كل واحد منا يعبّر بطريقته الخاصة عن حنينه إلى المكان، حيث جذوره الروحية والمادية، أو يذهب بمخيلته إلى ما كان يمتلكه. بالنسبة إليّ، أتخيل نفسي أعود لأجثو بين الركام، وأتعرف إلى أشياء تركناها خلفنا، وألملم ما نجا منها، وأنفض عنها غبار التفجير، وألحم ما انكسر منها، ثم أجمعها لأصنع منها تذكاراً رمزياً يجسد صموداً نقاوم به النسيان. وكيف لا، ومداواة الأسى لا تكون بمحو الذاكرة، بل باستعادة ما غاب عنها، ووضعه أمام أعيننا وفهم ملابساته؟
يستيقظ الحنين بين الفينة والأخرى على خواطر وصور ومعانٍ مختزلة، تشكلت من ألفة الطبيعة وعناصرها، ومن الحنين إلى موجودات كانت تحكي عن نفسها. فأرى نفسي أسافر بذاكرتي نحوها، أتسلل إلى حناياها وإلى الأجزاء التي نُحتت في جوفها، وأطل عليها بعد غياب طويل لأجدها وحيدة، عاتبة ومحطمة. دمرها جندي لا يعرف عنها شيئاً، ولا يعرف أن للأشياء قيماً وذاكرة، وأنها تحمل آثار التاريخ والعرق والجهد الإنساني، وأن ملكيتنا لها ليست مادية فحسب؛ ففي كل قطعة منها ألف ذكرى وعرق الجبين وجنى العمر والأيام.
أرى نفسي أتفقد شتول الورود التي كثيراً ما عانقتها شتلات الصعتر من اليمين، ومن اليسار عروق المردقوش. أما البقدونس، ذلك الدخيل الخارج من أوكار النمل بعدما زُرع في أماكن أخرى، فكان يطل كزائر حضر من دون دعوة. إنها علاقة حميمة وتبادلية بين جزئيات من الأرض والإنسان؛ ملكية تتجاوز حدود المادة.
في كل مكان ذكرى: ملعب صُمم على مقاس الصغار، ومقاعد اتسعت للزوار، وسهرات وأحاديث كنا نكررها ونضحك عند سماعها للمرة الألف، وكأنها تُروى للمرة الأولى.
إنها ذاكرة من الحكايات والسوالف وخزعبلات المراهقين ونهفاتهم وطرائفهم الدونكيشوتية. وكثير منها ليس أشياء أو ممتلكات مادية أو فيزيائية بالضرورة، بل إرث من العلاقات الإنسانية وذاكرة روحية مستمدة من ملامح المكان وجِبِلّة الأرض؛ فالأمكنة تسهم بعمق في تشكيل روح الإنسان وعلاقاته وهويته.
الصغار، كما الكبار، ينتظرون انتهاء الحرب للعودة إلى بيوت أهاليهم وأجدادهم. في أماكن النزوح، تجد شيخاً كبيراً أحنت زراعة الأرض ظهره، وعجوزاً متفطرة الكفين من غرس شتلات التبغ، وفتاة واجهت قدرها واتخذت من القرية عشقاً؛ جميعهم ينتظرون لحظة العودة ولسان حالهم: حتماً سنعود.
الطفل الذي دُمّر عالمه، من البيت إلى المدرسة والبيدر، لم يخسر حجارة ومقعداً وكتباً ولوح السبورة فحسب؛ لقد تغيرت الصور التي يحملها في ذهنه. وصارت الجرافة في مخيلته آلة حديدية بلا روح ولا ماضٍ، حطمت أشياءه وجرفتها أمام عينيه وأعين العالم.
أما الطفل الذي استشهد والده وعاش معاناة النزوح، فهو ينتظر، بعد كل تلك الخسارات، أن يستعيد شيئاً مما كان له: رفات والده، ليحتضنها ويشيّد لها مثوى لائقاً، يعود إليه كلما ضاقت به الدنيا واشتد الحنين.
والمرأة التي عاد زوجها شهيداً تنتظر هي أيضاً لحظة الوقوف أمام ضريحه، لعلها تمنح حزنها مكاناً وطقساً ووداعاً، وتمارس حقها في البكاء قبل أن تبدأ رحلة الخروج من الحداد.
وأم الشهيد، ذات الباع الطويل في الصبر والتضحيات، تحمل يقيناً بأن المحتل ليس إلا عثرة ستزول يوماً، وأن للأمكنة وأصحابها ذاكرة أطول من زمن الاحتلال.
ماذا تعني الملكية نفسياً؟
لا يتعامل علم النفس مع الملكية بوصفها مفهوماً واحداً بسيطاً أو «غريزة» منفردة، بل يدرس مجموعة من الميول والسلوكيات المرتبطة بالتملك، والتعلق بالأشياء، والسيطرة على المجال، والإحساس بما هو «لي» وما هو لـ«الآخر». وتظهر البدايات الأولى لهذا التمييز في سن مبكرة، قبل أن يكتسب الطفل فهماً ناضجاً للقواعد الاجتماعية والقانونية للملكية.
فالطفل الصغير قد يتمسك بشيء في يده، ويقاوم محاولة انتزاعه منه، وتتطور تدريجياً قدرته على فهم مفاهيم مثل «لي» و«لك»، والمشاركة والتبادل والاستئذان. ولا يحدث ذلك دفعة واحدة، بل يتشكل بالتفاعل بين النمو المعرفي والعاطفي وبين التربية والبيئة الاجتماعية.
ومع تقدم الطفل في العمر، يصبح أكثر قدرة على فهم أن امتلاك الشيء لا يقوم فقط على الرغبة فيه أو حيازته في اللحظة الراهنة، بل تحكمه قواعد اجتماعية: لمن كان الشيء؟ مَن أعطاه؟ هل يجوز أخذه؟ وهل يحتاج استخدامه إلى إذن؟ وهنا يبدأ مفهوم الملكية بالانتقال من التملك المباشر إلى فهم أكثر تعقيداً للحقوق والحدود والمشاركة.
وقد تناول علماء نفس النمو، ومنهم جان بياجيه، تطور فهم الطفل للقواعد والأحكام الأخلاقية، فيما أبرز ليف فيغوتسكي دور التفاعل الاجتماعي والثقافة في نمو التفكير. ثم وسّع لورنس كولبرغ البحث في مراحل التفكير الأخلاقي. ولا يمكن اختزال أعمال هؤلاء في «نظرية الملكية»، لكنها تساعد في فهم الكيفية التي ينتقل بها الطفل من التعامل المباشر مع الأشياء إلى استيعاب القواعد والحقوق والواجبات والعلاقات مع الآخرين.
وتشير أبحاث أخرى في علم النفس إلى ظاهرة مهمة تُعرف بـ«تأثير التملك» (Endowment Effect)، حيث يميل الإنسان، في ظروف معينة، إلى إعطاء الشيء الذي يملكه قيمة أعلى من القيمة التي يمنحها للشيء نفسه عندما لا يكون في حوزته. وهذا يكشف أن علاقتنا بما نملكه ليست اقتصادية أو نفعية فقط؛ فالملكية تستطيع أن تضيف إلى الشيء قيمة نفسية وشخصية.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي والبيئي، يمكن للممتلكات والمكان الذي نعيش فيه أن يصبحا جزءاً من الهوية الشخصية والاجتماعية. فالبيت والأرض والحي لا يؤدي كل منها وظيفة مادية فقط؛ إنها أماكن تتراكم فيها الخبرات والعلاقات والذكريات والشعور بالأمان والانتماء. ولهذا يمكن أن يُعاش فقدان المكان بوصفه فقداناً لجزء من العالم الشخصي، لا مجرد خسارة عقارية قابلة للحساب بالأمتار والأموال.
وترتبط الملكية، وخصوصاً ملكية البيت والأرض، بالحاجة إلى الاستقرار والأمان والقدرة على التحكم في المجال الشخصي، وتساعد الحدود في التمييز بين ما هو شخصي وما هو مشترك، وبين حقي وحق الآخر.
وهنا تقع المسألة على خط دقيق: فالإحساس بالملكية والحدود يستطيع أن يدعم الاستقلالية والأمان والهوية، لكنه عندما يتحول إلى إنكار حق الآخر أو الاستيلاء على مجاله يصبح مصدراً للصراع. ولهذا لم تترك المجتمعات الحديثة الملكية للرغبة والقوة، بل نظمتها بالقوانين والحقوق وآليات فض النزاعات.
وتدخل في التربية الحديثة مفاهيم احترام حقوق الآخرين، والمشاركة، والمسؤولية، واحترام الممتلكات، ضمن مسارات أوسع تتعلق بالنمو الأخلاقي والاجتماعي والمواطنة. ولا يُعلَّم الطفل الملكية باعتبارها حقاً مطلقاً في الاستحواذ، بل باعتبارها علاقة متبادلة: لي أشياء وحقوق وحدود، وللآخر أيضاً أشياء وحقوق وحدود ينبغي احترامها.
ومن هنا تبدأ المفارقة التي يعجز الطفل عن فهمها بسهولة. فنحن نعلّمه في البيت والمدرسة ألا يأخذ لعبة طفل آخر بالقوة، وألا يدخل مساحة غيره بلا إذن، وألا يحطم ما لا يملكه، وأن القانون موجود لحماية هذه الحدود. ثم قد يشاهد، على شاشة أو من نافذة نزوحه، قوة عسكرية تهدم بيته ومدرسته وتجرف أرض عائلته، فيما يقف العالم الذي صاغ تلك القواعد عاجزاً أو مختلفاً على تطبيقها.
المشكلة النفسية هنا لا تتعلق بفقدان الممتلكات. إنها تمس الثقة بالقواعد ذاتها: هل العالم منظم فعلاً وفق مبادئ يمكن توقعها؟ هل ما يُعلَّم للطفل عن العدالة والحقوق ينطبق عندما يصبح هو الطرف الأضعف؟ وهل يحمي القانون الأشياء والأماكن لأنها حقوق، أم لأن أصحابها يملكون القوة الكافية لحمايتها؟
بالنسبة إلى طفل الجنوب اللبناني الذي شاهد بيته يُهدم أو قريته تُجرف، قد لا تكون العودة مستقبلاً مجرد عودة إلى قطعة أرض. فالبيت الذي سيبحث عنه بين الركام يحمل جزءاً من ذاكرته، والأرض جزءاً من انتمائه، وقبر الأب أو الجد مكاناً يمنح الفقد شكلاً يمكن احتماله. ولهذا فإن استعادة المكان، حين تصبح ممكنة، قد تكون أيضاً استعادةً لشيء من الاستمرارية النفسية التي قطعتها الحرب.
نحن لا نلملم الأشياء بعد الحرب لأنها ثمينة دائماً، بل لأنها تشهد على أن حياةً كانت هنا. قطعة باب، مفتاح، صورة، حجر من حائط، غصن من شجرة، أو لعبة نجت من الركام؛ قد تصبح كلها جسراً بين عالمين: عالم كان موجوداً قبل التدمير، وعالم ينبغي أن يبدأ بعده.
وربما لهذا أتخيل عودتي كما بدأت هذا الحديث: أجثو بين الركام، أبحث عن الأشياء الصغيرة التي نجت، أنفض عنها الغبار وأجمع شظاياها. لن أعيد بذلك البيت الذي كان، ولن أمحو ما حدث، لكنني سأقول لنفسي إن التدمير استطاع أن يكسر الأشياء، ولم يستطع أن يقرر وحده ماذا تعني لنا. فالذاكرة أيضاً شكل من أشكال استعادة الملكية، والعودة إلى المكان ليست استعادةً للأرض وحدها؛ إنها استعادة لحق الإنسان في أن يصل ماضيه بمستقبله، وألا يترك للركام الكلمة الأخيرة.
