ستالين.. و”قشرة البصلة”

‏حين نشرتُ مقالتي الموسومة "هل كان ستالين مثقفًا؟"، وردتني العديد من الرسائل والاتصالات والملاحظات الإيجابية والسلبية بخصوصها، وبعضها تعليقات طريفة ومثيرة في الآن، أحاول تلخيصها لمشاركة جمهور القراء لما يمكن أن يكون له دلالة وفائدة:

أولها؛ يتعلّق بالذاكرة، فقد كتب لي أكثر من صديق فيما يتعلّق بذاكرتهم وذاكرتي بخصوص ستالين، وفيما يلي أدوّن ما جاء في رسالة صديق عتيق يقول الآتي:

“لقد جئت على ذكر وفاة ستالين في ديوان الكوفة غاليري بلندن العام 1994، وهو ما علق بذاكرتي، وقد قرأته في كتاب صدر لك لاحقًا (1995) بعنوان: “بعيدًا عن أعين الرقيب – محطات بين الثقافة والسياسة”، حيث تقول: حين عُدتُ من المدرسة وكنت حينها في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي، فوجدت جو المنزل وقد خيم عليه وجوم شديد، ولاحظت أن عيني عمي شوقي الزرقاوين الجميلتين قد اغرورقتا بالدموع واحمرّتا، وعيني عمي ضياء الشهلاوين في حالة حزن شديد ووجهه ممتقع، وحين سألت ما الذي حصل؟ فعرفت أن رئيس الشيوعية في العالم توفاه الله، وصمت للحظات، ولكنني سألت مرة أخرى وبطفولية ساذجة، وهل ستلبس جدتي (بيبيتي) السواد حزنًا عليه؟ وتلك عادة كانت النساء عندنا تتبعها حين ينتقل إلى “رحمة الله” عزيز علينا”. (انتهى الاقتباس بتصرّف).

‏كنتُ قد شاهدت صورة ستالين للمرة الأولى في كتاب عمي شوقي (المدرسي)، وكانت حينها مستمسكًا جرميًا لو عُثر عليها من جانب جهاز “التحقيقات الجنائية” (الأمن العام)، ولا أُذيع سرًا إذا قلتُ إنني أُعجبت بهيأته وشاربيه الأنيقين، وقلت مع نفسي حين أكبر ويكون لي شاربان سأنسقهما على الطريقة الستالينية التي كانت مألوفة ومتّبعة كجزء عاطفي من الانتماء أو الهوية السياسية.

‏لم يمرّ الحادث الطفلي عليّ مرور الكرام، وإذ بي بعد ثلاث سنوات أسمع أن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (1956)، أدان ستالين بتقرير قدّمه نيكيتا خروتشوف زعيم الحزب، وكانت تبريرات جماعتنا لأول وهلة أنها “دعاية إمبريالية سوداء“، لكن الأمر أخذ بالتدرّج وبالاطلاع وتراكم المعلومات يبدو أقرب إلى الصحة، بل صحيح، وهو ما اقتنعتُ به.

‏كانت تلك الحيرة الإيمانية التبشيرية الأولى التي وقعت بها، وأنا فتى أخطو خطواتي الأولى في العمل العام، وأسمع من الكبار ما ظل عالقًا بذهني، حيث كانت الأسئلة تكبر لديّ، وهي أسئلة مدافة بالنقد أحيانًا، والتي يتفرّع عنها أسئلة أخرى تبقى مفتوحة بحثًا عن الحقيقة والعقلانية، التي كنا نزعم أننا نمتلكها لوحدنا.

وتلك كانت قشرة البصلة الخفيفة التي ظلّت متأرجحة في ذهني باقتفاء أثر الروائي والشاعر الألماني غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل، “ولكلّ مرحلة قشرة بصلتها”.

***

ثانيها؛ تقييم فترة حُكم ستالين، وأشير هنا إلى مقالة كتبها الصديق العزيز ضرغام الدبّاغ (دكتوراه في التاريخ من جامعة لايبزك) بعنوان “ستالين ما له وما عليه“، وذلك تعليقًا على مقالتي المشار إليها، وقد عرّفني عليه في الشام الصديق علي كريم، وقدّمه لي باسم “الرفيق ياسين” في جبل قاسيون، ويخيّل لي أن اللقاء كان في صيف العام 1973، وأعجبتُ برأيه ومتابعته الثقافية، وبعد فترة قصيرة علمت أنه عاد إلى العراق، وترك موقعه في القيادة القومية (السورية) لحزب البعث، ثمّ عُيّن في سفارة العراق في برلين، وحين أكمل الدكتوراه عاد إلى العراق لكنه اصطدم بالبيروقراطية الإدارية، وكان العراق حينها مشتبكًا بحرب ضروس مع إيران دامت 8 سنوات، فقرّر مغادرة العراق عبر كردستان، ولكن ألقي عليه القبض في السليمانية وحُكم عليه بالإعدام، وكذلك شقيقه وسام، ثم خُفّض الحكم إلى المؤبد، وهو ما سمعته من الصديق أمير الحلو زوج شقيقته ابتسام عبدالله، حين التقيت به في الجزائر، وكنتُ قد عرفت القصة عبر أحد الشيوعيين الناجين من الإعدام بعد إعدام زوجته وشقيقها، ولكن الله وحده كان وراء إنقاذ حياته ونجله (13 عامًا)، وقد سعيتُ للحصول على لجوء سياسي له في هولندا.

‏قدّمت هذه السيرة والمسيرة المميزة المكثفة لكي يطلع القارئ عليها ويعرف أي تأثير تركه ستالين على جيلنا من شتّى الاتجاهات السياسية، يقول ضرغام:

لقد قذف بنا عبد الحسين شعبان إلى الخمسينيات والستينيات وإلى بدايات وعينا المبكر، ثم يتناول القيادي البعثي السابق بإعجاب “المنجزات المبهرة” لفترة ستالين، حيث يقول: وشاهدت المنجزات الاشتراكية ومجتمعات تسودها عدالة اجتماعية وبشر أحرار يتمتعون بصحة بدنية ونفسية سليمة، (وذلك بعد زيارته إلى الاتحاد السوفيتي السابق)، ويمضي إلى القول: ونكاد نجزم أنه لولا ستالين لما كان هناك الاتحاد السوفيتي، ولا البلدان الاشتراكية… ويخلص للقول: لقد كان ستالين قائدًا سياسيًا فذًّا واستراتيجيًا عبقريًا استطاع بذكاء وحنكة مقارعة أساطين الاستعمار والإمبريالية، وفرض وجود الاتحاد السوفياتي كقوة عالمية. (انتهى الاقتباس بتصرف).

***

وثالثها؛ الدلالة المقارنة بالجانب المعياري وليس التفسيري لأنظمة التحرّر الوطني، فقد كتب لي الصديق سلام الراوي، المهندس الاستشاري الأقدم في أمانة العاصمة ببغداد، حكاية عاشها في سبعينيات القرن المنصرم، محفزًا ذاكرته، ‏ومستوحيًا من مقالتي عن ستالين وتعقيب ضرغام الدباغ، يقول: نُظمت ندوة الإنتاجية (1976)، وقد حضرتها بقاعة إحدى النقابات في منطقة الحارثية ببغداد،  وكانت بإشراف السيد النائب حينها صدام حسين، فسأل أحد المهندسين الذي أخذ يستعرض منجزات عمله في دائرته السابقة، فطلب منه أن يتحدّث عن منجزات دائرته الحالية، وحين تلكّأ طلب منه العودة في اليوم الثاني، ولم يكن موفقًا، فطلب منه الخروج فورًا، ثم أُبعد إلى السليمانية لمدة عام. وبعدها جاء دور (ع.م)، فبدأ حديثه بالقول لنتذكر مقولة ستالين، والتي مفادها: نعدم عدة أبرياء ليستقيم الأمن والنظام، (وبالمناسبة سمعت ذلك من الرفيق عامر عبد الله نقلًا عن طه ياسين رمضان الجزراوي، علمًا بأن عامر عبد الله قدّم مداخلة مهمة في ندوة الإنتاجية وبحضور صدام حسين، ولاقت استحسان الأخير).

‏يقول الصديق سلام: عاتبتُ المتحدث (م) على قوله، فأجابني وهو ما ذكره في مقابلات لاحقة بعمّان أن صدام يعشق سياسات ستالين، وهو ما يريد أن يسمعه، وهكذا أصبح قريبًا منه.

إقرأ على موقع 180  تجنيس لبنان.. وتدليس أنبياء الطوائف

***

‏لعل هذه السرديات الثلاث بما فيها من ذكريات ومواقف وإيحاءات دلالية ومعان، تشير إلى التأثير المباشر وغير المباشر الذي تركه ستالين على جيلنا، وإذا كان ثمة إعجاب ما يزال لدى البعض بسيرته ومسيرته، ليس في روسيا وحدها، بل خارجها أيضًا، فهذا ليس غريبًا، وقد استمرّ القيادي الشيوعي آرا خاجادور في تمجيد ستالين طيلة حياته، ولم يصدّق أو لا يريد أن يصدّق أن نموذجه المثالي يتهشّم أمام عينيه.

وهناك من يُبدي إعجابه بهتلر أيضًا، وثمة حركات نازية جديدة، وحركات شعبوية عنصرية وجدت الجو مناسبًا لتفقيس بيضها في أوروبا خلال العقد ونيّف المنصرم، وترافقت مع فترة صعود دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة (ولايته الأولى 2017 – 2021).

أقول إن الطغاة، بغض النظر عمّا قاموا به وما فعلوه من ارتكابات وآثام، ولكنهم بالتأكيد يتركون أثرًا سياسيًا أو اجتماعيًا، وقد يحققون منجزات مهمة، وهذا ما نجده في جميع الحضارات القديمة التي بناها طغاة أيضًا، فلم تقم الأهرامات إلّا على أكتاف عشرات الآلاف من عمّال السخرة، ولكنها عمل عظيم بلا أدنى شك، وهذا ليس محطّ اختلاف أو خلاف، فقد عمل ستالين على تحويل الاتحاد السوفيتي إلى دولة صناعية وقوّة عسكرية كبرى، ولاسيّما في الصناعات الحربية، لكن الاختلاف حول دكتاتوريته وتسلّطيته وفرديته.

***

حين قرأت ثلاثية إسحاق دوتشير حول تروتسكي، النبي المسلح والنبي الأعزل والنبي المنبوذ، وقبلها “ستالين: سيرة سياسية“، أدركت حقيقة الصراع بين توجهين أحدهما يدعو للثورة العالمية المفتوحة (تروتسكي)؛ والثاني لمشروع بناء الدولة الاشتراكية وعدم تصدير الثورة (ستالين)، لكن ذلك شيء وكونه ارتكب ما لا يُحصى من الآثام بحق رفاقه وبحق الدولة السوفيتية، فضلًا عن ذلك بحق القيم الاشتراكية الإنسانية، فهذا شيء آخر، وهو ما يشير إليه الدباغ أيضًا، فبوخارين محبوب الحزب (كما يسميه لينين أُعدم وابنه المهندس باعتبارهما جاسوسين)، وتروتسكي (المنشق وأحد مفكري الحزب الكبار لوحق إلى المكسيك وقُتل بساطور)، وزينوفيف وكامينيف وكيروف ونحو 165 ألف عضو وكادر، ونحو مليون و200 ألف مواطن انتهت حياتهم لوشاية أو اختلاف أو عدم رضا، ومن اللجنة المركزية وحدها أعدم ستالين 98 عضوًا من أصل 139، أي حوالي 70%، وهذه بعض الأرقام التي يوردها الدباغ، وأكتفي بها.

وعلى ذكر المفارقة العراقية (1979)، فقد أعدم صدام ثلث أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث (5 من مجموع 15)، وحكم على 33 قياديًا وكادرًا بأحكام غليظة، توفّي بعضهم في السجن، في محكمة قاعة الخلد الحزبية الصورية، والتي لا تنطبق عليها معايير الحد الأدنى للمحاكمة العادلة، وذلك إثر اتهامهم بالتكتّل والمؤامرة، بمن فيهم عبد الخالق السامرائي، الذي كان سجينًا منذ العام 1973.

‏بتقديري أن الخلفيات واحدة، فالأفكار والأنظمة الشمولية، بغضّ النظر عن تسميتها، تزعم امتلاكها للحقيقة وتدّعي الأفضليات على الآخر، وتنظر إلى الاختلاف باعتباره خطيئة في ظل قواعد صارمة بلحاظ خضوع الأدنى للأعلى والأقليّة للأكثرية، والتنفيذ اللّاشرطي لقرارات القيادة حتى لو كانت خاطئة أو ضارة، وكلها مفردات مستلّة من كتاب لينين “ما العمل؟” الصادر في العام 1903، والذي أساسه يتكون من مفردتين متعارضين، بل متناقضين، هما الديموقراطية والمركزية، فكيف تستقيم الديموقراطية مع المركزية؟ والكتاب أساسه ردّ على أطروحات مارتوف، الذي اتّهم بالليبرالية والتسيّب لعدم موافقته على الصرامة في عضوية الحزب والمركزية الشديدة، وبالمناسبة فإن جميع أحزابنا العربية هي ذات خلفية لينينية وطبعة ستالينية، لا فرق بينها، سواء كانت شيوعية أم قومية أم بعثية أم إسلامية من حيث تراتبية تنظيماتها وهيئاتها وصلاحيات قياداتها، ولاسيّما رأسها (أمينها العام).

***

أخلص إلى القول إن التعليقات والتعقيبات بخصوص ستالين تدلّ على أننا بحاجة إلى إعادة قراءة مرحلته والتأثيرات التي تركها على الأحزاب الشيوعية وأحزاب حركات التحرّر الوطني كما أطلقنا عليها، بما فيها فلسفة التنظيم وأبعادها وارتباطها بالسياسة وغاياتها، فلا غايات شريفة ونبيلة دون وسائل شريفة ونبيلة، و”الوسيلة من شرف الغاية”، والأخيرة بعيدة وغير ملموسة، في حين أن الوسيلة هي آنية وراهنة، وهذا ما يواجهه الناس وما يقيسون عليه سلوك وتصرفات القادة والزعماء بغض النظر عن منجزهم الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، فذلك “فرض عين وليس فرض كفاية”.

‏مرة أخرى أقول قد يكون الزعيم أو القائد غير مثقف بما فيه الكفاية، وهو ما يؤشر إليه العديد ممن كتبوا عن سيرة ستالين، لكن المهم أن يكون إلى جانبه خبراء ومستشارين سياسيين وعسكريين وأصحاب رأي وعلماء اجتماع واقتصاد وفقهاء قانون ومثقفون وغيرهم، يستمع إليهم ويأخذ برأيهم ويتعامل بإنسانية حتى مع خصومه، فما بالك مع رفاقه، فلم يعد مقبولًا في الدولة العصرية الحديثة غير ذلك، وأصبح من أولى أولويات التحوّل الاجتماعي مزاوجته بقواعد سياسية تقوم على الحريّات وعدم احتكار العمل السياسي والنقابي، والإقرار بالتنوع والتعدديّة، فضلًا عن تداولية السلطة سلميًا، والحق في استبدال الحاكم، إضافة إلى قضاء عادل ومستقل، لأن نتيجة أنظمة القمع والاستبداد، حتى وإن حقّقت منجزات اجتماعية واقتصادية وثقافية، ستصل إلى طريق مسدود، ويؤدي إلى انهيارها إن آجلًا أم عاجلًا، وهو ما بينته التجربة الاشتراكية لنحو سبعة عقود من الزمن، وكذلك تجارب أنظمة التحرّر الوطني. ولعلّ ذلك درس علينا أن نتعلّمه وأن نستفيد من عِبره.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  اللبنانيون يريدون سلطة قرار.. أي سلطة