عن «الحروب الثَّمِلة» والقادة المتهورين.. ماذا يقول علم النفس؟

يذكر التاريخ أنماطًا من الحروب قادها زعماء أثارت شخصياتهم وسلوكياتهم كثيرًا من الجدل، فتحولت إشكاليات فردية في اتخاذ القرار وإدراك الواقع إلى أزمات دولية ونزاعات مدمرة أنهكت شعوبًا وبدّدت أحلام أجيال بأكملها. من هنا ظلّ سؤال يتكرر كلما اندلعت حرب جديدة: ما أنماط الشخصية التي تتحكم في سلوك قادة الحروب؟

إن ما أظهرته الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، يفتح الباب مجددًا أمام هذا السؤال، ولا سيما أن النتائج التي ترتبت عليها دفعت كثيرين إلى وصفها بالحرب العبثية، بصرف النظر عن أهدافها المعلنة في بدايتها؛ فقد بدت حربًا محكومة بقرارات متسرعة وحسابات غير متوازنة، وهو أمر يثير تساؤلًا إضافيًا عندما يتعلق بدول تمتلك مؤسسات عسكرية واستخباراتية ومراكز أبحاث ودراسات متقدمة، ومع ذلك قد تخفق في تقدير قدرات خصومها الذاتية، وعقائدهم القتالية، وعمقهم التاريخي، وقدرتهم على الدفاع والتكيف والاستمرار.

ماذا يعني ذلك سيكولوجيًا لدى صنّاع الحروب؟

يمكن القول، بداية، إن التفوق التكنولوجي والصناعي والعسكري للدول قد يصبح، لدى بعض صنّاع القرار، عنصرًا محفزًا لشطط الخيال السياسي. فامتلاك القوة لا ينتج بالضرورة قراءة أكثر واقعية للعالم؛ بل قد يؤدي، في ظروف معينة، إلى المبالغة في تقدير القدرة على التحكم بالآخرين وإخضاعهم وإعادة تشكيل البيئات السياسية بالقوة.

وفي سيكولوجيا ما يمكن تسميته بـ«الحروب الثَّمِلة» تظهر سمات نفسية متكررة: تضخم الإحساس بالقدرة، والانغماس في الذاتية، وضعف اختبار الفرضيات المخالفة، والنزوع إلى تفسير مقاومة الآخر بوصفها دليلًا إضافيًا على عدوانيته لا مؤشرًا إلى خطأ الحسابات الأصلية.

وهنا ينبغي الحذر من استخدام مفهوم «البارانويا» بمعناه السريري لتشخيص قادة سياسيين من بعيد؛ فهذا التشخيص يتطلب معايير طبية وفحصًا مباشرًا لا يوفرهما التحليل السياسي. لكن يمكن الحديث عن سمات بارانوية في التفكير السياسي، مثل الاعتقاد المستمر بوجود مؤامرة، والمبالغة في إدراك التهديد، وتقسيم العالم بين ذات مهددة وأخرى متآمرة، ثم استخدام هذا التصور لتبرير السيطرة والعنف الاستباقي.

وفي مثل هذه البنية النفسية، يصبح الآخر هو “المعتدي” و”الإرهابي” و”صانع الخطر” بصورة دائمة، بينما يعاد تقديم العنف الذي تمارسه الذات بوصفه دفاعًا أو خلاصًا أو ضرورة تاريخية. وهكذا يمكن أن تتحول مشاعر الضعف أو الخوف الداخلي إلى استعراض مفرط للقوة، وأن يتحول القلق من فقدان السيطرة إلى سلوك سياسي متهور قد ينتهي بالانتحار السياسي أو بإلحاق دمار واسع بالآخرين.

ولا يصح تعميم ذلك على قادة الحروب جميعًا، كما لا يجوز اعتبار كل قرار استراتيجي خاطئ دليلًا على مرض نفسي. فالاضطرابات النفسية لها معايير تشخيصية واضحة، بينما قد تتوالد الحروب الكارثية أيضًا من رحم الأيديولوجيا والتطرف القومي وحب السلطة والمصالح الاقتصادية وسوء المعلومات والانحيازات المعرفية وسوء تقدير قدرات الخصم.

غير أن التاريخ يقدم، إلى جانب ذلك، نماذج لقادة لم تكن قراراتهم مجرد أخطاء في الحسابات الاستراتيجية، بل ظهرت في سلوكهم سمات من تضخم الذات، وضعف الذكاء العاطفي والاجتماعي والسياسي، والجمود المعرفي، ورفض المعلومات التي تناقض تصوراتهم المسبقة. وفي علم النفس المعاصر يمكن فهم بعض هذه الظواهر في إطار التشوهات المعرفية والانحياز التأكيدي والتفكير الرغبوي؛ أي أن القائد لا يرى الواقع كما هو، بل كما يحتاج إلى أن يكون كي يظل متسقًا مع الصورة التي بناها عن نفسه وعن خصمه.

وهنا تكمن خطورة تتجاوز الحرب ذاتها: عقل سياسي يرفض مراجعة علاقته بالواقع ويقاوم النقد الذاتي. عندها قد تنتقل الذاتية الفردية إلى السياسة العامة، ثم تسقط على الجغرافيا والشعوب؛ فتصبح الأرض التي يقطنها الآخر فضاءً قابلًا للمحو، ويتحول الإنسان إلى شيء أو رقم أو هدف، بعد تجريده رمزيًا من صفته الإنسانية.

ومن السمات المرتبطة بهذا النمط من التفكير ضعف القدرة على الانتظار، والنزوع إلى الحسم السريع، والتعطش إلى الإشباع الفوري لرغبات الأنا السياسية. وحين لا تأتي النتائج وفق التوقعات، قد لا تكون الاستجابة إعادة النظر في القرار، بل مضاعفة القوة المستخدمة، وكأن المزيد من العنف قادر على تصحيح الخطأ الذي أنتجه العنف نفسه.

وعند هذه النقطة تصبح الحرب جذوة للكراهية تسقط على أرض الآخرين وممتلكاتهم، وتتآكل الحدود بين المقاتل والمدني، وبين حامل السلاح والصحافي والمسعف، وبين الهدف العسكري والمرفق المدني الذي لا يحقق تدميره مكسبًا عسكريًا واضحًا.

وقد عبّر كثيرون عن رؤيتهم لعبثية الحرب على إيران. وقد استخدم أستاذ العلوم السياسية الأميركي جون ميرشايمر، تعبيرًا شديد التشاؤم مفاده أن الولايات المتحدة باتت في «ورطة كبيرة»، معتبراً أن الولايات المتحدة شاهدت «الفيلم نفسه» من قبل: قيادة تدخل مسار التصعيد، ثم تجد نفسها في ورطة لا تمتلك للخروج منها استراتيجية رابحة. مثل هذه اللغة التي يستخدمها ميرشايمر تعكس، سياسيًا ونفسيًا، لحظة يصبح فيها السؤال ليس كيف يمكن تحقيق النصر فحسب، بل كيف يمكن الخروج من مسار بدأ أصلًا على افتراضات قد تكون خاطئة.

بدوره، يستعيد كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، في مقالة نشرتها «الغارديان»، تجربة حرب فيتنام، مقارنًا مأزق دونالد ترامب بمأزق الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون وسعيه آنذاك إلى تحقيق ما أسماه «السلام بشرف». وفي مثل هذه الحروب قد يصبح الحفاظ على مصداقية الدولة أو صورة القائد مبررًا لإطالة نزاع باتت كلفته أكبر من المكاسب التي يمكن تحقيقها منه.

ويرى بعض المحللين أن ترامب يستخدم عمدًا صورة «الرجل المجنون» أداةً تفاوضية وسياسية، ما يجعل التمييز ضروريًا بين الاضطراب النفسي الفعلي وبين استراتيجية إظهار اللاعقلانية. فقد يتعمد القائد جعل خصومه يعتقدون أنه قادر على الذهاب إلى حدود غير متوقعة كي ينتزع منهم تنازلات. إلا أن المشكلة تبدأ عندما يصبح من الصعب التمييز بين اللاعقلانية المستخدمة تكتيكيًا وبين عملية اتخاذ قرار أصبحت بالفعل أسيرة الاندفاع والتناقض.

إقرأ على موقع 180  "منعطف غزة".. الغرب يستعيد خطاب الإستعمار!

وتظهر هذه الازدواجية في الخطاب المتقلب تجاه الخصم: شيطنته في مرحلة، ثم مديحه في مرحلة أخرى، والانتقال بين التهديد والتفاوض، وبين رفض التسوية والسعي إليها. ويمكن قراءة هذا السلوك سياسيًا باعتباره تكتيكًا تفاوضيًا، كما يمكن قراءته نفسيًا بوصفه تعبيرًا عن علاقة شديدة الاضطراب بفكرة القوة والسيطرة.

إنها، بهذا المعنى، هستيريا حرب يمكن أن تنزع عن الآخر إنسانيته باسم الحقوق أو الأخلاق أو الأمن القومي. وفي البنية النفسية للسلطوية، يحتل الخوف من فقدان القوة موقعًا مركزيًا؛ فيصبح التحكم بالآخر وسيلة لتسكين هذا الخوف. وتتوالد عندئذ صور «الخطر الداهم»: الإرهابي، المخرب، والعدو الذي يهدد الجيران أو يسعى إلى امتلاك أسلحة مدمرة. ويصبح هذا «الآخر المخيف» كبش فداء يحمل المخاوف والتناقضات التي يعجز النظام عن مواجهتها داخل ذاته.

ويقدم التاريخ أمثلة متعددة على خطورة الثقة المفرطة ووهم السيطرة. فقد رأى نابوليون بونابرت نفسه حاملًا لمشروع يتجاوز حدود فرنسا، لكن ثقته المفرطة بقدراته أسهمت في مغامرته الكارثية في روسيا. أما أدولف هتلر فقد دمج رؤيته لنفسه بتصور أيديولوجي لمصير ألمانيا، وظهرت في خطابه وسلوكه سمات شديدة الارتياب والعظمة.

وعُرف جوزيف ستالين بدوره بحملات التطهير الدموية وبالارتياب الشديد من المحيطين به، وإن ظل الخلاف قائمًا حول مقدار ما يمكن تفسيره نفسيًا وما ينبغي فهمه باعتباره جزءًا من منطق السلطة الشمولية نفسها. وفي العالم العربي يقدم صدام حسين نموذجًا آخر للثقة المفرطة وسوء تقدير ردود أفعال الخصوم، وهي عوامل أسهمت في رهانات استراتيجية كارثية، وفي مقدمتها غزو الكويت.

من فرويد إلى علم النفس السياسي

قدّم سيغموند فرويد أحد أشهر التصورات التحليلية للعدوان من خلال مفهوم نزوة الموت أو دافع الموت، الذي يشير، ضمن بنائه النظري، إلى نزوع نحو التفكك والتدمير يمكن أن يتجه إلى الذات أو إلى الخارج. ولا ينبغي التعامل مع هذا المفهوم بوصفه تفسيرًا تجريبيًا مباشرًا للحروب الحديثة، بل باعتباره جزءًا من النظرية التحليلية الفرويدية التي حاولت تفسير جذور العدوان الإنساني.

وفي البناء الفرويدي للشخصية، تتفاعل ثلاثة مكونات: الـ«هو»، بوصفه مجال الدوافع والرغبات الغريزية؛ و«الأنا»، الذي يتعامل مع الواقع ويحاول تنظيم تلك الدوافع؛ و«الأنا الأعلى»، المرتبط بالقيم والمحظورات والمثال الأخلاقي. ومن الممكن استخدام هذا البناء، بصورة تفسيرية لا تشخيصية، لفهم كيفية انتقال الدافع العدواني إلى قرار سياسي، ثم كيفية عقلنته بوصفه ضرورة أمنية، وأخيرًا إكسابه غطاءً أخلاقيًا يحوله من فعل عنيف إلى «واجب» أو «مهمة نبيلة».

أما كارل يونغ فتتيح أفكاره حول اللاوعي الجمعي والنماذج الأصلية قراءة مختلفة لعلاقة القائد بالجماعة، وخصوصًا عندما يقدم نفسه في صورة «البطل» أو «المنقذ» أو حامل المصير التاريخي. فالأساطير والرموز والهوية الجمعية تستطيع أن تمنح القائد لغة يتجاوز بها ذاته الفردية، بحيث يبدو قراره السياسي وكأنه تجسيد لإرادة تاريخية أو مهمة تتخطى الأشخاص والأجيال.

لكن علم النفس السياسي المعاصر يتعامل بحذر أكبر مع هذه التفسيرات. فالخبراء لا يستطيعون القفز من خطاب سياسي أو قرار عسكري إلى تشخيص طبي، وإنما يدرسون شبكة معقدة من العوامل تشمل بنية الشخصية، الانحيازات المعرفية، طريقة معالجة المعلومات، البيئة المؤسسية، ديناميات الجماعة، الأيديولوجيا، موازين القوى، والضغوط الداخلية والخارجية.

لذلك، وعلى الرغم من إغراء ربط الحروب العبثية بنزعات نفسية عميقة لدى أصحابها، لا يوجد دليل علمي يسمح بالقول إن قادة الحروب تحركهم «نزوة الموت» بالمعنى النفسي المباشر. ويبقى مثل هذا التفسير، في جانب كبير منه، قراءة تحليلية تستند إلى السلوك والملاحظة التاريخية أكثر مما تستند إلى تشخيص سريري.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال السؤال الذي يطرحه عصرنا بقوة متزايدة: ماذا يحدث عندما تلتقي شخصية سياسية شديدة التعلق بالقوة مع دولة تمتلك قدرة تكنولوجية وعسكرية غير مسبوقة؟

نحن أمام عالم أصبحت فيه شراهة التدمير أكثر خطورة لأن الوسائل المتاحة لتحقيقها أكثر فتكًا وسرعة ودقة. وقد يزيد التفوق التكنولوجي، وخصوصًا مع إدماج الذكاء الاصطناعي في منظومات الحرب وصناعة القرار، من وهم القدرة على السيطرة الكاملة، ويضخم الاعتقاد بأن الحرب يمكن إدارتها مثل عملية تقنية محسوبة النتائج.

لكن التكنولوجيا لا تلغي سيكولوجيا الإنسان الذي يتخذ القرار. وقد تمنحه، على العكس، قدرة أكبر على تحويل أوهامه وانحيازاته وأخطائه إلى قوة مادية هائلة.

وهنا ربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة للقلق: كلما ازدادت أسلحة العالم ذكاءً، أصبحت الحاجة أكبر إلى مساءلة العقول التي تقرر استخدامها. فالحروب قد تبدأ تحت عناوين الأمن والمصلحة القومية وإنقاذ الشعوب، لكنها كثيرًا ما تنتهي عندما تتغير حسابات أصحابها ومصالحهم، فيما تبقى الشعوب وحدها أمام الخراب، تحمل لسنوات وربما لأجيال الآثار النفسية والاجتماعية والإنسانية لقرارات لم تكن طرفًا في صنعها.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حماس ستعود إلى دمشق.. مهما طال السفر!