السلطة اللبنانية لا تريد رؤيةَ أنَّ “ثقافة اتفاق الإطار” سقطت. وسقطَ معها القرار 1701 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بلبنان، وصولاً إلى “اليونيفيل”[يجري العمل الآن على إيفادِ قواتٍ بديلةٍ]. كما لا ترغبُ في الإقرار بأنَّ الوعود الأميركية “عُرقوبيَّةٌ” أصلاً، وأنَّ اتفاق الإطار لم ينتجْ عنه شيءٌ سوى مزيدٍ من قضْمِ أرضِ جنوبنا اللبناني، وتدمير قراه، وبِنيته التحتية، وآثاره ومعالمه الجغرافية الطبيعية. وتكتفي السلطة بالقول بين حينٍ وآخر بأنَّ “إسرائيل” تخرق الاتفاق، كأنَّها تُبلِّغ اللبنانيين بأمرٍ غير معلوم ثمَّ تسكتُ عنِ الكلامِ غير المباح التزاماً منها بالاتفاق الإطاري الذي وقعتْه بالرغم من كلِّ المطالبات والنصائح التي وجِّهتْ إليها، كي تختار طريق الحوار الداخلي بديلاً من التخبُّطِ في مستنقعٍ سيضيعُ فيه لبنان إذا لم يتمَّ الخروج من وُحولِه.
ما زالت السلطة تتحدَّثُ عن المفاوضات.. ويجري التلويحُ باستئنافها ابتداءً من النصف الثاني من أيلول/سبتمبر الجاري. وليستِ المفاوضاتُ بحدِّ ذاتِها أمراً غريباً في تاريخ الصراعات والحروب، لكنَّ الغريبَ هو الذهابُ إليها صِفرَ اليدين، ثم الاستمرارُ بها برغم فراغيّةِ نتائجِها، ومواصلةُ تعليق الآمال على طرفٍ فيها يَعتدي على الطرف الآخر، من خلال استباحةِ أرضِه، واستباحةِ الوفدِ المفاوضِ نفسه على طاولة المفاوضاتِ نفسها. أمَّا الأشدُّ غرابةً فهو أنَّ السلطةَ التي تُنظِّرُ لهذه الصورة المُهينة من المفاوضات، لا تأخذ العبرة من التجارب، بل ترتضي الضعف وتستنكف عن البحث عن أوراق القوة.
لا أحدَ يُطالِبُ السلطةَ بأنْ تحلَّ محلَّ المقاومة، فمثل هذه المطالبة غير واقعيّة، وغيرُ ممكنةٍ أصلاً بسبب طبيعة السلطة سياسيَّاً وطبقيَّاً. ولا يُطالبها أحدٌ بأن يقوم الجيش بأكثرَ ممَّا يستطيع، وبأكبرَ ممَّا هو مُهيَّأ له، لكنَّ المطالبة الأساسية، هي أن لا تستمرَّ في بناء موقفها على معاداة المقاومة، وأنْ تضعَ في الحُسبانِ أنَّ تداعيات اتفاق الإطار التي تظهرُ تِباعاً، ستُؤدِّي حُكْماً إلى اضطرابٍ في معادلاتِ التوازن الداخلي اللبناني. وعندئذٍ لا يكون المأزقُ خاصّاً بالسلطة وحدَها. إنَّه يخصُّ وحدةَ كلِّ الوطن ومصيره، وهذا ما يثيرُ مخاوفَ العقلاء والشرفاء والحِواريّينَ منَ اللبنانيين، ولا سيَّما عندما يروْنَ أنَّ الولاياتِ المتحدةَ و”إسرائيل” يُقدِّمانِ كلَّ مدَّةٍ للسلطةِ جرْعةَ إنعاشٍ كي تُواصِلَ الترويجَ لنظريتها الإطارية في احتمالات نجاح “الدبلوماسيَّة”، مثلما حصل مؤخَّراً في الإفراج عن بعض المخطوفين اللبنانيين. لا يوجدُ عاقلً يرفضُ تحريرَ أيِّ أسيرٍ، لكنَّ أيَّ عاقلٍ ينتبهُ إلى أنَّ هذا الإفراج يجري توظيفُه في سياقِ دفْعِ السلطة اللبنانية إلى مزيدٍ من التناقض مع المقاومة – حزب الله تحت عنوانٍ خدَّاعٍ هو “حصريةُ السلاح بيد الدولة” و”أنَّ الدبلوماسية الإطاريَّة أدَّت إلى الإفراج عن بعض الأسرى بينما المقاومة لم تُجْدِ نفعاً”. ولا يَخفَى أنَّ هذه الخديعةَ تندرجُ في إطار المحاولات الأميركية لضرب كلِّ مقاومةٍ في المنطقة، وهذا ما يتعرَّض له العراق حالياً مثل لبنان حيث تطلبُ واشنطن من الحكومة العراقية نزع سلاح فصائل المقاومة، الأمر الذي أثار وسيُثيرُ اضطراباتٍ في العراق.
لا يوجدُ أيُّ مؤشِّرٍ فعليّ على أنَّ الأشهر القليلة المقبلة ستكون سهلةً على لبنان والمنطقة، ولا سيَّما قُبَيْلَ الانتخابات “الإسرائيلية” والانتخابات النصفيّة الأميركية، فالأميركيون لا يعترفون بعجزهم عن تحقيق أهدافهم ضِدّ إيران، والعدوُّ الإسرائيلي يواصلُ مشروعَه في إنشاء ما يُسمّيهِ بالمناطق العازلة في جنوب لبنان وجنوب سوريا وغزة، وإيران لن تقدِّم تنازلاتٍ إستراتيجية، والمنطقة كلُّها في حالةِ غليانٍ خصوصاً بعد ازدياد التنافس التركي-الإسرائيلي (تنافس لا تناقض) على النفوذ في سوريا ومياه المتوسط، ولبنان لا يستطيع أن يكون خارج آثار هذه المعادلات الحارقة.
بإزاء ذلك ما هو الممكن أمام السلطة اللبنانية إذا أرادت فعلياً أن تسعى إلى الإنقاذ؟
أوَّلاً؛ العودة إلى الاستجابة لدعوات الحوار الداخلي الوطني، تجنُّباً لمزيد من الضعف والهزال والانحدار أمام واشنطن وتل أبيب اللتين تستخدمان الأوراق الانقسامية الداخلية لخدمة مصالحِهما.
ثانياً؛ ليس منطقيَّاً أنْ تتذرَّعَ السلطة بعدم توافر التوافق، وهو أمرٌ موجود للأسف، لأنَّ مهمةَ السلطة في كلِّ الحالاتِ السعْيُ إلى التوحيد، فما الذي يمنعُها رئاسةً وحكومةً من إعداد مشروع حوارٍ جِدّيٍّ وعملي وواقعي هدفُه حماية وحدة لبنان وأرضه وسيادته واستقلاله، على أنْ ينتهي بإعلان وطني يرسم السياسات الداخلية والخارجية وكيفية تجميع أوراق القوة بوجه العدو الإسرائيلي. أمَّا مَن يريدُ أنْ يتخلَّف عن مثل هذا الحوار فسيكون مكشوفاً أمام اللبنانيين جميعاً، ويتحمَّل مسؤوليته التاريخية سواءٌ أكان في السلطة أو خارجها.
ثالثاً؛ الحاجة إلى هذه المبادرة، ولو متأخرة، ضرورةٌ سياسيةٌ ووجوديةٌ إذا توافرت إرادةُ الإنقاذ، وإلَّا فإنَّ السلطة تكون قد أدخلتْ نفسَها في ثلّاجةِ الانتظار ريثما يجري تقسيم سوريا ولبنان، وعندئذٍ يكون قد فات الأوانُ.. ويا للطامَّة الكبرى.
