لماذا تُعيد الحرب على إيران تشكيل الإقليم من جديد؟

منذ اندلاع الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، يصعب على المراقب أن يتجاهل، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي مرّت، أنّ شيئاً أعمق من الحرب نفسها يتحرّك تحت سطح الأحداث. فبعيداً عن ضجيج هذه الأخيرة، وعن الخطابات الأيديولوجيّة هنا وهناك، وعن محاولة كلّ طرف في الحرب إعلان انتصاره أو التّقليل من إنجازات الآخر.. تبدو المنطقة أمام مراجعة أوسع لتحالفاتها وللأسس التي قام عليها أمنها طوال عقود.

لعلّ “اتّفاقيّة مكّة للدّفاع المشترك”، التي وقّعها في السّابع من آب/أغسطس كلٌّ من وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، أوضحُ تعبير عن هذه المراجعة حتى الآن. فالاتّفاقية تنصّ على أنّ أيّ هجوم مسلّح على إحدى الدّول الثّلاث.. يُعدّ هجوماً عليها جميعاً. وقد وصفها وزير الخارجيّة التّركيّ حقّان فيدان، بُعَيد توقيعها، بأنّها تماثل من الناحية التقنية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو). والأهمّ من ذلك أنّ الأطراف الثلاثة حرصت على التأكيد على أنّ الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران ولا ضد دولة بعينها، وأنها مفتوحة أمام من يرغب في الانضمام إليها.

هذا كلّه مع أهمّيّة أن نتذكّر العلاقات الاستراتيجيّة العميقة القائمة بين باكستان من جهة، وبين الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران من جهة ثانية (يسري الأمر ذاته على العلاقة الإيرانية التركية)، لا سيّما في هذا التّوقيت الجيوسياسيّ التّاريخيّ.. ممّا يعني، بكلّ وضوح، أنّ الأمور ليست “إمّا بيضاء وإمّا سوداء”، كما يرغب البعض بأن يتصوّر على الدّوام لا سيّما في دولنا العربيّة.

غير أنّ “اتّفاق مكة” هذا ليس بالتّأكيد بداية التّحوّل بقدر ما هو أحد تجلّياته. فالحرب المذكورة لم تُنشئ هذا المسار من العدم، لكنّها سرّعته في اعتقادي، ونقلته من خيار استراتيجيّ مؤجَّل إلى ضرورة عمليّة وربّما إلى ضرورة قصوى في الحالة السّعوديّة-الخليجيّة كما سنرى.

حدود المظلّة الأميركيّة للخليج

قامت المعادلة الأمنيّة الخليجيّة، طوال عقود وإلى حدّ بعيد، على وجود قوّة أميركيّة قادرة على ضبط التوازنات الإقليميّة، وعلى حماية الممرات البحريّة، وعلى منع أيّ قوة إقليمية واحدة – أو غير اقليميّة – من فرض إرادتها على الخليج.. أو من تهديد دوله واقتصاداته بشكل جدّيّ و/أو وجوديّ. لكنّ الحرب على إيران، طرحت سؤالاً أدقّ من سؤال القُدرة: فليس السّؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تملك القوة العسكرية اللازمة نسبيّاً.. بل صار السّؤال واقعاً، ما إذا كان الوجود العسكري الأميركي يعني بالضرورة ضماناً أمنياً من جهة، وضماناً تتطابق أولويّاته مع أولويّات دول الخليج من جهة ثانية.

وقد جاءت وقائع الأشهر الماضية لتزيد هذا السّؤال حدّة. فمركزيّة “إسرائيل” في الحسابات الأميركيّة ظلّت ثابتة، فيما تحوّل مضيق هرمز من ممرّ تجاريّ إلى ساحة من ساحات الحرب: أُغلق المضيق العجيب فعلياً في وجه الملاحة منذ الأسابيع الأولى للقتال؛ وقفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى أضعاف مستوياتها المعتادة؛ وبات موضوع المضيق هذا مسألة عالميّة بامتياز.

وحين وُقّع في حزيران/يونيو تفاهمٌ أوقف القتال مؤقتاً، كان أحد بنوده الأساسية يتعلق بتأمين مرور السفن عبر المضيق. وهو اعتراف عمليّ بأنّ هذه الورقة أصبحت جزءاً من معادلة التفاوض مع إيران لا من هوامشها. ثم ظهر نوع من انهيار لذلك التفاهم في تموز/يوليو، ولو شكليّا، وبقي المضيق مع ذلك وحتّى كتابة هذه السطور.. بين إغلاق وتقييد وتهديد إيرانيّ للمارّين من دون إذن، في ظلّ ما يعتبره الكثيرون تخبّطاً أميركيّاً، بل وعجزاً نسبيّاً كبيراً عن حلّ المسألة من غير إعطاء إيران عمليّاً.. مكاسب استراتيجيّة كبيرة: مكاسب في معركتها مع الأميركيّ والإسرائيليّ، لكن أيضاً بالنّسبة إلى جيرانها العرب.

والخلاصة التي تفرض نفسها هي أنّ اللّاعب السّعوديّ (مع غالب اللّاعبين الخليجيّين) قد وجدوا أنفسهم، أيضاً في ظلّ فعاليّة المسيّرات والصّواريخ الايرانيّة في تهديد جميع من هم تحت المظلّة الأميركيّة عمليّاً: وجدوا أنفسهم أمام ضرورة قصوى لانتقال تدريجيّ من الرّكون إلى ضامن واحد فعليّاً، إلى سياسة تحوّط Hedging استراتيجيّ.. تُنوّع مصادر الرّدع وتوزّع المخاطر بدلاً من حصرها في سلّة واحدة إن صحّ التّعبير.

أمام الأنواع المتعدّدة من التّهديد والمخاطر التي وجدت السّعوديّة نفسها أمامها، ومن جهات متعدّدة في المنطقة قد يُشكّل تحرّك بعضها على الأرض – من دون رادع جدّيّ – خطراً وجوديّاً، وليس فقط خطراً مؤقّتاً.. أمام كلّ هذا، عرف صاحب القرار السّعوديّ أنّ فرضيّة المظلّة الواحدة قد سقطت فعليّاً، ولا بُدّ من بدائل.. وخصوصاً بدائل تتناسب مع طبيعة الفوالق الزّلزاليّة التي تبيت تحت أرض منطقة غرب آسيا عموماً.

“المعضلة” التّركيّة

تواجه تركيا معادلة مختلفة، لكنّها تنتهي إلى النتيجة نفسها عمليّاً.

فأنقرة لم يكن في مصلحتها أبداً أن ترى إيران تنهار أو تُقسَّم، لما يترتب على ذلك من فراغ جيوسياسيّ، واضطرابات حدوديّة، وتداعيات اثنيّة ومذهبيّة وأمنيّة واقتصاديّة يصعب ضبطها.

لكنّها، في المقابل، لا تريد أن ينتهي صمود إيران إلى جعلها القوّة الإقليمية الوحيدة القادرة على تحديد توازنات المنطقة.

ويضاف إلى ذلك عامل إسرائيليّ متصاعد الأهمية في نظر أنقرة. فتركيا تنظر بعين القلق إلى توسّع القوّة الإسرائيلية النّسبيّ، وقدرتها على إعادة رسم عدد من الوقائع الأمنية في المشرق، وهو قلق يجعل حاجتها إلى عمق إقليمي مفهومة: السّعوديّة بثقلها العربيّ والديني والماليّ؛ وباكستان بقدراتها العسكريّة والنووية وأدوارها الجيوسياسيّة المتصاعدة؛ وتركيا بثقلها الدّيموغرافيّ والصّناعيّ والعسكريّ وموقعها الجغرافي الإستراتيجي.

تركيا، بهذا المعنى، لا تريد سقوط إيران.. ولا هيمنتها. هي تهدف إلى ما يُمكن تسميته “توازناً تنافسيّاً” معها: وهذا ما يُفسّر التّحرّك التّركيّ الذي قد يبدو متناقضاً.. فقط في ظاهره.

إقرأ على موقع 180  الشرق الأوسط فى استراتيجية ترامب

البحث الباكستاني عن العمق غرب-الآسيويّ

أمّا باكستان فتدخل هذه المعادلة من زاوية أخرى. فهواجسها الاستراتيجية تبدأ بالهند، ولا تنتهي عند أفغانستان، فيما تشكّل الصّين وإيران ودول الخليج أجزاءً أساسيّة من بيئتها الجيوسياسية، ومن منافذها.. ضدّ حصار قائم أو محتمل عليها.

ومن هنا، فإنّ اندماج إسلام آباد الأعمق في منظومة أمن غرب آسيا يمنحها عمقاً استراتيجياً غربياً، ويخفّف من انحصار رؤيتها الأمنية في شبه القارة الهندية.

وهو ما يفتح الباب أمام ملاحظة مفاهيمية تستحق التوقف عندها: لعلّ “الشرق الأوسط” لم يعد وحده الإطار الجغرافي الكافي لفهم ما يجري بتفاصيله وبحيثيّاته، بعدما باتت التفاعلات الأمنية والاستراتيجيّة المترابطة والمتشاركة تمتد بوضوح من شرق المتوسط والخليج.. إلى باكستان وجنوب آسيا.

مصر؛ وإعادة حساب المخاطر

تبقى مصر الحالة الأكثر حذراً اليوم. فهي ليست طرفاً في “اتفاق مكة” حتّى الآن، واكتفت إلى اليوم بالقول إنّها تدرسه بجدّيّة في ضوء التزاماتها الدّستورية والقانونيّة. ولكنّها، في الوقت نفسه، عضو كامل في الإطار التشاوري الرباعي، بل هي التي استضافت اجتماعه الأخير على مستوى وزراء الخارجية قبل أن ينتهي ثلاثيًا على مستوى القمة.

وقد أظهرت حرب غزّة – خصوصاً – للقاهرة: أنّ التحرّكات الإسرائيليّة/الأميركيّة قادرة على أن تتحوّل سريعاً إلى قضية أمن قوميّ مصريّ مباشر، لا سيّما حين طُرحت سيناريوهات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء وغيرها، وهو ما تعاملت وتتعامل معه مصر بوصفه خطّاً أحمر لا يقبل النقاش. لذلك تبدو القاهرة، هي الأخرى، معنيّة بتوسيع هوامشها الاستراتيجية في المبدأ، من دون أن تضطّر، أقلّه حتّى الآن، إلى أن تستبدل تحالفاتها القائمة.. بتحالفات حصريّة جديدة.

إيران؛ من الصّمود إلى تثبيت المواقع

وأخيراً، نأتي إلى إيران نفسها. فقد دفعت طهران أثماناً باهظة بنظرها في حرب ذات أبعاد دوليّة واقليميّة واسعة وربّما غير مسبوقة. ومع ذلك، لم تحقّق الحرب الأميريكيّة-الإسرائيليّة موضوعيّاً، إلى اليوم، النّتيجة الملموسة التي كانت كفيلة بتغيير ميزان القوى جذريّاً وفعليّاً: وهي، بإيجاز مُعبّر، نتيجة تؤدّي عمليّاً إلى إخراج إيران من معادلة القوّة الإقليميّة (كلّيّاً أو إلى حدّ كبير).

بل ما حصل ويحصل، على الأرجح.. هو العكس. فورقة مضيق هرمز مثلاً، أظهرت وحدها أنّ قوّة إيران لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الولايات المتحدة عسكرياً بالمعنى التّقليديّ.. وإنّما أيضاً بقدرتها على جعل كلفة إخضاعها تتجاوز حدودها لتصيب أسواق الطاقة والتجارة والمال الاقليميّة بل الدوليّة.

“الجمهوريّة الإسلاميّة”، من وجهة نظرها، وأيضاً من وجهة نظر اللّاعبين المذكورين آنفاً أقلّه: صمدت وتصمد أمنيّاً وعسكريّاً وسياسيّاً بشكل خاصّ؛ واستطاعت افشال جوهر أهداف العدوان عليها؛ وثبّتت تحالفتها في الاقليم بما لا يستطيعه أغلب منافسيها الأساسيّين في المنطقة؛ وأرست معادلات استراتيجيّة باتت تتخطّى حدودها لتصل إلى أمن الاقليم برمّته وأمن الاقتصاد العالميّ برمّته؛ وظهرت، بالنّسبة إلى شعوب المنطقة والعالم، بمظهر من يَضرب “إسرائيل” والقوّة الأميركيّة بوضوح ويُضرب منهما بوضوح، في مشهديّة تعتبرها ذات أبعاد دينيّة وتاريخيّة وأخلاقيّة (ومستقبليّة) عميقة جدّاً وخطيرة جدّاً.. بالنّسبة إلى القرار والوجدان الإيرانيّين.

لهذا كلّه، فالمرجّح أنّ إيران قد حقّقت تقدّماً استراتيجيّاً لا يُستهان به على مستوى المنطقة ولا سيّما على المستوى الخليجيّ، ممّا يُقوّي ويَدعم المقاربات المشار إليها في الملفّات السّابقة.

لكنّ تحويل الصّمود هذا عموماً إلى مكسب جيو-سياسيّ مستدام يتطلّب من إيران شيئاً آخر أيضاً: وهوالانفتاح البراغماتيّ في المقابل على الترتيبات الإقليمية والآسيويّة الناشئة. والأرجح هو أنّ القيادة الإيرانيّة قد قرأت “اتفاق مكة” قراءة هادئة بمساعدة الصّديق الباكستاني طبعاً، فرأت فيه ضمنيّاً مؤشراً واضحاً على تحوّل في مقاربة المنطقة لأمنها باتجاه الاعتماد على قدراتها الذاتية بدلاً من القوى الخارجية. وقد عبّرت إيران عن اشتراطها في المقابل أن يكون أي ترتيب من هذا النوع شاملاً وغير إقصائيّ، ممّا يُعزّز هذا الانطباع، ويلتقي معها في الاتجاه نفسه الفاعل المصري الذي كان يُريد لاتفاق مكة أن يكون خماسياً بانضمام إيران إليه.

نحو أمن يولد “من داخل” المنطقة؟

هكذا تتقاطع إذن حسابات السّعودية وتركيا وباكستان وإيران – وربّما مصر – إلى حدّ كبير نسبيّاً، على اختلاف مصالحها ومواقعها، عند استنتاج واحد آخذ في التّبلور أكثر فأكثر في اعتقادي: الرّكائز الاستراتيجيّة للمرحلة المقبلة لا يمكن أن تبقى “خارجيّة” حصراً أو حتّى غالباً، بل ينبغي أن تصبح أكثر محليّة، وأكثر انسجاماً مع جغرافيا المنطقة وموازين القوى الفعليّة فيها (بما في ذلك ما يعني “الموازين” والجوانب التّاريخيّة والثّقافيّة والاثنيّة والمذهبيّة).

أمّا كيف ستنعكس هذه التّصوّرات تفصيليّاً على الخريطة الجيوسياسيّة، وأيّ تحالفات جزئيّة أو كلّيّة ستولّد، وهل نحن فعلاً أمام “أحلاف” ثابتة، أم أمام توازنات ديناميكيّة أكثر مرونة.. فللحديث فيها تتمّة وإكمال لا بدّ منهما لاحقاً.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  السلاح في العقيدة العسكرية.. كيف تطوّرت نظرياته السياسية؟