق إسقاطها من جانب واحد.. ومن شأن ذلك أن يرسخ الحدود اللبنانية مع إسرائيل بوصفها الحدود الدولية التي رُسمت بين لبنان وفلسطين عام 1923.
وثمة دور بالغ الأهمية لواشنطن، بوصفها المهندس الأساسي للمسار التفاوضي الذي ترعاه، كما للدول الصديقة للبنان، والدول المعنية باستقرار المنطقة، في الدفع بهذا المسار نحو النجاح. ويتم ذلك عبر ممارسة ضغط مباشر على إسرائيل، إذ تمتلك واشنطن، ومعها عواصم دولية أخرى، أوراقًا مؤثرة يمكن توظيفها في هذا الاتجاه، بما يخدم الاستقرار، ليس على مستوى الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية فحسب، بل على المستوى الإقليمي أيضًا.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
