مع طلال حيدر.. الشعر وشياطينه وفيروز والرحابنة وبعلبك هدية الشمس

‏في بلدة بدنايل البقاعية، وعلى مقربة من آلهة الشمس "مدينة بعلبك" التاريخية الأثرية، يقع منزل الشاعر اللبناني طلال حيدر، الذي تعرّض لقصف إسرائيلي في 23 شباط/فبراير 2026، ألحق به أضراراً جسيمة، ولا سيّما بحديقته، لكنه لم يُصب بأذى وكذلك مكتبته، وظلّ طلال مصرًا على عدم مبارحته، على الرغم من موجات النزوح الاضطراري.

عشيّة التسعين في البردوني

‏للاطمئنان عليه وعلى صحته وعشيّة عيد ميلاده التسعين، في 22 آب/أغسطس (المقبل)، كنّا على موعد لزيارته رفقة المحامي ناصر الخليل والمهندس الفنان الحارث حيدر، وجلسنا في حديقته العامرة التي استضاف فيها عشرات المبدعين والفنانين والمفكّرين والشخصيات الثقافية، حيث ازدانت مائدتنا بصحون من الفاكهة البعلبكية الشهية لحظة وصولنا. ثم اصطحبناه إلى عروس البقاع “مدينة زحلة” التي تتوسّط سهل البقاع الخصيب، ودائمًا ما يرد اسمها باعتبارها “مدينة الشعر والخمر“.

وجلسنا في مطعم “العربي” الشهير الذي ينتصب في مدخله تمثال الشاعر الكبير أحمد شوقي والفنان المبدع محمد عبد الوهاب، ويقع على نهر البردوني الذي ينبع من جبل صنّين ويشقُّ طريقه متدفّقًا بوسط الوادي الذي بنيت فيه المدينة.

‏بدأنا الحوار في لحظة اللقاء الأولى، بل هو من بادَر إليه بالقول قبل أن نسأله، “الحرب يا خيّي” مثل الليل مخيفة، أما الإصابة فهي في داخلي وليست في منزلي، وقد شعرت بالنار تسري بين ضلوعي لحظة عرفت أن بعلبك تحترق، فأنا وهي في وحدة عضوية لا انفصام بيننا. بعلبك هدية الشمس (هليوبوليس)، وهي هديتي كذلك، فأنا محظوظ لأنني من بعلبك.

كان ذلك استقبال فريد للشاعر المسكون ببعلبك والعاشق الولهان بحبّها، وقد بدا لي وكأنه طفل يعبث بما حوله، فهو لا يريد أن يكبر، فقد استمرأ مرحلة الطفولة التي يعيشها إلى اليوم، بل إنه يجد نفسه طفلًا مدلّلًا حيثما حلّ وأينما رحل، وهو ما شاهدته بأم عينيّ ونحن عند نهر البردوني نتجاذب أطراف الحديث، ونحتسي شيئًا من دنانها المعتّقة ونستمع إليه، وكان العديد من المعجبات والمعجبين يتوافدون إليه للسلام عليه وتقبيله.

ميشال أبو جودة

‏قرأت لطلال حيدر قبل أن أتعرّف عليه في النصف الثاني من الثمانينيات، حيث التقينا لأول مرّة عند ميشال أبو جودة رئيس تحرير جريدة “النهار” العريقة، الذي كنتُ شديد الإعجاب بعموده الصحافي الباهر والموسوم “أضواء“. حينها كنتُ أتردّد على بيروت قادمًا من الشام لمتابعة إصدار جريدة “المنبر” التي كنتُ رئيسًا لتحريرها، وبقيتُ أتابع مُنتج طلال الأدبي والشعري، حتى اجتمعنا بعد سنوات في مهرجان الجنادرية الثقافي في الرياض، وانعقدت بيننا صداقة مديدة قاربت ثلاثة عقود من الزمن. وكنتُ قد حضرتُ تكريمه في بعلبك في 4 تموز/يوليو 2022 مع الأصدقاء الشاعرة والإعلامية نوال الحوار والبروفيسور شيرزاد النجار والمحامي هاني سليمان مدير “دار الندوة” في بيروت.

الشيخ عبد الزهراء عاتي

رويت له ونحن ندخل مطعم “العربي” كيف أننا اصطحبنا الشيخ عبد الزهراء عاتي، وهو المعمّم القادم من النجف لزيارة لبنان للمرة الأولى، وكان مشواره الأول إلى زحلة، وحين شاهد الأجواء الساحرة والطبيعة الخلّابة، استعاد معنا ما قاله شوقي، وخصوصًا وأن صوت عبد الوهاب كان يُصدّح عبر الميكروفون:

يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وَعادَني/ ما يُشبِهُ الأَحلامَ مِن ذِكراكِ

مَثَّلتُ في الذِكرى هَواكِ وَفي الكَرى/ وَالذِكرِياتُ صَدى السِنينَ الحاكي

ثم اختفى لنحو ساعة، وحين عاد قرأ علينا قصيدته التي يقول في مطلعها:

ومليحٌ رمتُ وصله/ ما رأت عيناي مثله

قال لي إن رمتَ وصلًا/ موعد العشّاق زحلة

وقد اتّصلنا بصحيفة “الحياة” حينها وأرسلنا القصيدة عبر سائق خالي ناصر شعبان إلى بيروت، ليتم نشرها بعد عدّة أيام. وكان الشيخ عاتي بعمامته البيضاء الناصعة، ونظارته الأنيقة مزهوًا وهو في مقهى “الشامات” في بحمدون، وقد اقتنى بضعة أعداد من الجريدة لكي يوزّعها على أصدقائه ومعارفه من العراقيين، الذين كانوا يصطافون فيها، وغالبيتهم الساحقة من الطبقة الوسطى العراقية، ومن المثقفين الذين كان يزدحم فيهم لبنان في الصيف.

القصيدة المحكيّة

يُعتبر طلال حيدر رائد القصيدة المحكيّة واستمرار لمدرسة سعيد عقل وميشال طراد والأخوين رحباني، وقد نهل من التراث العربي، وتمكّن من اللغة، وتفاعل مع الحداثة الشعرية ليأخذنا إلى آفاق بعيدة ورؤى جمالية جديدة ومناطق غير مطروقة بصوره المجازية.

يقول الشاعر شوقي بزيع عن طلال حيدر أنه رافق جيل الروّاد، وشارك في الندوة الأسبوعية الخاصة بمجلة “شعر”، وتفاعل مع انطلاقة مهرجان بعلبك، فقد ولد في العام 1937 في سهل البقاع، الذي يقع بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية الشاهقتين، ونهري العاصي والليطاني، اللذين ينبعان من سهل البقاع “الفسيح المبقّع بالألوان”، لكنهما يسيران باتجاه معاكس، فالعاصي يجري من الجنوب إلى الشمال صعودًا نحو سوريا وتركيا، أما الليطاني فيتجه من الشمال إلى الجنوب نزولًا إلى جنوب لبنان قبل أن ينعطف غربًا ليصب في البحر المتوسط.

يتميّز طلال بلغة شعرية عذبة وجملة أنيقة وكلمة رشيقة وفكرة عميقة، حيث يجتمع في قصيدته الأقانيم الثلاثة:

أولها؛ سحر المرأة، الذي ظلّ ملازمًا له يتغنّى فيها باعتبارها الكائن الأجمل في الكون، فقد ظلّ افتتانه بالمرأة والأنوثة لا حدود لهما، وربما يعتبر ذلك موازيًا للقصيدة وجزءاً لا يتجزأ من الزهور وعطرها:

تْلفَّتين شْمالْ، يِتْغيّرْ طقسْ سنْتينْ

ويمرقْ عرسْ بالبالْ أحلى من بنات تنينْ

والبنْ شاف الهالْ جايي من اليمنْ دَلُّوا على الخدَّينْ،

بسْ يكتملْ بدر الجزيرة فوق نجْد بْخافْ صيبةْ عينْ،

لوَّنتْ توبكْ منِ الشمس البِقِتْ فوق الرملْ عامينْ،

والرملْ ما بيسأل الصحرا مْنين المدى بِبلِّش ولَويْنْ

وثانيها؛ سحر المكان، حيث ظلّت بعلبك مصدر إلهامه الأول:

وين أهلي؟

وين طاحونةْ حزنْ خيّي الزغيرْ؟

وين طيارةْ ورقْ نومي على هزّةْ سْريرْ؟

وين الإيديْن الْحطَّت إبريق الشّتي فوق الحصيرْ؟

وين شْبابيك الْفات منها الصوتْ متل الزمهريرْ؟

وِقْع العمرْ ما بين إيد وْبينْ هزَّات السّريرْ

وثالثها؛ سحر اللغة، لفظًا ومعنًى وتركيبًا وإيقاعًا وصورةً وإيحاءً وتأويلًا، وكأنه يحيلك إلى الجاحظ والجرجاني وابن زيدون ، فاللغة هي نظام من الرموز والأصوات والكلمات والإشارات للتعبير عن الأفكار والمشاعر وللتواصل مع الآخر ونقل المعرفة والثقافة؛ وقصيدة طلال مكثفة، بل مختزلة، وهي أشبه بتلغرافات أو مقاطع مسرحية (اسكتشات) أو سينمائية، ثرية الدلالة وعميقة المعنى وشديدة التأثير:

الله شو حلوة اللغة

البتبلّش بسبحان

الصحرا

عباية رمل

ومطرّزة بغزلان

راعي قري بكفّ الدني

كل ما عليها فان.

سألته عن علاقته بالفنانة العظيمة فيروز، فقال: إنها ملكة لم يصل إلى تاجها أحد، وعلاقتي بها وبالرحابنة تمتدّ إلى أكثر من ستة عقود من الزمن، وعن أول قصيدة غنّتها له ولحّنها زياد الرحباني، وأخذت أدندن:

وحدن بيبقوا، متل زهر البيلسان
وحدهن، بيقطفوا وراق الزمان

فأكمل مع الإعادة:
بيسكروا الغابة، بيضلهن متل الشتي
بدقوا على بوابي، على بوابي

يا زمان، يا عشب داشر فوق هالحيطان
ضويت ورد الليل ع كتابي
برج الحمام، مسور وعالي
هَجّ الحمام، بقيت لحالي
لحالي..

ثم قرأ عليّ آخر نص كتبه وقمت بتسجيله:

ليبيعوا ولاية أصفهان

وليبيعوا أرز لبنان

والأرجوان البين صيدا وصور

بيعوا السبع بحور

ويشتروا مطرح أمان

للأميرة الإسمها نزهة الزمان

قلن لأهل الشام يسكروا

سواق المدينة شهر

قولو لوالي مصر

خلي بناتهن ترسم مناماتهن

وتلوّن قزاز القصر

خليهن يدقوا الطبول

وخلو حدا يودي خبر

رايح من اسطنبول

ويقلهن يأدنوا بالميدني

الله شو حلو

يا عمر عا مهلك بعد

عندي فرح

وبعدين لاحق نستريح

وان كان تاعبني السفر

بلحظة من بساط الريح.

 محكيّة “مهضومة” و”مموسقة”

إقرأ على موقع 180  العراق: لا دواء للحراك.. إلا بالحوار مع الشارع

ومع أن المحكيّة اللبنانية “مهضومة” وخفيفة الظل وفيها موسيقية جميلة وناعمة على السمع، إلّا أنها مع قصيدة طلال وصوت فيروز أصبحت أجمل، خصوصًا بألحان الأخوين رحباني والموسيقي والمسرحي المبدع زياد الرحباني. قال لي طلال إن القصيدة تبحث عن صوت فيروز لتكتمل، وهكذا تصبح شعرًا مع صوتها وموسيقى الرحابنة، وكرّر ما سبق أن قرأته أن صوت فيروز هو الذي علّمني المعاني.

وسألته ماذا عن الفنان مارسيل خليفة الذي غنّى لك نصًا حين سمع بقصف منزلك؟ قال: إنه وفرقة “الميادين” من أحلى الناس. ومن القصائد التي غنّاها مارسيل “بغيبتك نزل الشتي” و”سجر البن” و”لبسوا الكفافي” و”بيتي“، وقد جاء في الكلمة المؤثرة التي أرسلها مارسيل “إلى طلال حيدر في بدنايل في بيت الكلمات الرَّحب في ملكوت الشِعر سلامٌ عليك”، ثمّ ردّد المقطع التالي:

بيتي متل ورق احترق
ما عاد عندي.. ما عاد عندي أهل
شبهتك بهالسهل بقرص العسل
عملوا ع مهلو النحل..
شبهتك بحالك، بالعمر ماشي وراكي، يلملم خيالك.

الشعراء العراقيون

عرّجت على علاقته بالشعراء العراقيين، وهو من بادر بإخباري عن لقاءاته بالجواهري، وكان قد طالبني سابقًا عبر صديق مشترك بنسخة من كتابي “جواهر الجواهري“، الذي حملته معي لتقديمه إليه، فخصّ الشاعرة سعاد الصباح بالاعتزاز، وقال: شخصيًا أعتبر الجواهري أحد أكبر المرجعيات الشعرية العربية، وقد جمعتني العديد من اللقاءات معه في دمشق في ثمانينيات القرن الماضي، ولعلّ مناسبةً ظلّ يردّدها على مسامعي أكثر من مرّة، وهي التي ضمّت الجواهري وطلال حيدر وجوزيف حرب والسيد مصطفى جمال الدين وصابر فلحوط في دمشق جمعتهم مع الرئيس حافظ الأسد، وأضاف: بادرنا الأسد بالمزاح ونحن مجتمعين فقال: “اجتمع شياطين الشعر”، فما كان من الجواهري إلا أن قال: يا سيادة الرئيس لقد اجتمعت ملائكته، وردّد طلال مطلع قصيدة الجواهري التي قالها في لبنان في العام 1951 في تأبين الشخصية الإستقلالية اللبنانية عبد الحميد كرامي:

باقٍ وأعْمارُ الطُّغَاةِ قِصَارُ/ من سِفْرِ مَجْدِكَ عاطرٌ مَوّارُ

وقبل أن يتناول علاقته بمظفر النواب أشاد بالدور الريادي لبدر شاكر السياب وإعجابه الشديد به، وكان قد أهدى لمظفر إحدى قصائده التي تحمل عنوان “بغداد“، وقد ضُمِّنت كإهداءٍ صريح ومباشر له في ديوانه الشهير “آن الأوان“. قال لي: يوم جاء مظفر إلى بعلبك ولم أكن موجودًا حينها، حيث كنت في إيطاليا، فكتب لي رسالة ما زلت أحتفظ بها: جئت إلى بعلبك فوجدتك.

تأخّرْنا..
طَلَعْ ليل الحِكايِة وما تلاقَينا
وقَبِلْ ما نوقَّفْ عْلى البابْ.. مَرَقْ ريح وْأَخَدْنا.

لبنان الزمن الجميل

يمكنني أن أقول إن طلال حيدر مثل سعيد عقل وميشال طراد وأنسي الحاج وجوزيف حرب وآخرين، مثلوا زمنًا لبنانيًا وعربيًا جميلًا، اختلطت فيه الثقافة بالحريّة والفن بالمدنية والهم الوطني بالمأساة الفلسطينية والشعر والموسيقى واللوحة والريشة والقلم بالتطلّع إلى الحداثة، وهكذا كانت صباح ووديع الصافي ونجاح سلام وعاصي ومنصور والياس وزياد الرحباني وفيلمون وهبة وماجدة الرومي وملحم بركات وفرقة كركلا وفرقة فهد العبدالله ونضال الأشقر وجوزيف صقر ونصري شمس الدين وطوني حنا وسميرة توفيق وشوشو (حسن علاء الدين) وهند أبي اللمع ونجوى كرم وغيرهم/ن.

عيون الشعر

دار حديث بيننا عن الكتابة باللغة المحكية، والتي نسميها باللهجة العراقية “الشعر الشعبي” أو الكتابة بالعامية بدلًا من الفصحى، إنه تعبير عمّا يختلج النفس الإنسانية، فقلت إن وسائل التعبير مختلفة، بعضها في الشعر العمودي وآخر في الشعر الحر وثالثة في قصيدة النثر ورابعة في المحكيّة التي توجد فيها عيون الشعر العربي كذلك، لاحظ كم هي مؤثرة “وحدن بيبقوا” أو “قومي اطلعي ع البال”، وكذلك للريل وحمد لمظفر النواب أو “يا ريحان” أو “روحي” أو غيرها. يقول طلال حيدر:

عيونك فيهن ريحة شتي

ومراية الدمع شفت الطقس كيف؟

ما دامها حلوة، بكل نهر المي
سألت البحر جاب الملح من وين؟
سألت الدمع
قللي: سآل العين
ليش دارت الأرض؟
شو شافت بالمراية؟
مين ما فتح بواب السما عليها من الميلين
بس عنَّ ع بالا القمر
دارت لحتى شافتو قمرين
تاري المراية بتنكسر
وبتصير فيها كل صورة تنين!

***

لا يوجد شعر دون دهشة أو سؤال أو صورة أو معنى أو تخيّل أو جمالية أو فلسفة، وهذا هو شعر طلال حيدر، وكنت قد سألت مظفر النواب: أين تضع طلال حيدر من الشعر الشعبي المحكي العربي؟ فقال: إنه حاول الخروج عن مألوف القصيدة الزجلية التي امتازت بالإخوانيات والمناسبات والقدح والمدح ونقلها عبر الترميز والصور الإيمائية الجديدة إلى معاني مختلفة متخطيًا الكثير من التقاليد والأعراف، طارقًا أبوابًا جديدة ليس لها حدود غير الشعر.

إن شعر طلال حيدر مثل حياته التي عاشها بكل عنفوانه وجنونه وحبّه ونزوعه الإيروتيكي الخارج عن البيئات الاجتماعية التي عاش فيها، وكلّ شيء لدى طلال يصبح علامة، وكل علامة تفتح نافذة على الزمن الذي يبحث عنه ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

لقد كتب طلال بلغة بسيطة وعميقة في الآن، وعلى يديه استعادت المحكية اللبنانية ألقها وجمالها، ففيها كانت رائحة الأرض وندى الشجر وحكايات العاشقين وألم المنافي، وفي قصيدته تجد روحًا تلامس أحاسيسك دون زخارف، بل إن هويّته وأغنيته تبدو هادئة، لكنها تخبئ في داخلها قلق الإنسان الوجودي والحب والموت والغياب.

كتب طلال الشعر وهو في سن السابعة عشرة حين عاش لفترة في طرابلس بعد أن انتقل والده إليها، وكان عمّه جودت حيدر شاعرًا، وبالتدرّج والتجريب كانت قصائده تخرج طازجةً مثل رغيف الخبز من التنّور وتسبقها رائحتها العبقة، ويوم درس الفلسفة في الجامعة اللبنانية وأكمل دراسته في جامعة السوربون الفرنسية، صار للقصيدة مذاق فلسفي خاص به مع شيء من الصوفية أحيانًا.

محكيّة طلال وإن هي محليّة بامتياز، لكنها مفتوحة وغير منغلقة، لأنها تلامس الإنسان في زمن تتسارع فيه الأشياء وتزدحم الذاكرة. وظلّ طلال يقاوم النسيان، بطموحه الباسق وشغفه العاطر، حيث بقيَ يكتب الشعر بشجن مرهف وجرس يُطرب، وعاش للشعر وأخلص له منذ أن قرأ لكبار الشعراء.

أختم بالقول إن مدرسة المحكية المحليّة اللبنانية أو المصرية أو العراقية ازدهرت بأسماء لامعة مثل سعيد عقل وفؤاد حدّاد وعصام العبد الله وبيرم التونسي وصلاح شاهين وأحمد فؤاد نجم ومظفّر النواب وشاكر السماوي وعريان السيد خلف وكاظم اسماعيل الكاطع وغيرهم.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  بين "كاريش" وغاز مصر وجولة بايدن: الطاقة أو الأمن أولاً؟