الترابط بين المشرق والمغرب العربي في حركة التحرّر والتكامل العربي

إهداء إلى أرواح شهداء الثورة السورية الكبرى، الأربعة آلاف، الذين شكّلوا ما نسبته 10% من سكان جبل العرب، آنذاك؛ إهداء إلى أرواح شهداء ثورة الريف في المغرب العربي.

بدأتُ بالتحضير الأولي لتحقيق وثائق أرشيف سلطان الأطرش، منذ صيف العام 1997 ولمدة ربع قرن، بإلحاح من أبي منصور سلطان الأطرش، وقد ساعدتني في ذلك خبرتي في مجال التوثيق والتصنيف التي اكتسبتُها من عملي التأسيسي في المكتبة الوطنية بين عامَيْ 1984 و1991.. ففي الحياة لا شيء يذهب هباء، وكلّ أمر يتقنه الإنسان، لا بدّ أن يفيده في يوم من الأيام.

واليوم، طلب مني زميلي المغربي في المؤتمر القومي، سي عبد الإله المنصوري، ولمحاسن الصدف أن كنيته تضمّ اسم أبي كذلك، فلا أستطيع أن أردّ له مثل هذا الطلب النبيل: وهو كتابة مقالة عن الترابط والتكامل العربي بين المشرق والمغرب، حسبما مرّ معي في أرشيف جدّي سلطان. وها أنا ذي ألبّي هذا الطلب.

***

كانت ثمة علاقة بين الثورة السورية الكبرى وثورة الأمير عبد الكريم الخطابي في ريف المغرب الأقصى، إذ ساهمت ثورة الريف المغربي ضد الاستعمار الفرنسي بتخفيف الضغط عن الثورة السورية الكبرى 1925، الذي عاد وازداد عليها بعد اضطرار الخطابي إلى الاستسلام في مرحلة معيّنة. إضافة إلى أن معظم المغاربة الذين تجنّدوا، مُكرهين، في الجيش الفرنسي، وجاؤوا إلى سورية لمحاربة ثوارها، عادوا وانضمّوا إلى صفوف الثورة السورية الكبرى وقاتلوا الاستعمار الفرنسي وجيشه على الأرض السورية، وخاصة بعد معركة المزرعة في 2 – 3 آب/أغسطس من العام 1925.

ولقد سمعتُ من جدّي سلطان، في أحد أحاديثه، بأنّ الثوار في معركة المزرعة، قبضوا على أحد المغاربة المجنّدين في جيش الاحتلال الفرنسي، وجاؤوا به إليه. وأول سؤال طرحه سلطان الأطرش على الأسير المغربي، كان: (كم هو عدد جيش ميشو؟)؛ فأجابه الأسير المغربي: (ثلاثة عشر ألفاً من الضباط والجنود). وقد عومِلَ هذا الأسير معاملة الأخ العربي الشقيق، ما جعله ينضمّ إلى صفوف ثوار جبل العرب ضد الفرنسيين.

وقد بلغ عدد الثوار في هذه المعركة، وفي اليوم الثاني، تحديداً، لمعركة المزرعة (أربعمئة ثائر)، ومع ذلك استطاعوا القضاء قضاء مبرماً على “جيش ميشو” المدجّج بالسلاح والطيران!

وفي منشورَيْن إلى المسلمين من الجنود المغاربة وأهل تونس والجزائر والمغرب في الجيش الفرنسي، خاطب القائد العام للثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، المسلمين من تلك الدول قائلاً لهم بأنّ العدو الأوحد للسوريين وللمجّندين المغاربة هو الاستعمار الفرنسي.[1]

في الواقع، أظهرت النخبة العربية الوطنية، باكراً، وعياً واضحاً لأهمية الاتحاد العربي، وهذا الوعي لم يظهر عند الأوروبيين من أجل تشكيل الاتحاد الأوروبي إلّا بعد منتصف القرن العشرين؛ وهذا يبيّن لنا تقدّم روح الشعب العربي فكراً وممارسةً[2].

***

انطلقت الثورة السورية الكبرى في الثلث الأخير من شهر تموز/يوليو من العام 1925، إلّا أنها لفتت نظر العالم أجمع بعد معركة المزرعة، المذكورة أعلاه، فقامت الدنيا ولم تقعد، وبدأ الأوروبيون يرسلون صحافيين من ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية إلى سورية، وإلى جبل العرب بالتحديد للوقوف على حقيقة ما جرى، كما بدأ الوطنيون السوريون واللبنانيون أيضاً، آنئذٍ فقط، بالاهتمام بما يجري! وهذا ما أكّد عليه سلطان الأطرش في العام 1930 في الوثيقة رقم 458[3]، قائلاً بأن “الأحزاب لم تقف إلى جانب الثورة السورية إلا بعد أن انتصرت على الفرنسيين في معركتَيْ الكفر والمزرعة”.

لكنّ هذا الموضوع بقي غائماً عائماً تاريخياً: فالفرنسيون ما زالوا إلى اليوم لا يعترفون بعديد هذه الحملة كاملة، كما أنّ السوريين، من خارج الجبل، يقلّلون من هذا العديد أيضاً. مع ذلك، فقد ورد في الكتاب الذهبي لجيوش الشرق أن حملة ميشو كانت تتألف من لواء مشاة بقيادة لونيه، ويشتمل على كتيبة القائد غابل التابعة لفيلق الأفارقة الحادي والعشرين، وكتيبة سنغالية وكتيبة سورية بقيادة لوغاي وكتيبة الرشاشات الثانية التابعة لفيلق الرماة الأفارقة الحادي والعشرين بقيادة الكابتن غراردي تعضده مفرزة سيارات مصفّحة بقيادة الليوتنان غاسكيه وسريّتا رشاشات كان يتولى قيادتهما دجو وسيكالدي، وقوافل ذخيرة[4].

كما قلتُ، بدأ الاهتمام الجدّي بالثورة السورية الكبرى بعد هذه المعركة الكبيرة. وقد قرّر الجميع في القوى الوطنية اختيار سلطان باشا الأطرش قائداً عاماً لهذه الثورة. وهنا، صدر بيان القائد العام الشهير، “إلى السلاح” في 23 آب/أغسطس من العام 1925، الذي تمّ التأكيد فيه على أن الهدف الأول للثورة هو توحيد البلاد السورية، ساحلاً وداخلاً، وهذا معناه رفض التقسيم على أساس طائفي ومذهبي، ورفض تقسيم بلاد الشام، والهدف الثاني هو الاستقلال التام؛ وتمّ رفع شعار الثورة:

الدين لله والوطن للجميع[5].

***

لقد آمَنَتْ غالبية الشعب العربي، حينئذٍ، بضرورة مقاومة الاستعمار بكلّ أشكاله، فانضمّ عرب من غير السوريين إلى صفوف الثورة السورية الكبرى، ومنهم على سبيل المثال الأمير عز الدين الجزائري الذي حارب الفرنسيين في ريف دمشق واستشهد في 19 أيار/مايو 1927 في وادي بسيمة؛ وباستشهاده وُضِعَت نقطة النهاية لامتداد الثورة إلى دمشق وغوطتها[6].

وثمة الكثير من الثوار الذين شاركوا في الثورة السورية الكبرى، قد عادوا وشاركوا في ثورة فلسطين ومنهم سعيد العاص 1936 الذي استُشهدَ هناك؛ ثم فوزي القاوقجي الذي قاد جيش الإنقاذ 1948.

إقرأ على موقع 180  مسرحية قرار الحرب.. والسلم

وهنا، يمكنني التأكيد على أنّ ثوار جبل العرب لم يأخذوا خطوط سايكس-بيكو في الاعتبار، بل ظلّوا يعتبرون أنّ بلاد الشام واحدة، وأنّ الخطر الذي يداهمها هو ذاته. كما أنّ الكثير من السياسيين في البلاد العربية شجّعوا الثوار السوريين على متابعة نضالهم؛ وساندت الصحف العربية هذا الخيار النضالي. من أهم هؤلاء، الزعيم المصري، سعد زغلول، إذ نشر بياناً يُخاطب فيه سلطان الأطرش ويشجعه وبني معروف، على الاستمرار بالثورة لنيل حريتهم المقدسة والذود عن استقلال بلادهم المنشود[7].

لذلك، علينا ألا ننسى أن إرادة الشعوب في التنمية والتطوير تفرض ذاتها، وما علينا إلا أن ننظر إلى حال ألمانيا واليابان المدمّرتين غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحالهما اليوم وموقعهما العالمي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

لننظر إلى غزة المدمّرة، وكيف أن هول ما أصابها لم يجعل الناس هناك إلا أكثر تمسّكاً وإيماناً بمقاومتهم للعدو الصهيوني الغاشم. ولو كان التكامل في الوطن العربي محقّقاً، لما وصل حال غزة إلى ما هو عليه.

فالتكامل الاقتصادي بين الدول العربية في الوطن العربي، ضروري ويشمل:

  • إزالة القيود الجمركية وتسهيل التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات البينية بإنشاء مشاريع عربية مشتركة.
  • تنسيق السياسات الاقتصادية والمالية.
  • الاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية بالتكامل.

والتكامل البشري بين الدول العربية في الوطن العربي، يشمل تعزيز التعاون بين أفرد الشعب العربي:

  • بتسهيل انتقال الأفراد بين الدول العربية.
  • بالتعاون في مجال الصحة والتعليم والبحث العلمي، وتبادل الخبرات والكفاءات.
  • بالتعاون في مجال التنمية المستدامة والمتوازنة، والتنمية الاجتماعية.
  • بتعزيز الهوية والثقافة المشتركة.

ونرى أهمية التكامل الاقتصادي والبشري:

  • في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة لخلق كتلة اقتصادية قوية.
  • في الحدّ من البطالة في صفوف الشابات والشباب العرب.
  • في تعزيز الأمن القومي والغذائي والمائي.
  • في تعزيز التضامن العربي، بمواجهة التحديات المتمثّلة في اختلاف السياسات من دولة لأخرى وفي ضعف مستويات التنمية والبِنى التحتية في بعض الدول.

كما يحتاج التكامل بين الدول العربية إلى تعاون مستمر وإرادة سياسية قويّة، لتجاوز التحديات بنظرة واسعة للصالح القومي العام، على مستوى الوطن العربي، من دون تمييز بين أبنائه، على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم، فقد أثبتت التجارب أننا جميعاً “في هوى الاستعمار، سوا”.

وهنا، أختم بالقول: لم تتغير أساليب الاستعمار بين القديم والحديث، في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فلا يزال المحتل يطمع بنا وبأرضنا وثرواتنا لتحقيق مصالحه، بصرف النظر عن مصالحنا وكرامتنا وحياتنا. فعلينا، نحن أيضاً، ألا نُغيّر من إيماننا بأن المقاومة بشتى الأساليب مطلوبة وبأن العين تستطيع مقاومة المخرز إذا صحّ العزم وصدقت النوايا.

فلنواجه المشاريع الاستعمارية الشريرة في فلسطين وفي قدسنا، لبّ الصراع العربي الصهيوني وأساسه، وفي الجولان، وفي العراق وسورية ومصر ولبنان واليمن وتونس والسودان، وفي كل أنحاء وطننا العربي بتحقيق الديموقراطية وحرية الإنسان وكرامته، وبرفع شعار الثورة السورية الكبرى، قولاً وفعلاً، “الدين لله والوطن للجميع“.

المصادر والمراجع:

[1] الوثيقتان 43 و44، في، المذكرات الحقيقية لِسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989، تحقيق د. ريم منصور سلطان الأطرش، بيروت، دار أبعاد، 2021، خمسة أجزاء.

[2] الوثيقة رقم 612، في، المذكرات الحقيقية لِسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989.

[3] الوثيقة رقم 458، في، المذكرات الحقيقية لِسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989.

[4] الكتاب الذهبي لجيوش الشرق، ترجمة إدوار البستاني، [دون مكان، دون ناشر، دون تاريخ]، الصفحة 141 وما بعدها. انظر أيضاً الوثيقة رقم 107.

[5] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش 1925 – 1927، راجعها وصحّحها ومهّد لها منصور سلطان الأطرش، دمشق، دار طلاس، ط2، 2008، الصفحات من 109 إلى 127 ومن 131 إلى 132. في ما يخص معركة المزرعة: انظر أيضاً، مذكرات الدكتور عبد الرحمن شهبندر، طبعة دمشق، 1933، في الصفحتين 30 و31. وثائق جديدة عن الثورة السورية، ظافر القاسمي، بيروت، دار الكتاب الجديد، 1965، في الصفحتين 119 و120.

[6] أحداث الثورة السورية الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش 1925 – 1927، الصفحات من 293 إلى 294. والوثيقتان 292 و294، في، المذكرات الحقيقية لِسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989.

[7] الوثيقة 123، في، المذكرات الحقيقية لِسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى: وثائق من أوراقه: من 1910 إلى 1989.

Print Friendly, PDF & Email
ريم منصور سلطان الأطرش

كاتبة عربية، دمشق

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إمبريالية ترامب.. وقودها نفط فنزويلا وحدودها بلا حدود!