ليست المشكلة في أن لبنان يفتقر إلى السياسيين أو الإدارات أو الأجهزة أو المستشارين، بل في كون هذا الحضور الكثيف للسلطة لا يتحول بالضرورة إلى دولة قادرة. ومن طريق بيروت – دمشق الدولية (نقطة ضهر البيدر) إلى طاولة التفاوض في واشنطن أو روما، تتكرر الحكاية نفسها بأشكال مختلفة: الجميع يعرف المشكلة، والجميع يتحدث عنها، لكن المسافة بين المعرفة والقرار، وبين القرار والتنفيذ، تبقى أوسع من قدرة المواطن على الاحتمال.
يتحول طريق ضهر البيدر إلى اختبار يومي لبنية الدولة؛ فالسلطة تعرف مشكلاته، وتعرف كلفته الاقتصادية والنفسية على المواطنين، ومع ذلك يبقى السؤال: كيف يمكن لسلطة أن تعجز عن حل مشكلة يعرفها الجميع، ثم تطلب من المواطن أن يصدق أنها قادرة على إدارة اقتصاد بلد، وإصلاح مؤسساته، وحماية مصالحه؟
السؤال الأساسي هو: هل يكفي أن تتحدث عن المشكلة، أم أن مسؤولية السياسة تكمن في جعلها قابلة للحل؟
إدارة الدولة تعني التخطيط، ووضع السياسات، ومتابعة تنفيذها، ومحاسبة المسؤولين عنها. أما إدارة الأزمة، فتعني انتظار المشكلة حتى تقع، ثم البحث عن تسوية مؤقتة تؤجلها إلى موعد آخر.. وهكذا يدور لبنان في حلقة مفرغة: أزمة، تسوية، تأجيل، تراكم، انفجار، ثم تسوية جديدة. وفي كل مرة يصبح الجميع مسؤولين نظرياً، ولا يكون أحد مسؤولاً عملياً.
تكرار العجز لا يُبقيه مجرد عجز. حين يصبح الفشل نمطاً مستمراً، يتحول إلى هشاشة مؤسسية: ضعف في التخطيط، خلل في التنسيق، اعتماد متزايد على التسويات بدل السياسات.. وعندها تكشف الأزمة أن الدولة لا تملك الأدوات الكافية لإدارتها.
عندما تتواضع الخيارات!
تتكرر الصورة في مختلف القطاعات: الزراعة والصناعة والتصدير؛ تحذيرات لا تتحول سريعاً إلى وقاية، وبنية تحتية لا تواكب حاجات الإنتاج، وعوائق تقنية تعرقل وصول المنتجات اللبنانية إلى الأسواق الخارجية.. ولنأخذ نموذج التحولات المناخية وانعكاسها علينا وماذا ينتظرنا من أمطار وسيول، وهل احتاطت الدولة لتخفيف المشهديات الآتية بدلاً من حلها جذرياً؟
والأخطر أن العجز الطويل ينتج مصالح حوله. فعجز قطاع الكهرباء أنشأ سوق المولدات، وعجز قطاع المياه حوّل مورداً عاماً إلى تجارة صهاريج وشركات مياه، وتعثر الإدارة جعل الواسطة والإكرامية (الفساد) طريقاً إلى خدمة يفترض أن تكون حقاً. وهكذا يدفع المواطن للدولة، ثم يدفع أيضاً للبدائل التي نشأت من غيابها. ومع استمرار العجز، يتحول الحل المؤقت إلى مصلحة، والمصلحة إلى نفوذ، ويصبح النفوذ جزءاً من بنية المشكلة نفسها.. وبدل أن يكون طموح اللبناني 24 ساعة كهرباء، يصبح جُلّ همه فاتورة المولد الكهربائي صعوداً ونزولاً!
العجز لا يظهر في الخدمات والإدارة اليومية فقط. فعندما تدخل الدولة إلى الملفات السياسية والتفاوضية الأكثر حساسية، تظهر المشكلة بصورة أكثر خطورة، ولعل ما كشفه نائب رئيس الحكومة طارق متري عن تعاطي السلطة مع اتفاق الإطار يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فما رواه عن المادة الثالثة عشرة (عدم مقاضاة إسرائيل) لا ينبغي التعامل معه كتفصيل عابر في مسار تفاوضي معقد، بل كواقعة تطرح أسئلة أساسية حول كيفية عمل السلطة السياسية: من يملك المعرفة؟ من يحدد حدود التفاوض؟ ومن يتحمل مسؤولية ما يُقبل أو يُرفض؟
بحسب نائب رئيس الحكومة، وافق الوفد اللبناني على المادة الثالثة عشرة تحت ضغط التهديد الإسرائيلي بإقامة دعوى أمام المحاكم الأميركية ضد لبنان، بحجة إيوائه منظمة إرهابية. وأضاف أن غالبية أعضاء الحكومة لم تكن قد اطّلعت على اتفاق الإطار.
إذا صحّ هذا الوصف، فنحن أمام سؤال لا يتعلق بالمادة الثالثة عشرة وحدها: كيف يمكن لحكومة أن تتعامل مع بند في اتفاق بهذا الحجم على أساس أنه لا يعنيها، فيما غالبية أعضائها لم تطّلع أصلاً على الاتفاق الذي يتضمنه؟
فإذا كان الضغط السياسي أو القانوني كافياً لدفع لبنان إلى التراجع عن حق يراه من حقوقه، فنحن لا نكون أمام تفاوض متكافئ، بل أمام إدارة للضغط وانحناء أمام موازين القوة.
الدولة القادرة.. عاجزة!
لبنان يملك قطاعاً عاماً واسعاً، يضم مئات آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين (عاملين ومتقاعدين)، ووزارات وأجهزة أمنية وإدارية وقضائية وبلديات ومؤسسات رقابية.. والدولة قادرة على معرفة ما إذا أراد مواطن أن يبني غرفة صغيرة في أقصى قرية لبنانية، أو أن يحفر بئراً لري محاصيله، فتحضر بكل أجهزتها. وهي تستطيع أن تطلب من المواطن أوراقاً لا تنتهي، وأن تعرف عنوانه ووظيفته وعقاره وضريبته ومعاملاته؛ لكنها حين تحتاج إلى معلومة استراتيجية تخصها، قد تبدأ من السؤال: أين نجد هذه المعلومات؟
عندما يتعلق الأمر بانتهاكات تقع على أرض الدولة، وبملف يمكن أن يصبح جزءاً من تفاوض سياسي أو مسار قانوني دولي، يقال إن المعلومات غير متوافرة، وإن الدولة لا تملك فريقاً متفرغاً للرصد. وهنا يظهر الانكشاف بأوضح صوره: الدولة ليست عاجزة عن الفعل فقط، بل مكشوفة بسبب نقص المعرفة التي يفترض أن تسبق الفعل. فالدولة التي لا تعرف ما يحدث على أرضها، أو لا تملك القدرة المؤسسية على توثيقه، تدخل التفاوض وهي تحمل جزءاً من ضعفها معها إلى الطاولة.
المفارقة تتعلق بثقافة العمل العام؛ فالمنصب الوزاري أو النيابي يفترض أن يكون موقعاً للمسؤولية وصناعة السياسات والرقابة والتشريع، لكن ماذا يحدث عندما يتحول العمل العام إلى حضور سياسي وإعلامي أكثر منه إنتاجاً مؤسسياً؟
الوزارة ليست إضافة إلى السيرة الذاتية، والنيابة ليست لقباً اجتماعياً، والعمل العام ليس سياحة سياسية. فالمواطن لا يحتاج إلى مسؤول يخبره كم مؤتمراً حضر، بل إلى مسؤول يستطيع أن يخبره ماذا أنجز: كم ملفاً أُنجز؟ كم قراراً نُفّذ؟ وكم مشكلة حُلّت؟
والأخطر أن الهشاشة، إذا طال أمدها، لا تعود تُعامل باعتبارها خللاً يجب إصلاحه، بل واقعاً يمكن إدارته. عندها تنشغل السلطة باحتواء نتائج الأزمات بدل معالجة أسبابها، وتوزيع الخسائر بدل منع إنتاجها، وإعادة إنتاج التسوية بعد كل أزمة بدل إعادة بناء القدرة المؤسسية التي تحول دون تكرارها.
تَرَفُ السياسيين
ترف السياسيين لا يعني فقط المال أو الامتيازات أو نمط الحياة؛ بل القدرة على البقاء في المعادلة السياسية رغم تعاقب الأزمات، والانتقال من تسوية إلى أخرى، واستمرار النفوذ حتى عندما تتراجع نتائج الدولة. أما عُرْيُ الدولة، فهو أن تجد نفسها بلا معلومات كافية، وبلا قدرة مؤسسية متماسكة، وبلا منظومة تفاوضية متكاملة، وبلا محاسبة حقيقية على النتائج؛ حاضرة في تفاصيل حياة المواطن، وغائبة حين تحتاج إلى معرفة نفسها والدفاع عن مصالحها.
وهنا يصبح عُرْي الدولة أخطر من مجرد ضعف إداري. فالدولة لا تُقاس بعدد وزاراتها وموظفيها وأجهزتها، ولا بحجم القوانين التي تنتجها، بل بمقدار ما تستطيع تحويله من معرفة إلى قرار، ومن قرار إلى تنفيذ، ومن سلطة إلى حماية للمصلحة العامة. وكلما اتسعت المسافة بين هذه العناصر، أصبحت الدولة أكبر حجماً وأقل قدرة.
أما تَرَف السياسي، ففي أن يستطيع العيش داخل هذه المفارقة من دون أن يدفع ثمنها: يتبدل موقعه، ويسافر، ويفاوض، ويظهر على الشاشات، وينتقل من تسوية إلى أخرى، فيما يدفع المواطن كلفة الطريق والكهرباء والمياه والإدارة، ثم يدفع في النهاية كلفة الدولة التي لم تقم بوظيفتها.
لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي في لبنان: لماذا تفشل الدولة مرة أخرى؟ بل كيف استطاع الفشل أن يصبح نظاماً قابلاً للاستمرار، وكيف استطاع السياسي أن ينجو من النتائج التي لا يستطيع المواطن النجاة منها؟ هنا تحديداً يلتقي تَرَف السياسيين بعُرْي الدولة: الأول يملك دائماً تسويةً أخرى، أما الثانية فتقف، عند لحظة الامتحان، بلا ما يكفي من المعرفة والقرار والقدرة.
